الحَدِيث السَّادِس عشر
" أَن رجلَيْنِ خرجا فِي سفر فَحَضَرت الصَّلَاة وَلَيْسَ مَعَهُمَا مَاء ، فتيمما صَعِيدا طيبا ، فَصَليَا ، ثمَّ وجدا المَاء فِي الْوَقْت ، وَأعَاد أَحدهمَا الْوضُوء وَالصَّلَاة وَلم يعد الآخر ، ثمَّ أَتَيَا رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم - فذكرا ذَلِك لَهُ فَقَالَ للَّذي لم يعد : أصبت السّنة وأجزأتك صَلَاتك . وَقَالَ للَّذي أعَاد : لَك الْأجر مرَّتَيْنِ " .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق الْمسَيبِي [2/660] حَدثنَا عبد الله بن نَافِع ، عَن اللَّيْث بن سعد ، عَن بكر بن سوَادَة ، عَن عَطاء بن يسَار ، عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ : "خرج رجلَانِ فِي سفر ..." الحَدِيث - كَمَا ذكره الرَّافِعِيّ سَوَاء - ثمَّ قَالَ : غير ابْن نَافِع يرويهِ عَن اللَّيْث ، عَن عميرَة بن أبي نَاجِية ، عَن بكر بن سوَادَة ، عَن عَطاء بن يسَار . عَن أبي عبد الله مولَى إِسْمَاعِيل بن عبيد ، عَن عَطاء بن يسَار "أَن رجلَيْنِ من أَصْحَاب النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم - ..." بِمَعْنَاهُ .
وَرَوَاهُ الدَّارمِيّ فِي "مُسْنده" عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق مُسْندًا ، وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ مُسْندًا ومرسلاً ، وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي " سنَنه " مُسْندًا ، ثمَّ قَالَ : تفرد بِهِ عبد الله بن نَافِع ، عَن اللَّيْث بِهَذَا الْإِسْنَاد مُتَّصِلا ، وَخَالفهُ ابْن الْمُبَارك وَغَيره . ثمَّ رَوَاهُ بِإِسْنَادِهِ إِلَى ابْن الْمُبَارك عَن اللَّيْث ، عَن [2/661] بكر بن سوَادَة ، عَن عَطاء "أَن رجلَيْنِ أصابتهما جَنَابَة فتيمما" نَحوه ، وَلم يذكر أَبَا سعيد .
وَكَذَا قَالَ الطَّبَرَانِيّ فِي " الْأَوْسَط " : لم يروه مُتَّصِلا إِلَّا ابْن نَافِع ، تفرد بِهِ الْمسَيبِي . وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي " مُسْتَدْركه " من حَدِيث عبد الله بن نَافِع مُسْندًا ، ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم ؛ فَإِن عبد الله بن نَافِع ثِقَة ، وَقد وصل هَذَا الْإِسْنَاد عَن اللَّيْث ، وَقد أرْسلهُ غَيره . ثمَّ رَوَاهُ مُرْسلا ، قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي " الإِمَام " : لَعَلَّ الباحث الفطن يَقُول إِن الْحَاكِم صحّح الحَدِيث لاعتماده عَلَى وصل عبد الله بن نَافِع لحكمه بِكَوْنِهِ ثِقَة ، وَلم يلْتَفت إِلَى إرْسَال غَيره ، وَلَكِن بقيت عِلّة أُخْرَى وَهِي أَن أَبَا دَاوُد قد ذكر أَن غير ابْن نَافِع يرويهِ عَن اللَّيْث ، عَن عميرَة بن أبي نَاجِية ، عَن بكر ، فَمُقْتَضَى عَادَة الْمُحدثين تبين بِإِدْخَال عميرَة بَين اللَّيْث وبكر أَنه مُنْقَطع فِيمَا بَينهمَا وَيحْتَاج إِلَى معرفَة حَال عميرَة هَذَا ، وَقد قَالَ ابْن الْقطَّان : إِنَّه مَجْهُول الْحَال . وَأَيْضًا فَإِن رِوَايَة [2/662] ابْن لَهِيعَة تَقْتَضِي انْقِطَاعًا فِيمَا بَين بكر وَعَطَاء بن يسَار ، فَإِنَّهُ أَدخل بَينهمَا أَبَا عبد الله مولَى إِسْمَاعِيل - يَعْنِي السالف - فَهَذَا انْقِطَاع ثانٍ .
فَنَقُول - وَبِاللَّهِ الْعِصْمَة - : أما مَا يتَعَلَّق بعميرة بن أبي نَاجِية فَالْجَوَاب عَن التَّعْلِيل بروايته من وَجْهَيْن : أَحدهمَا : أَن عميرَة غير مَجْهُول ، بل هُوَ مَذْكُور بِالْفَضْلِ ، والحافظ أَبُو الْحسن بن الْقطَّان لم يمعن النّظر فِي أمره وَلَعَلَّه وقف عَلَى ذكره فِي "تَارِيخ البُخَارِيّ" وابْن أبي خَيْثَمَة من غير بَيَان حَاله فَقَالَ فِيهِ مَا قَالَ ، فقد قَالَ النَّسَائِيّ : هُوَ ثِقَة . وَقَالَ ابْن بكر : هُوَ ثِقَة . وَقَالَ أَحْمد بن صَالح لما سُئِلَ عَنهُ وَعَن أبي شُرَيْح : هما متقاربان فِي الْفضل . وَقَالَ ابْن يُونُس فِي " تَارِيخ مصر " : رَوَى عَنهُ عبد الرَّحْمَن بن شُرَيْح وَاللَّيْث وَابْن وهب ورشدين وَكَانَت لَهُ عبَادَة وَفضل .
قلت : وَذكره أَيْضا ابْن حبَان فِي " ثقاته " فِي أَتبَاع التَّابِعين
فَقَالَ : عميرَة بن أبي نَاجِية من أهل مصر يروي عَن يزِيد بن أبي حبيب رَوَى عَنهُ ابْن وهب .
الْوَجْه الثَّانِي : أَنه رُوِيَ من طَرِيق أبي الْوَلِيد الطَّيَالِسِيّ ، عَن اللَّيْث بن سعد ، عَن عَمْرو بن الْحَارِث وعميرة بن أبي نَاجِية ، عَن بكر ، عَن عَطاء ، عَن أبي سعيد "أَن رجلَيْنِ من أَصْحَاب النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم - ..." [2/663] الحَدِيث ذكره ابْن السكن - فِيمَا حَكَاهُ ابْن الْقطَّان - فَهَذَا اتِّصَال فِيمَا بَين اللَّيْث وَبكر بِعَمْرو بن الْحَارِث وعميرة بن أبي نَاجِية مَعًا ، وَفِيه ذكر أبي سعيد ، وَعَمْرو بن الْحَارِث من رجال "الصَّحِيحَيْنِ" إِمَام فِي بَلَده . وَأما الِانْقِطَاع بِسَبَب ابْن لَهِيعَة فِيمَا بَين بكر وَعَطَاء فَقَالَ ابْن الْقطَّان : لَا يلْتَفت إِلَيْهِ لضعف رِوَايَة ابْن لَهِيعَة . وَلم يذكر النَّوَوِيّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي "شرح الْمُهَذّب" تَصْحِيح وصل هَذَا الحَدِيث كَمَا نَقَلْنَاهُ وقررناه ، وَإِنَّمَا نقل مقَالَة أبي دَاوُد السالفة أَن الْمَحْفُوظ إرْسَاله ، ثمَّ قَالَ عَقِيبه : وَمثل هَذَا الْمُرْسل يحْتَج بِهِ الشَّافِعِي وَغَيره ؛ لِأَنَّهُ يحْتَج بمرسل كبار التَّابِعين إِذا أسْند ، أَو أرسل من جِهَة أُخْرَى ، أَو قَالَ بِهِ بعض الصَّحَابَة ، أَو عوام الْعلمَاء .
قَالَ : وَقد وجد فِي هَذَا الحَدِيث شَيْئَانِ فَمن ذَلِك أَحدهمَا : مَا رَوَاهُ الشَّافِعِي فِي "مُسْنده" بِإِسْنَادِهِ الصَّحِيح عَن نَافِع "أَن ابْن عمر أقبل من الجرف حتَّى إِذا كَانَ بالمربد تيَمّم وَصَلى الْعَصْر ، ثمَّ دخل الْمَدِينَة وَالشَّمْس مُرْتَفعَة فَلم يعد الصَّلَاة " .
ثَانِيهمَا : رَوَى الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَادِهِ عَن أبي الزِّنَاد قَالَ : كَانَ من أدْركْت من فقهائنا الَّذين ينتهى إِلَى قَوْلهم مِنْهُم سعيد بن الْمسيب - وَذكر [2/664] تَمام الْفُقَهَاء السَّبْعَة - يَقُولُونَ : من تيَمّم وَصَلى ثمَّ وجد المَاء وَهُوَ فِي الْوَقْت أَو بعده لَا إِعَادَة عَلَيْهِ
.