الحَدِيث الْحَادِي عشر
أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : " استنزهوا من الْبَوْل ؛ فَإِن عَامَّة عَذَاب الْقَبْر مِنْهُ " .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، وَله طرق كثيرات بِأَلْفَاظ مختلفات ، وَفِي الْمَعْنى متفقات .
رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي "سنَنه" عَن عبد الْبَاقِي بن قَانِع ، نَا عبد الله بن مُحَمَّد بن صَالح السَّمرقَنْدِي ، نَا مُحَمَّد بن الصَّباح السمان الْبَصْرِيّ ، ثَنَا أَزْهَر بن سعد السمان ، عَن ابْن عون ، عَن ابْن سِيرِين ، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا بِاللَّفْظِ الَّذِي ذكره الإِمَام الرَّافِعِيّ سَوَاء .
[2/324] وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي "الْمُسْتَدْرك" عَن الْأَصَم ، نَا حمدَان ، نَا عَفَّان ، نَا أَبُو عوَانَة ، عَن الْأَعْمَش ، عَن أبي صَالح ، عَن أبي هُرَيْرَة - رَفعه - : "أَكثر عَذَاب الْقَبْر من الْبَوْل " .
وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه أَيْضا فِي "سنَنه" عَن أبي بكر بن أبي شيبَة ، ثَنَا عَفَّان ، ثَنَا أَبُو عوَانَة ... بِمثلِهِ إِسْنَادًا ومتنًا .
وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا فِي "سنَنه" عَن أبي عَلّي الصفار ، عَن حمدَان بِهِ سَوَاء .
وَكَذَا أَحْمد فِي "مُسْنده" عَن يَحْيَى بن حَمَّاد ، عَن أبي عوَانَة .
قَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم ، وَلَا أعلم لَهُ عِلّة ، وَلم يخرجَاهُ .
وَقَالَ الْحَافِظ ضِيَاء الدَّين الْمَقْدِسِي : إِسْنَاده حسن .
قَالَ الْحَاكِم : وَله شَاهد من حَدِيث أبي يَحْيَى القَتَّات ، أخبرنَا عَلّي بن عِيسَى ، نَا أَبُو إِبْرَاهِيم بن أبي طَالب ، نَا مُحَمَّد بن رَافع ، نَا إِسْحَاق بن مَنْصُور ، نَا إِسْرَائِيل ، عَن أبي يَحْيَى ، عَن مُجَاهِد ، عَن ابْن عَبَّاس رَفعه إِلَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : " عَامَّة عَذَاب الْقَبْر من الْبَوْل " .
وَرَوَى هَذَا أَيْضا الدَّارَقُطْنِيّ فِي "سنَنه" عَن أَحْمد بن عَمْرو [2/325] ابن عُثْمَان ، نَا مُحَمَّد بن عِيسَى الْعَطَّار ، نَا إِسْحَاق بن مَنْصُور ... فَذكره ، وَزَاد فِي آخِره : "فتنزهوا من الْبَوْل" .
وَخَالف أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة ، قَالَ ابْنه فِي "علله" : سَأَلته عَن حَدِيث رَوَاهُ عَفَّان عَن أبي عوَانَة ، عَن الْأَعْمَش ، عَن أبي صَالح ، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا : " أَكثر عَذَاب الْقَبْر فِي الْبَوْل " فَقَالَ أبي : هَذَا حَدِيث بَاطِل . قَالَ ابْنه : يَعْنِي : مَرْفُوعا .
وَالْحق مَا قَالَه الْحَاكِم والضياء الْمَقْدِسِي ، فَإِن إِسْنَاده حسن ؛ بل صَحِيح كَمَا ذَكرْنَاهُ بِطرقِهِ .
وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي " شرح الْمُهَذّب " عقب إِيرَاد الشَّيْخ أبي إِسْحَاق لهَذَا الحَدِيث بِلَفْظ " تنزهوا من الْبَوْل ؛ فَإِن عَامَّة عَذَاب الْقَبْر مِنْهُ " : رَوَاهُ عبد بن حميد - شيخ البُخَارِيّ وَمُسلم - فِي "مُسْنده" من رِوَايَة ابْن عَبَّاس بِإِسْنَاد كلهم عدُول ضابطون بِشَرْط "الصَّحِيحَيْنِ" إِلَّا رجلا وَاحِدًا ، وَهُوَ أَبُو يَحْيَى القَتَّات فَاخْتَلَفُوا فِيهِ فجرحه الْأَكْثَرُونَ ، وَوَثَّقَهُ يَحْيَى بن معِين فِي رِوَايَة عَنهُ ، وَرَوَى لَهُ مُسلم فِي "صَحِيحه" وَله متابع عَلَى حَدِيثه وشواهد تَقْتَضِي مجموعها حسنه وَجَوَاز الِاحْتِجَاج بِهِ .
قلت : وَهُوَ كَمَا قَالَ ، لكنه أبعد النجعة فِي عزو هَذَا الحَدِيث إِلَى مُسْند عبد بن حميد ، وَهُوَ فِي "سنَن الدَّارَقُطْنِيّ" و"مُسْتَدْرك [2/326] الْحَاكِم" كَمَا تقدم ، وَترك لَهُ إِسْنَادًا أصح مِنْهُ كَمَا تقدم من طريقهما أَيْضا وعقب مَا ذكره بِأَن قَالَ : وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من رِوَايَة أنس وَقَالَ فِيهَا : الْمَحْفُوظ أَنه مُرْسل . فَرُبمَا أوهم هَذَا أَنه لَيْسَ فِي الدَّارَقُطْنِيّ إِلَّا من هَذَا الْوَجْه ، نعم حَدِيث أنس هَذَا الْأَصَح إرْسَاله ، كَمَا قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ ، وَكَذَا قَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي "علله" عَن أَبِيه أَنه الْأَشْبَه ، لكنه نقل عَن أبي زرْعَة أَن الْمَحْفُوظ رَفعه .
قلت : وَيروَى أَيْضا من حَدِيث عبَادَة بن الصَّامِت أخرجه الْبَزَّار فِي "مُسْنده
" .