الحَدِيث الرَّابِع
عَن حُذَيْفَة - رضي الله عنه - قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم - : " فضلنَا عَلَى النَّاس بِثَلَاث : جعلت لنا الأَرْض مَسْجِدا ، وَجعل ترابها طهُورا ..." .
هَذَا الحَدِيث ذكره الإِمَام الرَّافِعِيّ دَلِيلا لنا عَلَى اعْتِبَار التُّرَاب فِي التَّيَمُّم ، ثمَّ بَين وَجه الدّلَالَة مِنْهُ فَقَالَ : عدل إِلَى ذكر التُّرَاب بعد ذكر الأَرْض فلولا اخْتِصَاص الطّهُور بِهِ بِالتُّرَابِ لقَالَ : جعلت الأَرْض مَسْجِدا وَطهُورًا . هَذَا لَفظه ، وَهُوَ عَجِيب ؛ فقد ثَبت ذَلِك فِي عدَّة أَحَادِيث صَحِيحَة كَمَا ستعلمه ، وَأما الحَدِيث بِاللَّفْظِ الَّذِي ذكره فَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي "سنَنه" من حَدِيث أبي عوَانَة ، عَن أبي مَالك الْأَشْجَعِيّ ، عَن ربعي بن حِرَاش - بحاء مُهْملَة ، ثمَّ رَاء ، ثمَّ ألف ، ثمَّ شين مُعْجمَة - عَن حُذَيْفَة [2/621] قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم - : " جعلت لنا الأَرْض كلهَا مَسْجِدا ، وَجعلت تربَتهَا لنا طهُورا ، وَجعلت صُفُوفنَا مثل صُفُوف الْمَلَائِكَة " .
ثمَّ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا من حَدِيث سعيد بن مسلمة ، حَدَّثَني أَبُو مَالك الْأَشْجَعِيّ بِهَذَا الْإِسْنَاد مثله ، وَقَالَ : " جعلت الأَرْض كلهَا لنا مَسْجِدا وترابها لنا طهُورا إِن لم نجد المَاء " .
وَرَوَاهُ أَبُو عوَانَة فِي "صَحِيحه" من حَدِيث أبي عوَانَة بِهِ بِلَفْظ : " فضلنَا عَلَى النَّاس بِثَلَاث : جعلت لنا الأَرْض مَسْجِدا ، وَجعل ترابها لنا طهُورا إِذا لم نجد المَاء ، وَجعلت صُفُوفنَا كَصُفُوف الْمَلَائِكَة " .
قلت : والْحَدِيث فِي "صَحِيح مُسلم " عَن أبي بكر بن أبي شيبَة ، حَدثنَا مُحَمَّد بن فُضَيْل ، عَن أبي مَالك ، عَن ربعي ، عَن حُذَيْفَة قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم - : " فضلت عَلَى النَّاس بِثَلَاث : جعلت صُفُوفنَا كَصُفُوف الْمَلَائِكَة ، وَجعلت لنا الأَرْض مَسْجِدا ، وَجعلت تربَتهَا لنا طهُورا إِذا لم نجد المَاء " . وَذكر خصْلَة أُخْرَى ثمَّ قَالَ مُسلم وَأَنا أَبُو كريب ، عَن مُحَمَّد بن الْعَلَاء ، ثَنَا ابن أبي زَائِدَة ، عَن سعد بن طَارق ، حَدَّثَني ربعي ، عَن حُذَيْفَة قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم - : "فضلنَا [2/622] عَلَى النَّاس بِثَلَاث ..." . وَرَوَاهُ أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي "صَحِيحه" من حَدِيث مُسَدّد ، عَن أبي عوَانَة ، عَن أبي مَالك ، عَن ربعي ، عَن حُذَيْفَة بِهِ وَزَاد : " وَأُوتِيت هَؤُلَاءِ الْآيَات من آخر سُورَة الْبَقَرَة من كنز تَحت الْعَرْش ، لم يُعْطه أحد قبلي وَلَا أحد بعدِي " وَهَذِه هِيَ الْخصْلَة الَّتِي لم يذكرهَا مُسلم .
وَرَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي "صَحِيحه" من حَدِيث ابْن فُضَيْل ، عَن أبي مَالك بِهِ بِلَفْظ : " فضلنَا عَلَى النَّاس بِثَلَاث جعلت لنا الأَرْض كلهَا مَسْجِدا ، وجعلت ترابها لنا طهُورا إِذا لم نجد المَاء ، وَجعلت صُفُوفنَا كَصُفُوف الْمَلَائِكَة ، وَأُوتِيت هَذِه الْكَلِمَات من آخر سُورَة الْبَقَرَة من بَيت تَحت الْعَرْش لم يُعْط مِنْهُ أحد قبلي وَلَا أحد بعدِي " .
وَوَقع لِابْنِ حزم فِي كِتَابه "الإيصال" وهم فَاحش فِي سَنَد هَذَا الحَدِيث ، فَجمع بَين الإسنادين اللَّذين أخرجهُمَا مُسلم ، وَقَالَ : سعد بن طَارق الَّذِي رَوَى عَنهُ ابْن أبي زَائِدَة غير أبي مَالك الَّذِي رَوَى عَنهُ ابْن فُضَيْل . ثمَّ أخرج بِسَنَدِهِ إِلَى مُسلم : نَا أَبُو بكر بن أبي شيبَة ، وَأَبُو كريب ، قَالَ ابْن أبي شيبَة : نَا مُحَمَّد بن فُضَيْل ، عَن أبي مَالك الْأَشْجَعِيّ ، وَقَالَ أَبُو كريب : نَا ابْن أبي زَائِدَة - وَهُوَ زَكَرِيَّا - عَن سعد بن طَارق ثمَّ اتّفق أَبُو مَالك وَسعد كِلَاهُمَا عَن ربعي ، عَن حُذَيْفَة . وَهَذَا عَجِيب فَأَبُو مَالك هُوَ سعد بن طَارق بِعَيْنِه ، كناه ابْن فُضَيْل فِي [2/623] الْإِسْنَاد ، وَسَماهُ ابْن أبي زَائِدَة ، لَا خلاف فِيمَا ذكرته بَين العارفين بأوائل هَذِه الصَّنْعَة ، لَا جرم اعْترض عَلَيْهِ فِي ذَلِك ابْن دحْيَة فِي كِتَابه "التَّنْوِير" وَقَالَ : ابْن حزم أحفظ أهل زَمَانه لَكِن غفل عَن حفظ المولد والوفاة والأسماء والكنى ؛ فَفِي تواليفه من الفضائح القبائح مَا لَا غطاء عَلَيْهِ ، مِنْهَا هَذَا الْموضع فِي كتاب "الإيصال" وَهُوَ خَمْسَة وثَلَاثُونَ مجلدًا ، استوعب أَبْوَاب الشَّرَائِع . وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو بكر بن مفوز الْمعَافِرِي : لم يَأْتِ فِي إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث بِهَذِهِ السوءة وَإِلَّا وهُوَ قد جهلهم كل الْجَهَالَة ثمَّ حط عَلَيْهِ ، ثمَّ إِن ابْن حزم أتبع هَذِه الفضيحة بِأُخْرَى فَقَالَ : ابْن أبي زَائِدَة الَّذِي رَوَى عَنهُ أَبُو كريب هُوَ زَكَرِيَّا . وَإِنَّمَا هُوَ ابْنه يَحْيَى بن زَكَرِيَّا بن أبي زَائِدَة - نسبه إِلَى جده فَتنبه لذَلِك .
وَأما حَدِيث "جعلت لنا الأَرْض مَسْجِدا وَطهُورًا" فَلهُ طرق :
أَحدهَا : من حَدِيث جَابر بِلَفْظ : " أَعْطَيْت خمْسا لم يُعْطهنَّ أحد من الْأَنْبِيَاء قبلي" فعد مِنْهَا "وَجعلت لي الأَرْض مَسْجِدا وَطهُورًا " أودعهُ الشَّيْخَانِ فِي "صَحِيحَيْهِمَا" .
ثَانِيهَا : من حَدِيث أبي هُرَيْرَة بِلَفْظ : " فضلت عَلَى الْأَنْبِيَاء بست : أَعْطَيْت جَوَامِع الْكَلم ، ونصرت بِالرُّعْبِ ، وَأحلت لي الْغَنَائِم ، وَجعلت لي الأَرْض مَسْجِدا وَطهُورًا ، وَأرْسلت إِلَى الْخلق كَافَّة ، وَختم بِي [2/624] النَّبِيُّونَ " فأودعه مُسلم فِي "صَحِيحه" .
ثَالِثهَا : من حَدِيث عَوْف بن مَالك بِلَفْظ : " أَعْطَيْت أَرْبعا لم يُعْطهنَّ أحد كَانَ قبلنَا ، وَسَأَلت رَبِّي الْخَامِسَة فَأَعْطَانِيهَا : كَانَ النَّبِي يبْعَث إِلَى قومه فَلَا يعدوها ، وبعثت كَافَّة إِلَى النَّاس ، وأرهب منا عدونا مسيرَة شهر ، وَجعلت لي الأَرْض طهُورا ومساجد ، وَأحل لنا الْخمس وَلم يحل لأحد كَانَ قبلنَا ، وَسَأَلت رَبِّي الْخَامِسَة فَسَأَلته أَن لَا يلقاه عبد من أمتِي يوحده إِلَّا أدخلهُ الْجنَّة فَأَعْطَانِيهَا " أودعهُ أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي "صَحِيحه" وَهُوَ حَدِيث عَظِيم .
وَفِي مُسْند أَحْمد و"سنَن الْبَيْهَقِيّ" من حَدِيث عبد الله بن مُحَمَّد بن عقيل ، عَن مُحَمَّد بن عَلّي أَنه سمع عَلّي بن أبي طَالب يَقُول : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم - : " أَعْطَيْت مَا لم يُعْط أحد من الْأَنْبِيَاء" فَقُلْنَا : مَا هُوَ يَا رَسُول الله ؟ قَالَ : نصرت بِالرُّعْبِ ، وَأعْطيت مَفَاتِيح الأَرْض ، وَسميت : أَحْمد ، وَجعل لي التُّرَاب طهُورا ، وَجعلت أمتِي خير الْأُمَم " . وَرَوَى الْحَافِظ أَبُو بكر الجوزقي من حَدِيث أنس مَرْفُوعا : " جعلت لي كل أَرض طيبَة مَسْجِدا وَطهُورًا " .
وَفِي فَوَائِد أبي عبد الله الثَّقَفِيّ بِإِسْنَاد صَحِيح عَن أبي أُمَامَة - رضي الله عنه - أَن [2/625] نَبِي الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم - قَالَ : " إِن الله فضلني عَلَى الْأَنْبِيَاء - أَو قَالَ : أمتِي عَلَى الْأُمَم - بِأَرْبَع : أَرْسلنِي إِلَى النَّاس كَافَّة ، وجعل الأَرْض كلهَا لي ولأمتي طهُورا ومسجدًا ؛ فأينما أدْركْت الرجل من أمتِي الصَّلَاة فَعنده مَسْجده وَطهُوره ، ونصرت بِالرُّعْبِ - يسير بَين يَدي - مسيرَة شهر يقذف فِي قُلُوب أعدائي ، وَأحلت لي الْغَنَائِم " .
وَذكره الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي " إلمامه " عَنهُ وَقَالَ : رَوَاهُ عَن قوم مُوثقِينَ وَفِي "صَحِيح ابْن حبَان" من حَدِيث أبي ذَر : " أَعْطَيْت خمْسا لم يُعْطهنَّ أحد قبلي : بعثت إِلَى الْأَحْمَر وَالْأسود ، وَأحلت لي الْغَنَائِم وَلم تحل لأحد قبلي ، ونصرت بِالرُّعْبِ فيرعب الْعَدو مسيرَة شهر ، وَجعلت لي الأَرْض مَسْجِدا وَطهُورًا ، وَقيل لي : سل تعطه ، فاختبأت دَعْوَتِي شَفَاعَة لأمتي يَوْم الْقِيَامَة ، وَهِي نائلة إِن شَاءَ الله - تَعَالَى - لمن لَا يُشْرك بِاللَّه شَيْئا " .
وَنقل أَحْمد فِي "مُسْنده" عقب رِوَايَته لهَذَا الحَدِيث عَن مُجَاهِد أَنه كَانَ يرَى أَن الْأَحْمَر : الْإِنْس ، وَالْأسود : الْجِنّ . قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي "جَامع المسانيد" : وَالَّذِي عَلَيْهِ الْمُفَسِّرُونَ أَن الْأَحْمَر الْعَجم ، وَالْأسود الْعَرَب ، وَالْغَالِب عَلَى ألوان الْعَرَب السمرَة ، وَعَلَى ألوان الْعَجم الْبيَاض . قَالَ أَبُو عمر : المُرَاد بالأحمر : الْأَبْيَض ، وَمِنْه قَوْله لعَائِشَة : "يَا حميراء" .
[2/626] فَائِدَة : رَوَى الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي "مُعْجَمه" من حَدِيث أنس رَفعه : " فضلت عَلَى النَّاس بِأَرْبَع : بالسخاء والشجاعة ، وَكَثْرَة الْجِمَاع ، وَشدَّة الْبَطْش " وروينا من حَدِيث السَّائِب ابْن أُخْت النمر "فضلت عَلَى الْأَنْبِيَاء بِخمْس ..." فَذكر مِنْهَا : "ونصرت بِالرُّعْبِ شهرا أَمَامِي وشهرًا خَلْفي
" .