[2/69] الحَدِيث السَّابِع عشر
أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : " لاَ وضوءَ لِمْنَ لمْ يسم الله عَلَيْهِ " .
هَذَا الحَدِيث مَشْهُور ، وَله طرق مُتَكَلَّمٌ فِي كلّها ، وَالَّذِي يحضرنا الْآن مِنْهَا ستَّة :
أَحدهَا : عَن أبي هُرَيْرَة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - ، وَله طَرِيقَانِ :
أَحدهمَا : عَن قُتَيْبَة بن سعيد ، عَن مُحَمَّد بن مُوسَى ، عَن يَعْقُوب بن سَلمَة ، عَن أَبِيه ، عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : " لاَ صَلاَةَ لِمْنَ لاَ وضوءَ لَهُ وَلاَ وضوءَ لِمْن لمْ يَذْكر اسْمَ الله عَلَيْهِ " .
أخرجه الإِمام أَحْمد وَأَبُو دَاوُد هَكَذَا عَن قُتَيْبَة .
وَأخرجه ابْن مَاجَه ، عَن أبي كريب وعبد الرَّحْمَن بن إِبْرَاهِيم ، قَالَا : ثَنَا ابْن أبي فديك ، عَن مُحَمَّد بن مُوسَى بِإِسْنَادِهِ وَلَفظه .
[2/70] وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي "علله" ، عَن قُتَيْبَة بِمثلِهِ .
وَأخرجه الْحَاكِم فِي "الْمُسْتَدْرك" من طريقي قُتَيْبَة وَابْن أبي فديك ، لكنَّه قَالَ : فيهمَا يَعْقُوب بن أبي سَلمَة بِزِيَادَة "أبي" وَالْمَوْجُود فِي سَائِر رِوَايَات هَذَا الحَدِيث غَيره "ابْن سَلمَة" بِحَذْف "أبي" .
وَحَاصِل مَا يُعلل بِهِ هَذَا الحَدِيث : الضعْف والانقطاع ، أمّا الضعْف فيعقوب بن سَلمَة لَا أعرف حَاله ، وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي " الْمِيزَان " : شيخ لَيْسَ بعمدة .
وأمّا أَبوهُ سَلمَة فَلم يعرف حَاله الْمزي وَلَا الذَّهَبِيّ ، وإنَّما قَالَ فِي " الْمِيزَان " : لم يرو عَنهُ غير وَلَده . وَقد ذكره أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي " ثقاته " وَقَالَ : ربَّما أَخطَأ .
وأمَّا الِانْقِطَاع فَقَالَ التِّرْمِذِيّ فِي " علله " : " سَأَلت مُحَمَّدًا - يَعْنِي البُخَارِيّ - عَن هَذَا الحَدِيث فَقَالَ : مُحَمَّد بن مُوسَى المَخْزُومِي لَا بَأْس بِهِ مقارب الحَدِيث ، وَيَعْقُوب بن سَلمَة الْمدنِي لَا يُعرف لَهُ سَماع من أَبِيه وَلَا يعرف لِأَبِيهِ سَماع من أبي هُرَيْرَة . وَخَالف الْحَاكِم ، فَقَالَ فِي " الْمُسْتَدْرك " : "هَذَا حَدِيث صَحِيح الإِسناد . قَالَ : وَقد احْتج [2/71] مُسلم بِيَعْقُوب بن أبي سَلمَة الْمَاجشون ، وَاسم أبي سَلمَة دِينَار ، وَلم يخرجَاهُ قَالَ : وَله شَاهد . فَذكر حَدِيث أبي سعيد الَّذِي سَيَأْتِي .
وَاعْترض النَّاس عَلَى الْحَاكِم فِي تَصْحِيحه لهَذَا الحَدِيث وأنَّه عَلَى شَرط مُسلم ؛ فَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين ابْن الصّلاح : وَلَا يستشهد عَلَى ثُبُوت هَذَا الحَدِيث بِكَوْن الْحَاكِم حكم بِصِحَّة إِسْنَاده ؛ لأنَّا نَظرنَا فِيهِ فَوَجَدنَا إِسْنَاده قد انْقَلب عَلَيْهِ .
قَالَ الصريفيني - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي كِتَابه " رُوَاة الْكتب الْأَحَد عشر" عقب قَول الْحَاكِم : وَاسم أبي سَلمَة دِينَار . كَذَا ذكره ، وَالصَّوَاب الَّذِي عِنْد الْجَمَاعَة يَعْقُوب بن سَلمَة اللَّيْثِيّ إِن شَاءَ الله . وَقَالَ النَّوَوِيّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - : قَول الْحَاكِم : "هَذَا حَدِيث صَحِيح" لَيْسَ بِصَحِيح ، لِأَنَّهُ انْقَلب عَلَيْهِ إِسْنَاده واشتبه ، كَذَا قَالَه الْحَافِظ . وَلم يبين ابْن الصّلاح وَجه الانقلاب وَلَا النَّوَوِيّ وَجه الِاشْتِبَاه ، وَبَينه الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي " الإِمام " فَقَالَ بعد أَن ذكر مقَالَة الْحَاكِم الْمُتَقَدّمَة : وليعلم أَن مُسلما لم يحْتَج بِيَعْقُوب بن سَلمَة اللَّيْثِيّ ، عَن أَبِيه وَهُوَ رَاوِي هَذَا الحَدِيث ، كَذَلِك رَوَاهُ عَنهُ ابْن مَاجَه وَالدَّارَقُطْنِيّ - يَعْنِي وَغَيرهمَا كَمَا قدمْنَاهُ - وَيَعْقُوب بن سَلمَة لم يحْتَج بِهِ مُسلم . قَالَ : وَالَّذِي نرَاهُ أَن الحَدِيث ليعقوب بن سَلمَة وأنَّه وَقع انْتِقَال ذهني من يَعْقُوب بن سَلمَة إِلَى يَعْقُوب بن أبي سَلمَة .
[2/72] قَالَ : وَلَو سُلِّم أنَّه يَعْقُوب بن أبي سَلمَة فَيحْتَاج إِلَى معرفَة حَال أَبِيه أبي سَلمَة واسْمه دِينَار ثمَّ ذكر مقَالَة البُخَارِيّ الْمُتَقَدّمَة فِي تَعْلِيل هَذَا الحَدِيث
.
قُلْتُ : وَهَذَا متين ، فقد كَشَفْتُ كتب الْأَسْمَاء جرحا وتعديلًا فَلم أرَ دِينَارا هَذَا ، بل لم أرَ أحدا قَالَ : إِن الْمَاجشون يروي عَن أَبِيه . فتعيَّن غلط الْحَاكِم ، وَلَو صَحَّ لتوجه الِاعْتِرَاض عَلَى الْحَافِظ عبد الْغَنِيّ والصريفيني وجمال الدَّين الْمزي وتلميذه الذَّهَبِيّ حَيْثُ لم يذكرُوا لوالد أبي سَلمَة فِي كتبهمْ تَرْجَمَة ، وَأغْرب أَبُو الْفرج ابْن الْجَوْزِيّ فَقَالَ فِي كِتَابه " التَّحْقِيق " : هَذَا حَدِيث جيِّد .
والْحَافِظ أَبُو مُحَمَّد الْمُنْذِرِيّ فَقَالَ : هَذَا الحَدِيث أَجود أَحَادِيث الْبَاب . قَالَ : وَقد رُوِيَ فِي هَذَا الْمَعْنى أَحَادِيث لَيست بمستقيمة .
قَالَ شَيخنَا أَبُو الْفَتْح الْيَعْمرِي : وَفِيمَا قَالَه الْمُنْذِرِيّ نظر ، لانْقِطَاع حَدِيث أبي هُرَيْرَة هَذَا من وَجْهَيْن .
[2/73] قُلْتُ : لَا شكّ فِيهِ بل هُوَ ضَعِيف لوَجْهَيْنِ كَمَا قَرّرته لَك وأمَّا ابْن السكن فإنَّه ذكره فِي " صحاحه " ، وَهُوَ تساهل مِنْهُ كَمَا يعرف ذَلِكَ من نظر فِي كِتَابه هَذَا
.