|
الحَدِيث الثَّامِن عشر قَالَ الرَّافِعِيّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - : كَمَال الْغسْل يحصل بِأُمُور ... [2/582] فَذكرهَا إِلَى أَن قَالَ : وَالرَّابِع يفِيض المَاء عَلَى رَأسه ، ثمَّ عَلَى الشق الْأَيْمن ، ثمَّ عَلَى الشق الْأَيْسَر ورد كَذَلِك فِي غسل رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - . انْتَهَى . الَّذِي ألفيته فِي ذَلِك حَدِيث عَائِشَة الثَّابِت فِي الصَّحِيحَيْنِ " أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ كَانَ إِذا اغْتسل من الْجَنَابَة دَعَا بِشَيْء نَحْو الحِلابِ ، فَأخذ بكفه بَدَأَ بشق رَأسه الْأَيْمن ثمَّ الْأَيْسَر ، ثمَّ أَخذ بكفيه فَقَالَ بهما عَلَى رَأسه " . هَذَا لفظ مُسلم وَقَالَ البُخَارِيّ : "فَبَدَأَ" بدل "بَدَأَ" وَقَالَ : "عَلَى وسط رَأسه" بدل "رَأسه" . وَفِي رِوَايَة لأبي بكر الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي "مستخرجه عَلَى صَحِيح البُخَارِيّ" : " كَانَ إِذا أَرَادَ أَن يغْتَسل من الْجَنَابَة دَعَا بِشَيْء دون الحلاب فَأخذ بكفه فَبَدَأَ بشقه الْأَيْمن ثمَّ الْأَيْسَر ، ثمَّ أَخذ بكفيه مَاء فأفرغ عَلَى رَأسه " وَفِي رِوَايَة لَهُ : " أَنه كَانَ يغْتَسل من حلاب ، ثمَّ يصب عَلَى شقّ رَأسه الْأَيْمن ، ثمَّ يصب عَلَى شقّ رَأسه الْأَيْسَر ، ثمَّ يَأْخُذ بكفيه فَيصب وسط رَأسه " . وَفِي رِوَايَة لِابْنِ خُزَيْمَة من حَدِيث الْقَاسِم أَنه سمع عَائِشَة تَقول : " كَانَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم - يغْتَسل من حلاب فَيَأْخُذ بكفيه فَيَجْعَلهُ عَلَى [2/583] شقَّه الْأَيْمن ويَأْخُذ بكفيه فَيَجْعَلهُ عَلَى شقَّه الْأَيْسَر ، ثمَّ يَأْخُذ بكفيه فَيَجْعَلهُ عَلَى وسط رَأسه " . وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي "صَحِيحه" بالسند الْمَذْكُور وَلَفظه : " كَانَ يغْتَسل من حلاب مثل هَذَا - وَأَشَارَ أَبُو عَاصِم بكفيه - يصب عَلَى شقّ الْأَيْمن ، ثمَّ يَأْخُذ بكفيه فَيصب عَلَى شقَّه الْأَيْسَر ، ثمَّ يَأْخُذ بكفيه فَيصب عَلَى سَائِر جسده " . ترْجم لَهُ : ذكر وصف الغرفات الثَّلَاث الَّتِي وصفناها للمغتسل من جنابته . وَرَوَى قبل ذَلِك فِي حَدِيث عَائِشَة بعد قَوْلهَا " ثمَّ يتَوَضَّأ كَمَا يتَوَضَّأ للصَّلَاة ، ثمَّ يدْخل أَصَابِعه فِي المَاء فيخلل بهَا أصُول شعره ، ثمَّ يصب عَلَى رَأسه ثَلَاث غرفات بِيَدِهِ ، ثمَّ يفِيض المَاء عَلَى سَائِر جسده " . وَفِي رِوَايَة للإسماعيلي عَن حَنْظَلَة ، عَن الْقَاسِم "أَنه سُئِلَ : كم يَكْفِي من غسل الْجَنَابَة ؟ قَالَ : سَمِعت عَائِشَة - رضي الله عنها - تَقول : كَانَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم - يغْتَسل بقدح مثل هَذَا - وَأَشَارَ حَنْظَلَة بِيَدِهِ - كَانَ يغسل يَدَيْهِ ، [2/584] ثمَّ يغسل وَجهه ، ثمَّ يَقُول بِيَدِهِ ثَلَاث غرفات مرّة عَن يَمِينه ، وَمرَّة عَن شقَّه الْأَيْسَر ، وَمرَّة بَينهمَا ، وَكَانَ كثير الشّعْر " . هَذَا مَا رَأَيْته فِي الْبَاب ، وَأقرب الرِّوَايَات إِلَى مَا سَاقه الرَّافِعِيّ رِوَايَة أبي حَاتِم بن حبَان . وَفِي البُخَارِيّ عَن عَائِشَة قَالَت : كُنَّا إِذا أصَاب إحدانا جَنَابَة أخذت بِيَدِهَا ثَلَاثًا فَوق رَأسهَا ، ثمَّ تَأْخُذ بِيَدِهَا عَلَى شقها الْأَيْمن ، وبيدها الْأُخْرَى عَلَى شقها الْأَيْسَر " . فَائِدَة : الحلاب الْمَذْكُور هُوَ - بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَتَخْفِيف اللَّام وَآخره بَاء مُوَحدَة - : الْإِنَاء الَّذِي يحلب فِيهِ . قَالَ القَاضِي : هُوَ إِنَاء يملؤه حلب النَّاقة ، وَيُقَال لَهُ : المحلب أَيْضا . وَكَذَا قَالَه الْخطابِيّ وَالْبَيْهَقِيّ أَنه إِنَاء يسع قدر حلبة نَاقَة . قَالَ - أَعنِي : الْبَيْهَقِيّ - : وَقد جَاءَ عَن أبي عَاصِم الضَّحَّاك أَنه قدر كوز يسع ثَمَانِيَة أَرْطَال . ثمَّ سَاقه عَنهُ بِإِسْنَادِهِ ، هَذَا هُوَ الصَّحِيح الْمَشْهُور الْمَعْرُوف فِي الرِّوَايَة ، وَأما البُخَارِيّ فَإِنَّهُ ترْجم عَلَى هَذَا الحَدِيث : بَاب من بدأَ بالحلاب وَالطّيب قبل الْغسْل ، وَهَذَا يدل عَلَى أَنه عِنْده ضرب من الطّيب ، وَهُوَ غير مَعْرُوف كَمَا قَالَه القَاضِي ؛ إِنَّمَا الْمَعْرُوف حب المحلب - بِفَتْح الْمِيم وَاللَّام - نوع من العقاقير الْهِنْدِيَّة تُوضَع فِي الطّيب ، وَقد رَوَاهُ بَعضهم فِي غير [2/585] "الصَّحِيحَيْنِ" بِشَيْء نَحْو الجُلاَّب - بِالْجِيم المضمومة وَتَشْديد اللَّام - وَنَقله الْهَرَوِيّ عَن الْأَزْهَرِي قَالَ : فَأَرَادَ بِهِ مَاء الْورْد ، فَارسي مُعرب ، وَأنكر الْهَرَوِيّ هَذَا وَقَالَ : أرَاهُ الحلاب . وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ : مَا توهمه البُخَارِيّ غلط ، وَمَا ذكره الْأَزْهَرِي وَغَيره تَصْحِيف . وَكَذَا قَالَ صَاحب "الْمطَالع" : إِن مَا دلّ عَلَيْهِ إِيرَاد البُخَارِيّ عَلَى أَنه ضرب من الطّيب لَا يعرف . وَادَّعَى ابْن الْأَثِير أَنه رُوِيَ بِالْجِيم ، ثمَّ قَالَ : وَيحْتَمل أَن البُخَارِيّ مَا أَرَادَ إِلَّا هُوَ ، لَكِن الَّذِي يرْوَى فِي كِتَابه ، إِنَّمَا هُوَ بِالْحَاء وَهُوَ بهَا أشبه ؛ لِأَن الطّيب لمن يغْتَسل بعد الْغسْل أليق بِهِ من قبله وَأولَى ؛ لِأَنَّهُ إِذا بَدَأَ بِهِ ثمَّ اغْتسل أذهبه المَاء .
|