|
الحَدِيث الثَّانِي وَالْعشْرُونَ رُوي أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : " عَشْر مِنَ الْفِطْرَةِ وعَدَّ مِنْهَا الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق " . هَذَا الحَدِيث وَارِد من طَرِيقين : أَحدهمَا : عَن عَائِشَة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - قَالَت : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : " مِنَ الْفِطْرَةِ قَصُّ الشَّارِبِ ، وإِعْفَاءُ اللحيةِ ، والسِّواكُ ، واسْتِنْشَاقُ المَاءِ ، وَقَصُّ الأَظْفَارِ ، وغسلُ البراجم ، ونتفُ الإِبِطِ ، وحلقُ العَانَةِ ، وانتقَاصُ الماءِ . قَالَ مُصعب بن شيبَة - أحد رُوَاته - : ونسيت الْعَاشِرَة إلاَّ أَن تكون الْمَضْمَضَة " وَقَالَ وَكِيع - وَهُوَ أحد رُوَاته - : "انتقاص المَاء : الِاسْتِنْجَاء" . رَوَاهُ مُسلم فِي "صَحِيحه" كَمَا تقدَّم فِي الْفُصُول الْمُتَقَدّمَة فِي السِّواك . [2/99] والانتقاص : بِالْقَافِ وَالصَّاد الْمُهْملَة . وَنقل الْعقيلِيّ عَن الإِمام أَحْمد أنَّه قَالَ : مُصعب بن شيبَة أَحَادِيثه مَنَاكِير ، مِنْهَا هَذَا الحَدِيث . وَقَالَ أَبُو حَاتِم : لَا يحمدونه ، وَلَيْسَ بِقَوي . ولعلَّ البُخَارِيّ إنَّما ترك إِخْرَاجه فِي "صَحِيحه" لأَجله ، أَو لأجل رِوَايَة سُلَيْمَان التَّيْمِيّ لَهُ عَن طلق مُرْسلَة ، كَمَا قَالَه ابْن مَنْدَه . والتيمي أجلُّ من مُصعب بِلَا شكّ ، فقد اتّفق عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ ، وَقَالَ شُعْبَة : مَا رَأَيْت أحدا أصدق مِنْهُ . الطَّرِيق الثَّانِي : رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي "سنَنه" عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل ، وَدَاوُد بن شبيب قَالَا : ثَنَا حَمَّاد ، عَن عَلّي بن زيد ، عَن سَلمَة بن مُحَمَّد بن عمار بن يَاسر - قَالَ مُوسَى : عَن أَبِيه . وَقَالَ دَاوُد : عَن عمار بن يَاسر - أنَّ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : " إِنَّ مِنَ الْفِطْرَةِ : المَضْمَضَةُ والاسْتِنْشَاقُ ..." فَذكر نَحوه - يَعْنِي : حَدِيث عَائِشَة الْمُتَقَدّم - قَالَ : وَلم يذكر "إعفاء اللِّحْيَة" زَاد "والختان" وَقَالَ : "والانتضاح" وَلم يذكر "انتقاص المَاء - يَعْنِي : الِاسْتِنْجَاء " . وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي "سنَنه" عَن سهل بن أبي سهل ، وَمُحَمّد بن يَحْيَى ، نَا أَبُو الْوَلِيد ، نَا حَمَّاد ، عَن عَلّي بن زيد ، عَن سَلمَة [2/100] ابن مُحَمَّد بن عمار بن يَاسر ، عَن عمار بن يَاسر ، أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : " مِنَ الْفِطْرَةِ : المَضْمَضَةُ والاسْتِنْشَاقُ ، والسِّوَاكُ ، وقَصُّ الشَّارِبِ ، وتَقْلِيمُ الأَظْفَارِ ، ونَتْفُ الإِبِطِ ، والاستحدادُ ، وغَسْلُ البراجم ، والانتضاحُ ، والاخْتِتَانُ " . وَرَوَاهُ أَحْمد فِي "مُسْنده" عَن عَفَّان ، ثَنَا حَمَّاد بِهِ إلاَّ أنَّه قَالَ : "إِنَّ مِنَ الْفِطْرَةِ ..." أَو " الْفطْرَة ..." فَذكرهَا . وَهَذَا حَدِيث ضَعِيف لَا يصلح للاحتجاج بِهِ لوَجْهَيْنِ : أَحدهمَا : أَن عَلّي بن زيد بن جدعَان ضَعِيف ، وإنْ كَانَ بَعضهم قَوَّاه . قَالَ ابْن الْقطَّان فِي " علله " : عَلّي بن زيد تَركه قوم وَضَعفه آخَرُونَ ، وَوَثَّقَهُ جمَاعَة ومدحوه ، وجملوا أمره ، أَنه كَانَ يرفع الْكثير مِمَّا يقفه غَيره ، وَاخْتَلَطَ آخرا وَلَا يتهم بِالْكَذِبِ وَكَانَ من الْأَشْرَاف . الْوَجْه الثَّانِي : أَنه مُنْقَطع ؛ لِأَن سَلمَة لمن يسمع عمارًا . قَالَ ابْن الْقطَّان : قَالَ البُخَارِيّ : لَا يُعرف أنَّه سمع من عمار أم لَا . وقَالَ الشَّيْخ زكي الدَّين وَغَيره : قَالَ البُخَارِيّ : لَا يعرف أَن سَلمَة بن مُحَمَّد سمع عمارًا . [2/101] وَقَالَ النَّوَوِيّ : قَالَ الْحفاظ : لم يسمع سَلمَة عمارًا . وَوجه ثَالِث : من التَّعْلِيل أَن سَلمَة هَذَا لَا يُعرف حَاله ، كَمَا قَالَه ابْن الْقطَّان فِي " علله " . لَكِنَّهَا عرفت . قَالَ ابْن حبَان : لَا يحْتَج بِهِ . وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي " الْمِيزَان " : صَدُوق فِي نَفسه ، رِوَايَته عَن جده مُرْسلَة وَعنهُ ابْن جدعَان وَحده ثمَّ ذكر كَلَام ابْن حبَان . وَوجه رَابِع : أنَّ رِوَايَة أبي دَاوُد عَن سَلمَة بن مُحَمَّد بن عمار بن يَاسر ، عَن أَبِيه ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - مُرْسلَة . قَالَ الشَّيْخ زكي الدَّين فِي " مُخْتَصر السّنَن " : حَدِيث سَلمَة بن مُحَمَّد ، عَن أَبِيه مُرْسل ؛ لأنَّ أَبَاهُ لَيست لَهُ صُحْبَة . لَا جرم أنَّ عبد الحقّ فِي "الْأَحْكَام" قَالَ : هَذَا الحَدِيث لَا يقطع بِهِ حكم . وَخَالف الشَّيْخ زكي الدَّين فَقَالَ فِي " كَلَامه عَلَى أَحَادِيث الْمُهَذّب " : هَذَا حسن غَرِيب . قَالَ : وَقد اخْتلف فِيهِ عَلَى حَمَّاد . قَالَ : وَقَالَ البُخَارِيّ : لَا يعرف أَن سَلمَة بن مُحَمَّد سمع عمارًا . ثمَّ قَالَ فِي " مُخْتَصر السّنَن " - كَمَا تقدم عَنهُ - : " حَدِيث سَلمَة عَن أَبِيه [2/102] مُرْسل ؛ لِأَن أَبَاهُ لَيست لَهُ صُحْبَة ، وَحَدِيثه عَن جده عمار قَالَ ابْن معِين : مُرْسل . وَقَالَ غَيره : لم يره . وَخَالف الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين ابْن الصّلاح فَقَالَ فِي " كَلَامه عَلَى الْمُهَذّب " : إِن هَذَا الحَدِيث قريب من الصِّحَّة . قَالَ : وَأَصَح مِنْهُ حَدِيث عَائِشَة . قَالَ : وَهُوَ بِمَعْنَاهُ . قُلْتُ : وأمَّا ابْن السكن فِي " صحاحه " فَذكره .
|