الحَدِيث الثَّانِي عشر
رَوَى " أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ يتمخر الرّيح - أَي : ينظر أَيْن مجْراهَا - لِئَلَّا يرد عَلَيْهِ الْبَوْل " .
هَذَا الحَدِيث لَا أعلم من رَوَاهُ مَرْفُوعا من فعل سيدنَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ، وَإِنَّمَا ورد من أمره ، قَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي " علله " : سَأَلت أبي عَن حَدِيث رَوَاهُ أَحْمد بن ثَابت فرخويه ، عَن عبد الرَّزَّاق ، عَن معمر ، [2/327] عَن سماك بن الْمفضل ، عَن أبي رشدين الجندي ، عَن سراقَة بن مَالك ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : إِذا أَتَى أحدكُم الْغَائِط فَلَا تستقبلوا الْقبْلَة ، وَاتَّقوا مجَالِس اللَّعْن : الظل وَالْمَاء وقارعة الطَّرِيق ، واستمخروا الرّيح ، واستشبوا عَلَى سوقكم ، وَأَعدُّوا النبل " فَقَالَ أبي : إِنَّمَا يرويهِ مَوْقُوفا وأسنده عبد الرَّزَّاق بِأخرَة .
وَذكره الْخطابِيّ فِي "غَرِيبه" وَقَالَ : قَوْله : "استمخروا الرّيح" أَي : استقبلوها . وَقَالَ : قَوْله : "واستشبوا عَلَى سوقكم" أَي : انتصبوا عَلَى سوقكم ، يُرِيد الاتكاء عَلَيْهَا فِي قَضَاء الْحَاجة ، وَمِنْه شبوب الْفرس ، وَهُوَ أَن يرفع يَدَيْهِ ويعتمد عَلَى رجلَيْهِ .
وَرَوَى أَبُو عبيد فِي كِتَابه "غَرِيب الحَدِيث" عَن عباد بن عباد ، عَن وَاصل مولَى أبي عُيَيْنَة قَالَ : "كَانَ يُقَال : إِذا أَرَادَ أحدكُم الْبَوْل فليتمخر الرّيح" قَالَ أَبُو عبيد : يَعْنِي أَن ينظر من أَيْن مجْراهَا فَلَا يستقبلها وَلَكِن يستدبرها كي لَا ترد عَلَيْهِ الرّيح الْبَوْل .
قلت : وَقَوله : "استمخروا" هُوَ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة ، كَذَا ضَبطه الْهَرَوِيّ فِي "غَرِيبه" ، فَإِنَّهُ ذكره فِي بَاب الْمِيم مَعَ الْخَاء والمخر أَصله الشق قَالَ تَعَالَى : وَترَى الْفلك مواخر فِيهِ أَي شاقات .
وَقد جَاءَت أَحَادِيث فِي كَرَاهِيَة الْبَوْل فِي الْهَوَاء لَكِنَّهَا ضَعِيفَة :
أَحدهَا : عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ : " كَانَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يكره الْبَوْل فِي الْهَوَاء " .
[2/328] رَوَاهُ ابْن عدي ، والعقيلي ، وَالْبَيْهَقِيّ ، وَفِي إِسْنَاده يُوسُف بن السّفر - بِفَتْح السِّين وَإِسْكَان الْفَاء - أَبُو الْفَيْض الشَّامي ، قَالَ أَبُو زرْعَة ، وَالنَّسَائِيّ ، وَالدَّارَقُطْنِيّ : مَتْرُوك الحَدِيث . وَقَالَ دُحَيْم : لَيْسَ بِشَيْء . وَقَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ : مُنكر الحَدِيث جدًّا . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ مرّة أُخْرَى : مَتْرُوك يكذب . وَقَالَ ابْن حبَان : لَا يجوز الِاحْتِجَاج بِهِ بِحَال . وَقَالَ الْعقيلِيّ : يحدث بمناكير قَالَ : وَهَذَا حَدِيث لَا يُتَابع عَلَيْهِ . قَالَ : وَهُوَ لَا يُقيم من الحَدِيث شَيْئا . وَنقل الْبَيْهَقِيّ عَن الْحَافِظ أبي أَحْمد بن عدي أَنه قَالَ فِيهِ : إِنَّه حَدِيث مَوْضُوع .
الحَدِيث الثَّانِي : عَن مَحْفُوظ بن عَلْقَمَة ، عَن الْحَضْرَمِيّ - وَكَانَ من أَصْحَاب رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : " إِذا بَال أحدكُم فَلَا يسْتَقْبل الرّيح ببوله فَيردهُ عَلَيْهِ " .
رَوَاهُ ابْن قَانِع فِي "مُعْجم الصَّحَابَة" ، وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي " علله " : سَأَلت أَبَا زرْعَة عَنهُ فَقلت : مَا حَال مَحْفُوظ ؟ فَقَالَ : لَا [2/329] بَأْس بِهِ وَلَكِن الشَّأْن فِي يُوسُف بن خَالِد - يَعْنِي : ابْن عمر السَّمْتِي الْبَصْرِيّ الْمَذْكُور فِي إِسْنَاده الَّذِي رَوَاهُ عَن عَمْرو بن سُفْيَان بن أبي البكرات ، عَن مَحْفُوظ - كَانَ يَحْيَى بن معِين يَقُول : يكذب .
قلت : هُوَ كَمَا قَالَ ؛ فَإِنَّهُ هَالك ، وَلَفظ أَحْمد فِيهِ : كَذَّاب خَبِيث عَدو الله رجل سوء ، لَا يحدث عَنهُ أحد فِيهِ خير . وَقَالَ مرّة : زنديق لَا يكْتب حَدِيثه . وَرَوَى عَنهُ الشَّافِعِي وَقَالَ : كَانَ ضَعِيفا . وَقَالَ عَمْرو بن عَلّي : كَانَ يكذب . وَقَالَ النَّسَائِيّ : كَذَّاب مَتْرُوك الحَدِيث . وَقَالَ أَبُو زرْعَة : ذَاهِب الحَدِيث . وَقَالَ ابْن حبَان : كَانَ يضع الْأَحَادِيث عَلَى الشُّيُوخ وَيقْرَأ عَلَيْهِم ثمَّ يَرْوِيهَا عَنْهُم لَا تحل الرِّوَايَة عَنهُ
.
الحَدِيث الثَّالِث : عَن هِشَام بن عُرْوَة ، عَن أَبِيه ، عَن عَائِشَة قَالَت : " مر سراقَة بن مَالك المدلجي عَلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَسَأَلَهُ عَن التغوط فَأمره أَن يتنكب الْقبْلَة وَلَا يستقبلها وَلَا يستدبرها ، وَلَا يسْتَقْبل الرّيح ، وَأَن يستنجي بِثَلَاثَة أَحْجَار لَيْسَ فِيهَا رجيع ، أَو ثَلَاثَة أَعْوَاد أَو ثَلَاث حثيات من تُرَاب " .
رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي " سنَنه " عَن أبي جَعْفَر مُحَمَّد بن سُلَيْمَان [2/330] النعماني ، نَا أبوعتبة أَحْمد بن الْفرج ، ثَنَا بَقِيَّة ، حَدثنِي مُبشر بن عبيد ، حَدثنِي الْحجَّاج بن أَرْطَاة ، عَن هِشَام بِهِ . ثمَّ قَالَ : لم يروه غير مُبشر بن عبيد وَهُوَ مَتْرُوك الحَدِيث . زَاد ابْن الْجَوْزِيّ فِي " الضُّعَفَاء " عَنهُ : يضع الْأَحَادِيث ويكذب .
الحَدِيث الرَّابِع : عَن يزِيد بن يَحْيَى بن أبي كثير ، عَن خَلاد أَنه سمع أَبَاهُ يَقُول : " أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ يَقُول : إِذا خرج أحدكُم يتغوط أَو يَبُول فَلَا يسْتَقْبل الْقبْلَة وَلَا يستدبرها ، وَلَا يسْتَقْبل الرّيح ، وليمسح ثَلَاث مَرَّات ، وَإِذا خرج الرّجلَانِ جَمِيعًا فليتفرقا ، وَلَا يجلس أَحدهمَا قَرِيبا من صَاحبه وَلَا يتحدثان ؛ فَالله يمقت عَلَى ذَلِك " .
رَوَاهُ الْحَافِظ أَبُو بشر الدولابي فِي "الْأَسْمَاء والكنى" عَن إِبْرَاهِيم بن هَانِئ النَّيْسَابُورِي ، نَا مُحَمَّد بن يزِيد بن سِنَان ، نَا يزِيد بن يَحْيَى بن أبي كثير قَالَ : أَخْبرنِي خَلاد فَذكره . وَعَزاهُ صَاحب "الإِمَام" إِلَى [2/331] الْحَافِظ أَبُو بكر الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي جمعه لحَدِيث يَحْيَى بن أبي كثير قَالَ : وَفِي إِسْنَاده يزِيد بن سِنَان الرهاوي وَفِيه ضعف . وَقَالَ ابْن طَاهِر فِي كِتَابه " التَّذْكِرَة فِي الْأَحَادِيث المعلولة " بعد أَن ذكر هَذَا الحَدِيث : يزِيد هَذَا لَيْسَ بِشَيْء فِي الحَدِيث .
وَجَاء عَن حسان بن عَطِيَّة التَّابِعِيّ أَنه قَالَ : " يكره للرجل أَن يَبُول فِي هَوَاء ، وَأَن يتغوط عَلَى رَأس جبل كَأَنَّهُ طير وَاقع " رَوَاهُ ابْن عدي .
فَإِذا علم ضعف هَذِه الْأَحَادِيث تعين الِاحْتِجَاج بِالْمَعْنَى الَّذِي ابْتَدَأَ بِهِ الإِمَام الرَّافِعِيّ أَولا ، وَهُوَ لِئَلَّا ترد الرشاش عَلَيْهِ فيتنجس ، ويستأنس بِهَذِهِ الْأَحَادِيث
.