|
الحَدِيث الثَّالِث وَالْخَمْسُونَ " أَن رجلا تَوَضَّأ وَترك لمْعَة فِي عقبه ، فَلَمَّا كَانَ بعد ذَلِك أمره النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بِغسْل ذَلِك الْموضع وَلم يَأْمُرهُ بالاستئناف " . هَذَا الحَدِيث لَهُ طَرِيقَانِ : أَحدهمَا : عَن عمر - رَضي اللهُ عَنهُ - " أَن رجلا تَوَضَّأ فَترك مَوضِع ظفر عَلَى قدمه فَأَبْصَرَهُ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَ : ارْجع فَأحْسن وضوءك . فَرجع ثمَّ صَلَّى " رَوَاهُ مُسلم . وَفِي رِوَايَة لِأَحْمَد وَالْبَزَّار فِي "مسنديهما" "فَرجع فَتَوَضَّأ ثمَّ صَلَّى" . قَالَ الْبَزَّار : هَذَا الحَدِيث لَا نعلم أحدا أسْندهُ عَن عمر إِلَّا من هَذَا الْوَجْه ، وَقد رَوَاهُ الْأَعْمَش ، عَن أبي سُفْيَان ، عَن عمر مَوْقُوفا . قلت : فِي الأول ابْن لَهِيعَة ، وَفِي رِوَايَة لِابْنِ مَاجَه من طَرِيق ابْن لَهِيعَة عَن عمر قَالَ : " رَأَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - رجلا يتَوَضَّأ فَترك مَوضِع الظفر عَلَى قدمه فَأمره أَن يُعِيد الْوضُوء وَالصَّلَاة " . وَفِي رِوَايَة للدارقطني " أَن عمر بن الْخطاب رَأَى رجلا وبظهر قدمه لمْعَة لم يصبهَا المَاء قَالَ : فَقَالَ لَهُ عمر : أَبِهَذَا الْوضُوء تحضر الصَّلَاة ؟ فَقَالَ : يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ ، الْبرد شَدِيد وَمَا معي مَا يدفئني . فرق لَهُ [2/238] عمر بَعْدَ مَا هم بِهِ ، قَالَ : فَقَالَ لَهُ : اغسل مَا قد تركت من قدمك وَأعد الصَّلَاة . وَأمر لَهُ بخميصة " . الطَّرِيق الثَّانِي : عَن أنس بن مَالك - رَضي اللهُ عَنهُ - " أَن رجلا جَاءَ إِلَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَقد تَوَضَّأ وَترك عَلَى ظهر قدمه مثل الظفر فَقَالَ لَهُ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : ارْجع فَأحْسن وضوءك " . رَوَاهُ الْأَئِمَّة أَحْمد ، وَأَبُو دَاوُد ، وَابْن مَاجَه ، وَابْن خُزَيْمَة ، وَالدَّارَقُطْنِيّ وَقَالَ : تفرد بِهِ جرير بن حَازِم ، عَن قَتَادَة ، عَن أنس وَهُوَ ثِقَة . وَالْبَيْهَقِيّ فِي " خلافياته " وَقَالَ : رُوَاته كلهم ثِقَات مجمع عَلَى عدالتهم . قَالَ : وَشَاهده مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَن بَقِيَّة ، عَن بحير - يَعْنِي : بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَكسر الْحَاء الْمُهْملَة وَآخره رَاء مُهْملَة ، وَهُوَ ابْن سعد - عَن خَالِد بن معدان ، عَن بعض أَصْحَاب النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - " أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - [2/239] رَأَى رجلا يُصَلِّي وَفِي ظهر قدمه لمْعَة قدر الدِّرْهَم لم يصبهَا المَاء ، فَأمره رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن يُعِيد الْوضُوء وَالصَّلَاة " . قَالَ : وَهَذَا مُنْقَطع . وَقَالَ فِي "سنَنه" : مُرْسل . قَالَ : وَقَوله عَلَيْهِ السَّلَام : "ارْجع فَأحْسن وضوءك" يُرِيد بِهِ - إِن شَاءَ الله تَعَالَى - غسل مَا لم يصبهُ المَاء . قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي " الإِمَام " : يُرِيد الْبَيْهَقِيّ بقوله : "هُوَ مُرْسل" لعدم ذكر الصَّحَابِيّ الرَّاوِي ، وَلَيْسَ هَذَا مِمَّا يَجْعَل الحَدِيث فِي حكم الْمُرْسل الْمَرْدُود عِنْد أهل الحَدِيث ؛ فَإِن سَمَّاهُ مُرْسلا مَعَ أَن حكمه حكم الْمَوْصُول فَلَا يضر الْمُسْتَدلّ بِهِ . وَكَذَا حكم عَلَيْهِ بِالْإِرْسَال ابْن الْقطَّان وَعَابَ عَلَى عبد الْحق حَيْثُ عقبه بِبَقِيَّة دونه . وَقَالَ الْأَثْرَم : قلت لَهُ - يَعْنِي : أَحْمد - هَذَا إِسْنَاد جيد ؟ قَالَ : نعم . قلت لأبي عبد الله : إِذا قَالَ رجل من التَّابِعين : حَدثنِي رجل من أَصْحَاب النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَلم يسمه ؛ فَالْحَدِيث صَحِيح ؟ قَالَ : نعم . وَفِي هَذِه الرِّوَايَة الَّتِي ذكرهَا الْأَثْرَم عَن أبي عبد الله تَعْلِيقا "أَن رجلا تَوَضَّأ وَترك موضعا من جسده ..." . [2/240] قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين : وَقَالَ شَيخنَا - يَعْنِي : الشَّيْخ زكي الدَّين - : فِي إِسْنَاده بَقِيَّة ، وَفِيه مقَال . قَالَ الشَّيْخ : قلت : فِي "الْمُسْتَدْرك" من طَرِيق بَقِيَّة "نَا بحير" فعلَى هَذَا سلم من تُهْمَة التَّدْلِيس من بَقِيَّة فِي رِوَايَته عَن بحير . انْتَهَى كَلَام الشَّيْخ . وَقَوله : قلت فِي "الْمُسْتَدْرك" . لَعَلَّه وهم من النَّاسِخ ، فَإِن هَذَا الحَدِيث لَيْسَ لَهُ ذكر فِيهِ وَإِنَّمَا صَوَابه فِي "الْمسند" - يَعْنِي لِأَحْمَد بن حَنْبَل - فَإِنَّهُ أخرجه كَذَلِك فِيهِ ، وَفِيه : "عَن بعض أَزوَاج رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - " بدل : "أَصْحَاب رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - " وَقد وَقع عَلَى الصَّوَاب فِي "الْإِلْمَام" للشَّيْخ ، فَتبين أَن الْمَذْكُور غلط من النَّاسِخ ، وَقد تبع الشَّيْخ فِي هَذَا الْغَلَط إمامان من جلة شُيُوخنَا الْحفاظ ، فإياك والتقليد . وأعل ابْن حزم حَدِيث بَقِيَّة هَذَا ، فَقَالَ فِي "محلاه" : خبر لَا يَصح ؛ لِأَن رَاوِيه بَقِيَّة ، وَلَيْسَ بِالْقَوِيّ ، وَفِي السَّنَد من لَا يُدرى من هُوَ . وَقد تقدم لَك الْجَواب عَن ذَلِك ، وَأَن جَهَالَة الصَّحَابِيّ لَا تضر ، [2/241] كَيفَ وَهُوَ يَقُول فِي "محلاه" فِي كتاب الصَّلَاة فِي مَسْأَلَة وَمَا عمله الْمَرْء فِي صلَاته : كل نسَاء رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ثِقَات فواضل عِنْد الله مقدسات بِيَقِين . وَقد علمت أَن أَحْمد رَوَاهُ عَن بعض أَزوَاج رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ، وأجمل النَّوَوِيّ فِي " شرح الْمُهَذّب " القَوْل فِي تَضْعِيف هَذَا الحَدِيث فَقَالَ : إِنَّه حَدِيث ضَعِيف الْإِسْنَاد . وَقد علمت حَاله ، وَلِلْحَدِيثِ الَّذِي ذكره المُصَنّف - رَحِمَهُ اللَّهُ - طَرِيقَانِ آخرَانِ : أَحدهمَا : عَن الْمُغيرَة بن سِقلاب - بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة - عَن الْوَازِع بن نَافِع ، عَن سَالم ، عَن ابْن عمر ، عَن أبي بكر ، وَعمر - رَضي اللهُ عَنهما - قَالَا : " جَاءَ رجل وَقد تَوَضَّأ وَبَقِي عَلَى ظهر قَدَمَيْهِ مثل ظفر إبهامه فَقَالَ لَهُ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : ارْجع فَأَتمَّ وضوءك فَفعل" . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي " سنَنه " وَقَالَ : الْوَازِع ضَعِيف . وَالطَّبَرَانِيّ أَيْضا فِي " أَوسط معاجمه " لَكِن من رِوَايَة أبي بكر وَحده ، ثمَّ قَالَ : لَا يرْوَى عَن أبي بكر إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَاد وَإِن ابْن السقلاب تفرد بِهِ . وَقَالَ الْعقيلِيّ : لَا يُتَابِعه عَلَيْهِ إِلَّا من هُوَ مثله . وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم : سَأَلت أبي عَنهُ فَقَالَ : هَذَا حَدِيث بَاطِل بِهَذَا الْإِسْنَاد ، والوازع بن نَافِع ضَعِيف الحَدِيث . [2/242] الطَّرِيق الثَّانِي : عَن أبي المتَوَكل عَلّي بن دَاوُد - وَيُقَال : ابْن دؤاد - قَالَ : " تَوَضَّأ عمر وَبَقِي عَلَى ظهر رجله لمْعَة لم يصبهَا المَاء فَأمره رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن يُعِيد الْوضُوء " . رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم فِي " علله " عَن أَبِيه ، عَن قراد أبي نوح ، عَن شُعْبَة ، عَن إِسْمَاعِيل بن مُسلم ، عَن أبي المتَوَكل ثمَّ قَالَ : قَالَ أبي : أَبُو المتَوَكل لم يسمع من عمر ، وَإِسْمَاعِيل هَذَا لَيْسَ بِهِ بَأْس . فَائِدَة : "اللمْعَة" المتكررة فِي هَذِه الْأَحَادِيث هِيَ - بِضَم اللَّام - وَهِي الْجُزْء .
|