|
الحَدِيث الْعشْرُونَ عَن أم سَلمَة رَضي اللهُ عَنها " أَن امْرَأَة كَانَت تهراق الدَّم عَلَى عهد رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ، فاستفتيت لَهَا رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فَقَالَ : لتنظر عدد الْأَيَّام والليالي الَّتِي كَانَت تحيضهن من الشَّهْر قبل أَن يُصِيبهَا الَّذِي أَصَابَهَا ، فلتترك الصَّلَاة قدر ذَلِك من الشَّهْر ، فَإِذا خلفت ذَلِك فلتغتسل ، ثمَّ لتستثفر بِثَوْب ، ثمَّ لتصل " . هَذَا الحَدِيث عَلَى شَرط الصَّحِيح رَوَاهُ بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور الْأَئِمَّة : مَالك فِي "الْمُوَطَّأ" ، وَالشَّافِعِيّ فِي "الْأُم" ، وَأحمد والدارمي فِي "مسنديهما" ، وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه [3/122] وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ فِي "سُنَنهمْ" ، وَابْن الْجَارُود فِي "الْمُنْتَقَى" من رِوَايَة سُلَيْمَان بن يسَار ، عَن أم سَلمَة رَضي اللهُ عَنها بِالْأَسَانِيدِ الصَّحِيحَة . قَالَ النَّوَوِيّ فِي " شرح الْمُهَذّب " وَغَيره : إِسْنَاده عَلَى شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم . قلت : وَأعله جمَاعَة بالانقطاع ، قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي " سنَنه " : هَذَا حَدِيث مَشْهُور إِلَّا أَن سُلَيْمَان بن يسَار لم يسمعهُ من أم سَلمَة ، وَكَذَا قَالَ فِي " خلافياته " : أَن سُلَيْمَان لم يسمعهُ مِنْهَا ، إِنَّمَا سَمعه من رجل عَنْهَا ، كَذَلِك رَوَاهُ اللَّيْث بن سعد ، وَعبيد الله بن عمر ، وصخر بن جوَيْرِية ، عَن نَافِع ، عَن سُلَيْمَان ، عَن رجل عَنْهَا . وَقَالَ ابْن الْقطَّان فِي " الْوَهم وَالْإِيهَام " : هَذَا حَدِيث مُرْسل فِيمَا أرَى . وَقَالَ ابْن الْأَثِير فِي " شرح الْمسند " : إِنَّه مُرْسل . وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو مُحَمَّد الْمُنْذِرِيّ : لم يسمعهُ سُلَيْمَان مِنْهَا ، وَرَوَاهُ مُوسَى بن عقبَة ، عَن نَافِع ، عَن سُلَيْمَان ، عَن مرْجَانَة ، عَن أم سَلمَة . وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي " الإِمَام " : قد اخْتلف فِي إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث ، فَرَوَاهُ مَالك ، عَن نَافِع ، عَن سُلَيْمَان ، عَن أم سَلمَة ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَسد بن مُوسَى ، عَن اللَّيْث ، عَن نَافِع ، وَرَوَاهُ [3/123] كَذَلِك أَسد أَيْضا ، عَن أبي خَالِد الْأَحْمَر ، عَن الْحجَّاج ، عَن نَافِع بِهِ . قَالَ : وَقيل بِإِدْخَال رجل بَين سُلَيْمَان ، وَأم سَلمَة ، فَرَوَاهُ اللَّيْث ، عَن نَافِع ، عَن سُلَيْمَان أَن رجلا أخبرهُ عَن أم سَلمَة ... الحَدِيث . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من غير سِيَاقَة أَلْفَاظه كلهَا ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ صَخْر بن جوَيْرِية ، عَن نَافِع ، ذكره أَبُو دَاوُد محيلاً عَلَى رِوَايَة اللَّيْث ، وَسَاقه الدَّارَقُطْنِيّ وَابْن الْجَارُود بِتَمَامِهِ من حَدِيث صَخْر ، عَن نَافِع ، عَن سُلَيْمَان : أَنه حَدثهُ رجل عَن أم سَلمَة ، وَكَذَلِكَ ذكر عَن مُوسَى بن عقبَة ، عَن نَافِع ، عَن سُلَيْمَان ، عَن رجل ، عَن أم سَلمَة . ورأيته فِي "مُسْند السراج" لَيْسَ بَين سُلَيْمَان وَأم سَلمَة أحد . وَأخرجه أَبُو دَاوُد ، عَن نَافِع ، عَن سُلَيْمَان ، عَن رجل من الْأَنْصَار : " أَن امْرَأَة كَانَت تهراق الدَّم " . وَذكر المُصَنّف - أَعنِي الرَّافِعِيّ - فِي شَرحه للمسند مقَالَة الْبَيْهَقِيّ السالفة ، وَأجَاب عَنْهَا ، فَقَالَ : ذكر الْبَيْهَقِيّ أَن سُلَيْمَان لم يسمع هَذَا الحَدِيث من أم سَلمَة مستدلاً بِأَن اللَّيْث رَوَاهُ عَن نَافِع عَن سُلَيْمَان ، عَن رجل عَنْهَا ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ جوَيْرِية بن أَسمَاء ، وَإِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم بن عقبَة ، وَعبيد الله بن عمر ، عَن نَافِع ، لَكِن يُمكن أَن يكون سَمعه سُلَيْمَان من رجل عَن أم سَلمَة ، ثمَّ سَمعه مِنْهَا ، فروَى تَارَة هَكَذَا وَتارَة هَكَذَا . قَالَ : وَقد ذكر البُخَارِيّ فِي "التَّارِيخ" أَن سُلَيْمَان [3/124] ابن يسَار سمع ابْن عَبَّاس وَأَبا هُرَيْرَة وَأم سَلمَة . هَذَا آخر كَلَام الرَّافِعِيّ . وَهُوَ جمع حسن وَبِه يتَّفق الِاخْتِلَاف الْمَذْكُور ، وَقد جزم صَاحب "الْكَمَال" بِأَن سُلَيْمَان سمع مِنْهَا ، وَتَبعهُ الْمزي والذهبي . فَائِدَة : يهراق ، كَذَا جَاءَ عَلَى ما لم يسم فَاعله - بِضَم الْيَاء وَفتح الْهَاء - أَي يصب . وَالدَّم مَنْصُوب عَلَى التَّشْبِيه بالمفعول ، أَو عَلَى التَّمْيِيز عَلَى مَذْهَب الْكُوفِيّين . قَالَه صَاحب "الْمطَالع" وَيجوز أَن يكون منعوتًا بيهراق ، وقَالَ الْمُنْذِرِيّ فِي "حَوَاشِيه" : الدَّم مَنْصُوب عَلَى التَّمْيِيز ، وَإِن كَانَ معرفه وَله نَظَائِر أَو يكون أجري مجْرى : نفست الْمَرْأَة غُلَاما . وَيجوز رفع الدَّم عَلَى تَقْدِير إهراق دماؤها ، وَيكون الْألف وَاللَّام بَدَلا من الْإِضَافَة كَقَوْلِه تَعَالَى : ( أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ ) ، أَي : عقدَة نِكَاحه أَو نِكَاحهَا . وَالدَّم مخفف اللَّام عَلَى اللُّغَة الْمَشْهُورَة ، وَفِي لُغَة شَاذَّة بتشديدها . وَقَوله عَلَيْهِ السَّلَام : "فلتترك" يجوز فِي هَذِه اللَّام - وَشبههَا فِي لامات الْأَمر الَّتِي يتقدمها فَاء ، أَو رَاء أَو ثمَّ - ثَلَاثَة أوجه : كسرهَا ، وإسكانها ، وَيجوز فتحهَا عَلَى غرابة . وَقد تقدم مَعْنَى الاستثفار فِي حَدِيث حمْنَة الْمُتَقَدّم أول الْبَاب . [3/125] وخلفت - بتَشْديد اللَّام - أَي : جَاوَزت ذَلِك وَجَعَلته خلفهَا . فَائِدَة ثَانِيَة : هَذِه الْمَرْأَة الَّتِي سَأَلت لَهَا أم سَلمَة رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هِيَ فَاطِمَة بنت أبي حُبَيْش ، كَذَا صرح بهَا حَمَّاد بن زيد عَن أَيُّوب فِي هَذَا الحَدِيث . قَالَه أَبُو دَاوُد ، وَالله أعلم .
|