الحَدِيث الثَّانِي
عَن أبي هُرَيْرَة - رَضي اللهُ عَنهُ - أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : " من أَتَى الْغَائِط فليستتر فَإِن لم يجد إِلَّا أَن يجمع كثيبًا من رمل فَلْيفْعَل " .
هَذَا الحَدِيث بعض من حَدِيث طَوِيل ، وَقد فرقه الإِمَام الرَّافِعِيّ فَذكر بعضه هُنَا وَبَعضه فِي آخر الْبَاب وَترك بعضه ؛ فلنذكره هُنَا بِكَمَالِهِ فَنَقُول : رَوَاهُ الإِمَام أَحْمد والدارمي فِي "مسنديهما" ، وَأَبُو دَاوُد ، وَابْن مَاجَه ، وَالْبَيْهَقِيّ فِي "سُنَنهمْ" ، وَأَبُو حَاتِم بن حبَان فِي [2/300] "صَحِيحه" ، وَالْحَاكِم فِي "الْمُسْتَدْرك عَلَى الصَّحِيحَيْنِ" مطولا ومختصرًا ، وَهَذَا لفظ أبي دَاوُد ، عَن أبي هُرَيْرَة - رَضي اللهُ عَنهُ - أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : " من اكتحل فليوتر ، من فعل فقد أحسن وَمن لَا فَلَا حرج ، وَمن استجمر فليوتر ، من فعل فقد أحسن وَمن لَا فَلَا حرج ، وَمن أكل فَمَا تخلَّل فليلفظ وَمَا لاك بِلِسَانِهِ فليبتلع ، من فعل فقد أحسن وَمن لَا فَلَا حرج ، وَمن أَتَى الْغَائِط فليستتر ؛ فَإِن لم يجد إِلَّا أَن يجمع كثيبًا من رمل فليستدبره ؛ فَإِن الشَّيْطَان يلْعَب بمقاعد بني آدم ، من فعل فقد أحسن وَمن لَا فَلَا حرج" .
هَذَا أكمل رِوَايَات هَذَا الحَدِيث ، وَلَفظ البَاقِينَ مُخْتَصرا ، وَبَعْضهمْ يزِيد عَلَى بعض ، وَالْحَاكِم ذكر قصَّة الْأكل مِنْهُ لَيْسَ إِلَّا ومداره عَلَى أبي سعيد الحبراني الْحِمصِي وَيُقَال : أَبُو سعد الْخَيْر الْأَنمَارِي ، واسْمه : زِيَاد . قَالَه الْمزي ، وَقيل : عَامر بن سعد ، وَقيل : عمر بن سعد - رَوَاهُ عَن أبي هُرَيْرَة .
قَالَ عبد الرَّحْمَن بن أبي حَاتِم : أَبُو سعيد الحبراني سَأَلت أَبَا زرْعَة عَنهُ فَقَالَ : لَا أعرفهُ . فَقلت : ألقِي أَبَا هُرَيْرَة ؟ فَقَالَ : عَلَى هَذَا [2/301] يوضع . وَذكر أَبُو حَاتِم بن حبَان أَبَا سعيد هَذَا فِي "ثقاته" فِي التَّابِعين ، وَذكره فِي "الصَّحَابَة" أَبُو نعيم ، وَابْن مَنْدَه ، وَابْن عبد الْبر ، وَقَالَ ابْن قَانِع : أَبُو سعد الْخَيْر الْأَنمَارِي اسْمه بحير ، وَسَماهُ مُعَاوِيَة بن سَلام : بحيرًا .
قَالَ أَبُو دَاوُد - عَلَى مَا نَقله الْحَافِظ جمال الدَّين الْمزي فِي "تَهْذِيب الْكَمَال" - : أَبُو سعد الْخَيْر من أَصْحَاب رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - . ثمَّ ذكر الشَّيْخ جمال الدَّين الْمزي عَن أبي سعد الْخَيْر حديثين فِي أَحدهمَا : سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - .
قلت : وَزعم العسكري أَن الصَّحَابِيّ المكنى أَبَا سعيد الْأَنمَارِي والْمُسَمَّى عَامِرًا أَو عمرا هُوَ المكنى أَيْضا أَبَا كَبْشَة .
وَاخْتلف الْحفاظ فِي تَصْحِيح هَذَا الحَدِيث وتضعيفه بِحَسب تَوْثِيق بعض الْأَئِمَّة لأبي سعد الْخَيْر وجهالة بَعضهم إِيَّاه .
فَقَالَ ابْن عبد الْبر : لَيْسَ إِسْنَاده بالقائم فِيهِ مَجْهُولَانِ . كَأَنَّهُ عَنى [2/302] بِالْمَجْهُولِ الآخر حُصَيْن الْحِمْيَرِي الحبراني الرَّاوِي عَن أبي سعد الْخَيْر ، وَلَيْسَ هُوَ مَجْهُولا ؛ فقد ذكره أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي كِتَابه " الثِّقَات " فِي أَتبَاع التَّابِعين فَقَالَ : كنيته أَبُو سعيد ، رَوَى عَنهُ ثَوْر بن يزِيد ، وَرَوَى عَن أبي سعد الْخَيْر . وَقَالَ أَبُو زرْعَة فِي حَقه : شيخ مَعْرُوف . وَقَالَ يَعْقُوب بن سُفْيَان الْفَسَوِي فِي " تَارِيخه " : لَا أعلم إِلَّا خيرا . وَقَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ : شيخ . وَقَالَ الْحَافِظ عبد الْحق فِي " الْأَحْكَام " : فِي إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث الْحصين الحبراني وَلَيْسَ بِالْقَوِيّ .
وَقَالَ ابْن حزم فِي " محلاه " : الْحصين مَجْهُول وَأَبُو سعيد - أَو أَبُو سعد - الْخَيْر كَذَلِك
. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي " خلافياته " : لم يحْتَج بِإِسْنَاد هَذَا الحَدِيث وَاحِد من الشَّيْخَيْنِ وَأَبُو سعد لَيْسَ بِمَشْهُور . هَذِه أَقْوَال من ضعفه ، وَالْحق أَنه حَدِيث صَحِيح لاسيما [2/303] عَلَى قَول أبي دَاوُد أَن أَبَا سعيد صَحَابِيّ ، وَلَا يلْزم من عدم احتجاجهما بِسَنَدِهِ ضعفه ، وَقد صَححهُ جماعات مِنْهُم الإِمَام أَبُو حَاتِم بن حبَان فَإِنَّهُ أخرجه فِي "صَحِيحه" من الطَّرِيق الْمَذْكُور ، وَكَذَلِكَ الْحَاكِم أَبُو عبد الله فِي "الْمُسْتَدْرك عَلَى الصَّحِيحَيْنِ " فِي آخر كتاب الْأَطْعِمَة ، وَقَالَ بعد إِخْرَاجه : هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد . وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي " شرح الْمُهَذّب " : هَذَا حَدِيث حسن . وَقَالَ فِي " شرح مُسلم " : إِنَّه حَدِيث صَحِيح . وَقَالَ الشَّيْخ زكي الدَّين فِي كَلَامه عَلَى أَحَادِيث "الْمُهَذّب" : هُوَ حَدِيث حسن . هَذَا كُله مَعَ سكُوت أبي دَاوُد عَنهُ .
وَسُئِلَ الدَّارَقُطْنِيّ عَن هَذَا الحَدِيث فَقَالَ فِي " علله " : يرويهِ ثَوْر بن يزِيد ، وَاخْتلف عَنهُ : فَرَوَاهُ عبد الْملك بن الصَّباح وَالْحسن بن عَلّي بن عَاصِم ، عَن ثَوْر ، عَن حُصَيْن الحبراني ، عَن أبي هُرَيْرَة ، وَرَوَاهُ عِيسَى بن يُونُس ، عَن ثَوْر ، عَن حُصَيْن ، عَن أبي سعيد ، عَن أبي هُرَيْرَة ، [2/304] وَالصَّحِيح عَن أبي سعيد .
"الْكَثِيب" الْمَذْكُور فِي الحَدِيث - بالثاء الْمُثَلَّثَة - قِطْعَة من الرمل مستطيلة مَحْدُود بِهِ تشبه الربوة
.