|
الحَدِيث الثَّانِي بعد الْعشْرين " أَنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم - كَانَ يتَوَضَّأ بِالْمدِّ ويغتسل بالصاع" . هَذَا الحَدِيث صَحِيح وَله طرق : أَحدهَا : من حَدِيث سفينة - بِفَتْح أَوله وَكسر ثَانِيه - - رضي الله عنه - قَالَ : " كَانَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم - يُغَسِّلُهُ الصَّاع من المَاء من الْجَنَابَة ويوضئه الْمَدّ " وَفِي لفظ : " يغْتَسل بالصاع ويتطهر بِالْمدِّ " أَو قَالَ : " يطهره الْمَدّ" . رَوَاهُ مُسلم مُنْفَردا بِهِ ، بل لم يخرج البُخَارِيّ فِي كِتَابه عَن سفينة شَيْئا كَمَا نبه عَلَيْهِ عبد الْحق فِي "جَامعه" . [2/594] ثَانِيهَا : من حَدِيث أنس - رضي الله عنه - " أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ يتَوَضَّأ بِالْمدِّ ويغتسل بالصاع إِلَى خَمْسَة أَمْدَاد " . رَوَاهُ الشَّيْخَانِ فِي "صَحِيحَيْهِمَا" وَفِي رِوَايَة لَهما " كَانَ يغْتَسل بِخمْس مكاكيك وَيتَوَضَّأ بمكوك " ، وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ بدل "مكاكيك" : "مكاكي" . قَالَ ابْن خُزَيْمَة : المكوك هُوَ الْمَدّ نَفسه . وَسَبقه إِلَى ذَلِك أَبُو خَيْثَمَة وَوَقع فِي "جَامع المسانيد" لِابْنِ الْجَوْزِيّ أَن المكوك مكيال لَهُ مَعْرُوف ، وَأَنه لَيْسَ بالمعلوم الْقدر عندنَا . وَهُوَ غَرِيب مِنْهُ ؛ فقد قَالَ هُوَ نَفسه فِي كِتَابه "غَرِيب الحَدِيث" - وَمن خطه نقلت - قَوْله : كَانَ يغْتَسل بِخَمْسَة مكاكيك لَا زلت أستهول هَذَا ؛ لِأَن المكوك الْمَعْرُوف صَاع وَنصف ، وَقد كَانَ عَلَيْهِ السَّلَام يغْتَسل بالصاع الْوَاحِد ، إِلَى أَن رَأَيْت الْأَزْهَرِي قد حَكَى عَن اللَّيْث أَنه قَالَ : المكوك طاس يشرب بِهِ . فَزَالَ الْإِشْكَال قَالَ : وَقَالَ غَيره : المكوك إِنَاء يسع نَحْو الْمَدّ مَعْرُوف عِنْدهم . وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد " كَانَ يتَوَضَّأ بِإِنَاء يسع رطلين ويغتسل بالصاع " . وَفِي رِوَايَة لِأَحْمَد "يَكْفِي أحدكُم مد فِي الْوضُوء" . [2/595] ثَالِثهَا : من حَدِيث عَائِشَة - رضي الله عنها - " أَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم - كَانَ يغْتَسل بالصاع وَيتَوَضَّأ بِالْمدِّ " . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيّ ، وَابْن مَاجَه ، قَالَ الْمُنْذِرِيّ فِي الْقطعَة الَّتِي لَهُ عَلَى "الْمُهَذّب" : حَدِيث حسن وَرِجَاله كلهم ثِقَات ، وَهُوَ فِي "الصَّحِيحَيْنِ " عَنْهَا " أَنَّهَا لما سُئِلت عَن غسله من الْجَنَابَة دعت بِإِنَاء قدر الصَّاع فأفرغته عَلَى رَأسهَا " . رَابِعهَا : من حَدِيث جَابر - رضي الله عنه - مَرْفُوعا بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور ، رَوَاهُ أَحْمد ، وَأَبُو دَاوُد ، وَابْن مَاجَه ، وَابْن السكن ، وَصَححهُ ابْن الْقطَّان عَلَى رَأْي عبد الْحق ، وَرَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي "صَحِيحه" بِلَفْظ : " يُجزئ من الْوضُوء الْمَدّ ، وَمن الْجَنَابَة الصَّاع " . وَفِي البُخَارِيّ عَن جَابر " أَنه عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ يَكْفِيهِ الصَّاع فِي الْغسْل " ذكره بِقِصَّتِهِ ، وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي "علله" من حَدِيث ابْن مَسْعُود ، وَأَبُو أَحْمد من حَدِيث ابْن عمر ، وَفِيهِمَا ضعف ، وَفِي "سنَن ابْن مَاجَه" من حَدِيث يزِيد بن أبي زِيَاد - وَهُوَ صَدُوق سَاءَ حفظه - عَن عبد الله بن مُحَمَّد بن عقيل بن أبي طَالب - وَفِيه [2/596] لين - عَن أَبِيه ، عَن جده - رَفعه - : " يُجزئ من الْوضُوء مد ، وَمن الْغسْل صَاع . فَقَالَ رجل : لَا يكفينا . فَقَالَ : كَانَ يَكْفِي من هُوَ خير مِنْك وَأكْثر شعرًا - يَعْنِي : النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم - " ، وَفِي "الطَّبَرَانِيّ الْكَبِير" و" تَارِيخ الْعقيلِيّ " نَحوه وَضَعفه من رِوَايَة ابْن عَبَّاس ، وَفِي "الصَّحِيحَيْنِ" من حَدِيث عَائِشَة " كنت أَغْتَسِل أَنا وَالنَّبِيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم - من إِنَاء وَاحِد من قدح يُقَال لَهُ : الْفرق " . هَذَا لفظ البُخَارِيّ وَلَفظ مُسلم : " كَانَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم - يغْتَسل فِي الْقدح وَهُوَ الْفرق ، وَكنت أَغْتَسِل أَنا وَهُوَ فِي الْإِنَاء الْوَاحِد . قَالَ سُفْيَان : وَالْفرق ثَلَاثَة آصَع" ، وَفِي رِوَايَة لَهُ : " كَانَ يغْتَسل فِي إِنَاء - هُوَ الْفرق - من الْجَنَابَة " وَيجمع بَين هَذِه الْأَحَادِيث بِأَنَّهَا كَانَت أحوالاً لَهُ عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام وحد فِيهَا أَكثر مَا اسْتَعْملهُ وَأقله ، وَهُوَ دَال عَلَى أَنه لَا حد فِي قدر مَاء الطَّهَارَة يجب اسْتِيفَاؤهُ ، وَهُوَ مَا جمع بِهِ إمامنا الشَّافِعِي وَغَيره من الْعلمَاء . فَائِدَة : لَا خلاف عِنْد أهل الْحجاز - والمرجع إِلَيْهِم - أَن الْمَدّ رَطْل وَثلث ، وَأَن الصَّاع خَمْسَة أَرْطَال وَثلث ، وَأَن الْمَدّ ربع الصَّاع ، وَخَالف الْعِرَاقِيُّونَ فَجعلُوا الصَّاع ثَمَانِيَة أَرْطَال وَالْمدّ رطلين ، [2/597] وَاحْتَجُّوا لذَلِك بِمَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي "سنَنه" عَن أنس " أَنه عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ يتَوَضَّأ برطلين ، ويغتسل بالصاع ثَمَانِيَة أَرْطَال " وَفِي رِوَايَة لَهُ : " يتَوَضَّأ بِمد - رطلين - ويغتسل بالصاع - ثَمَانِيَة أَرْطَال " ، وَعَن عَائِشَة قَالَت : " جرت السّنة من رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم - فِي الْغسْل من الْجَنَابَة صَاع ، وَالْوُضُوء رطلين ، والصاع ثَمَانِيَة أَرْطَال " وَأجَاب الْحفاظ بضعفها ، قَالَ الْبَيْهَقِيّ : إِسْنَاده ضَعِيف . ثمَّ أوضحه ، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ أَيْضا : لَا يصحان . ثمَّ بَين ذَلِك ، لَكِن فِي "سنَن النَّسَائِيّ " بِإِسْنَاد حسن عَن مُوسَى الْجُهَنِيّ قَالَ : " أُتِي مُجَاهِد بقدح حزرته ثَمَانِيَة أَرْطَال ، فَقَالَ : حَدَّثتنِي عَائِشَة أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم - كَانَ يغْتَسل بِمثل هَذَا " وَأوردهُ ابْن حزم بِلَفْظ "يسع ثَمَانِيَة أَرْطَال ، تِسْعَة أَرْطَال ، عشرَة" ثمَّ رده بِهَذَا الشَّك ، وَرَوَى ابْن حزم عَن أنس - رَفعه - : " يُجزئ فِي الْوضُوء رطلان " ثمَّ قَالَ : لَا حجَّة فِيهِ ؛ لِأَن فِيهِ شريك بن عبد الله القَاضِي ، وَهُوَ مَعْرُوف بتدليس الْمُنْكَرَات عَن الثِّقَات ، وَقد أسقط حَدِيثه الإمامان يَحْيَى بن سعيد الْقطَّان وَابْن الْمُبَارك ، وتالله لَا أَفْلح من شهد عَلَيْهِ بالجرحة . انْتَهَى . حَدِيث أنس هَذَا عزاهُ ابْن عَسَاكِر والضياء الْمَقْدِسِي والْمزي [2/598] إِلَى التِّرْمِذِيّ بِهَذَا اللَّفْظ وَإِن لم أره فِي "جَامعه" وَشريك هَذَا قد رَوَى النَّسَائِيّ من طَرِيق ابْن الْمُبَارك عَنهُ ، وَقد رَوَى عَنهُ يَحْيَى الْقطَّان أَيْضا . وَمن الْأَقَاوِيل العجيبة فِي الْمَدّ أَنه الصَّاع . حَكَاهُ صَاحب "مجمع الغرائب" حَيْثُ قَالَ : الْمَدّ ربع وَيُقَال : هُوَ الصَّاع .
|