الحَدِيث الْخَامِس بعد الْعشْرين
عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَنه قَالَ : الصَّلَاة أول الْوَقْت رضوَان الله ، وَآخر الْوَقْت عَفْو الله .
هَذَا الحَدِيث ذكره الشَّافِعِي فِي "الْبُوَيْطِيّ" و"الْمُخْتَصر" ، هَكَذَا بِغَيْر إِسْنَاد ؛ لَكِن بِصِيغَة جزم
وَذكره أَيْضا كَذَلِك ابْن السكن فِي "صحاحه" ، وَهُوَ مَرْوِيّ من طرق كلهَا ضَعِيفَة .
أَحدهَا : من طَرِيق ابْن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : الْوَقْت الأول من الصَّلَاة رضوَان الله ، وَالْوَقْت الآخر عَفْو الله .
رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ ، وَالدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث يَعْقُوب بن الْوَلِيد [3/207] الْمدنِي ، عَن عبد الله بن عمر ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر ، وَيَعْقُوب هَذَا أحد الهلكى ، قَالَ أَحْمد : كَانَ من الْكَذَّابين الْكِبَار يضع الحَدِيث ، وَقَالَ يَحْيَى : لم يكن بِشَيْء كَذَّاب . وَقَالَ أَبُو زرْعَة : غير ثِقَة وَلَا مَأْمُون ، وَفِي رِوَايَة : لَيْسَ بِشَيْء . وَقَالَ النَّسَائِيّ : مَتْرُوك الحَدِيث . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : ضَعِيف . وَقَالَ أَبُو حَاتِم : مُنكر الحَدِيث ضَعِيف الحَدِيث ، وَهُوَ مَتْرُوك الحَدِيث ، وَفِي رِوَايَة والحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ مَوْضُوع . وَقَالَ ابْن عدي : عَامَّة مَا يرويهِ لَيْسَ بِمَحْفُوظ ، وَهُوَ بَين الْأَمر فِي الضُّعَفَاء . وَقَالَ ابْن حبَان : مَا رَوَى هَذَا الحَدِيث إِلَّا يَعْقُوب ، وَهُوَ يضع الحَدِيث عَلَى الثِّقَات ، لَا يحل كتب حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب .
قلت : وَقد نَص غير وَاحِد من الْحفاظ عَلَى ضعف هَذَا الحَدِيث ، قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي " خلافياته " : قَالَ الْحَاكِم أَبُو عبد الله : الْحمل فِي هَذَا الحَدِيث عَلَى يَعْقُوب بن الْوَلِيد ؛ فَإِنَّهُ شيخ من أهل الْمَدِينَة قدم عَلَيْهِم بَغْدَاد ، فَنزل الرصافة ، وَحدث عَن : هِشَام بن عُرْوَة ، ومُوسَى بن عقبَة ، وَمَالك بن أنس ، وَغَيرهم من أَئِمَّة الْمُسلمين بِأَحَادِيث كَثِيرَة مَنَاكِير .
وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ أَيْضا فِي " سنَنه " : هَذَا حَدِيث يعرف بِيَعْقُوب بن الْوَلِيد الْمدنِي ، وَيَعْقُوب مُنكر الحَدِيث ، ضعفه يَحْيَى بن معِين ، وَكذبه أَحْمد بن حَنْبَل وَسَائِر الْحفاظ ، ونسبوه إِلَى الْوَضع ، ونعوذ بِاللَّه من الخذلان .
[3/208] قَالَ ابْن عدي : وَكَانَ ابْن حميد يَقُول لنا فِي هَذَا الْإِسْنَاد : "عبيد الله" بدل "عبد الله" ، وَالصَّوَاب الثَّانِي ، قَالَ : عَلَى أَن هَذَا الحَدِيث بِهَذَا الْإِسْنَاد بَاطِل إِن قيل فِيهِ عبد الله أَو عبيد الله .
وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي " علله " : هَذَا حَدِيث لَا يَصح . وَأعله عبد الْحق فِي " أَحْكَامه " بِأَن قَالَ : يرويهِ عبد الله بن عمر الْعمريّ ، وَقد تكلمُوا فِيهِ ، وَتعقبه ابْن الْقطَّان ، فَقَالَ فِي بَاب ذكر أَحَادِيث أعلها عبد الْحق بِرِجَال : وفيهَا من هُوَ مثلهم ، أَو أَضْعَف مِنْهُم ، أَو مَجْهُول لَا يعرف ، إِنَّمَا الْعجب أَن يكون هَذَا هُوَ عبد الله بن عمر الْعمريّ ، وَهُوَ رجل صَالح قد وَثَّقَهُ قوم وأثنوا عَلَيْهِ ، وَضَعفه آخَرُونَ من أجل حفظه لَا من أجل صدقه وأمانته ، وَيَرْوِيه عَنهُ يَعْقُوب بن الْوَلِيد الْمدنِي وَهُوَ كَذَّاب ، فَلَعَلَّهُ كذب عَلَيْهِ ، ثمَّ شرع بعد ذَلِك فعلله بِهِ - أَعنِي : يَعْقُوب - كَمَا أسلفناه .
الطَّرِيق الثَّانِي : عَن جرير بن عبد الله مَرْفُوعا بِاللَّفْظِ الَّذِي ذكره الرَّافِعِيّ سَوَاء .
رَوَاهُ الدارقطني من حَدِيث الْحُسَيْن بن حميد بن الرّبيع ، عَن فرج بن عبيد المهلبي ، عَن عبيد بن الْقَاسِم ، عَن إِسْمَاعِيل [3/209] ابن أبي خَالِد ، عَن قيس بن أبي حَازِم ، عَن جرير بِهِ . قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي " خلافياته " : إِسْنَاده لَيْسَ بِشَيْء .
قلت : لِأَن إِسْنَاده اشْتَمَل عَلَى مَجْهُول وَضَعِيف
، أما الْمَجْهُول : فَفرج بن عبيد ، وَأما الضَّعِيف فحسين بن حميد بن الرّبيع ، قَالَ ابْن عدي : هُوَ مُتَّهم فِي كل مَا يرويهِ كَمَا قَالَه مطين ، وَقَالَ : سَمِعت مُحَمَّد بن أَحْمد بن سعيد قَالَ : سَمِعت مطينًا يَقُول - وَمر عَلَيْهِ أَبُو عَلّي الْحُسَيْن بن حميد بن الرّبيع - فَقَالَ : هَذَا كَذَّاب بن كَذَّاب بن كَذَّاب . وَذكره ابْن عدي أَيْضا واتهمه .
الطَّرِيق الثَّالِث : عَن إِبْرَاهِيم - يَعْنِي ابْن عبد الْملك بن أبي مَحْذُورَة من أهل مَكَّة - قَالَ : حَدثنِي أبي ، عَن جدي قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : أول الْوَقْت رضوَان الله ، ووسط الْوَقْت رَحْمَة الله ، وَآخر الْوَقْت عَفْو الله .
رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث إِبْرَاهِيم بن زَكَرِيَّا ، عَن إِبْرَاهِيم الْمَذْكُور بِهِ .
وَإِبْرَاهِيم بن زَكَرِيَّا هُوَ أَبُو إِسْحَاق الْعجلِيّ الْبَصْرِيّ الضَّرِير [3/210] الْمعلم العبدسي الوَاسِطِيّ ، مُتَّهم .
قَالَ أَبُو حَاتِم : مَجْهُول ، وَحَدِيثه مُنكر . وَقَالَ التِّرْمِذِيّ : كَأَن حَدِيثه مَوْضُوع لَا يشبه حَدِيث النَّاس . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : ضَعِيف . وَقَالَ ابْن حبَان : يَأْتِي عَن مَالك بِأَحَادِيث مَوْضُوعَة . وَقَالَ ابْن عدي : حدث عَن الثِّقَات بِالْبَوَاطِيل ، وَهُوَ فِي جملَة الضُّعَفَاء لَا جرم
، قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي " خلافياته " : هَذَا الحَدِيث شَاذ لَا تقوم بِمثلِهِ الْحجَّة ، وَقَالَ فِي " سنَنه " - بعد أَن نقل كَلَام ابْن عدي السالف - : إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث ضَعِيف .
الطَّرِيق الرَّابِع : عَن أنس رَفعه : أول الْوَقْت رضوَان الله ، وَآخر الْوَقْت عَفْو الله .
رَوَاهُ ابْن عدي من حَدِيث بَقِيَّة ، عَن عبد الله مولَى عُثْمَان بن عَفَّان قَالَ : حَدثنِي عبد الْعَزِيز قَالَ : حَدثنِي مُحَمَّد بن سِيرِين ، عَن أنس بِهِ ، ثمَّ قَالَ : لَا يرويهِ بِهَذَا الْإِسْنَاد إِلَّا بَقِيَّة ، وَهُوَ من الْأَحَادِيث الَّتِي يَرْوِيهَا بَقِيَّة عَن المجهولين ؛ لِأَن عبد الله مولَى عُثْمَان وَعبد الْعَزِيز لَا يعرفان .
قلت : لَا جرم قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي " سنَنه " و" خلافياته " : إِنَّه حَدِيث لَيْسَ بِشَيْء . وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي " علله " : لَا يَصح .
الطَّرِيق الْخَامِس : عَن ابْن عَبَّاس رَفعه : أول الْوَقْت رضوَان الله ، [3/211] وَآخره عَفْو الله .
رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي "خلافياته" من حَدِيث نَافِع مولَى يُوسُف السّلمِيّ الْبَصْرِيّ ، عَن عَطاء ، عَنهُ بِهِ ، ثمَّ قَالَ : نَافِع هَذَا أَبُو هُرْمُز ، ضعفه يَحْيَى بن معِين وَابْن حَنْبَل وَغَيرهمَا .
قلت : أَبُو هُرْمُز هَذَا يروي عَن أنس ، وَالْوَاقِع فِي الْإِسْنَاد يروي عَن عَطاء ، وَقد فرق ابْن الْجَوْزِيّ بَينهمَا ؛ فجعلهما ترجمتين ، وَنقل تَضْعِيف أَحْمد وَيَحْيَى لنافع أبي هُرْمُز الْبَصْرِيّ ، وَنقل تَضْعِيفه عَن غَيرهمَا أَيْضا ، ثمَّ ذكر نَافِعًا مولَى يُوسُف السّلمِيّ وَقَالَ : قَالَ أَبُو حَاتِم : مَتْرُوك الحَدِيث . وَتَبعهُ الذَّهَبِيّ فِي التَّفْرِقَة بَينهمَا فِي كِتَابه "الْمُغنِي "
، وأجمل الْبَيْهَقِيّ فِي " سنَنه " القَوْل فِي تَضْعِيفه ، فَقَالَ : رُوِيَ هَذَا الحَدِيث عَن ابْن عَبَّاس أَيْضا مَرْفُوعا وَلَيْسَ بِشَيْء ، قَالَ فِيهَا : وَرُوِيَ أَيْضا عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا وَهُوَ مَعْلُول . قَالَ : وَله أصل من قَول أبي جَعْفَر مُحَمَّد بن عَلّي الباقر كَذَلِك رَوَاهُ أَبُو أويس ، عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد ، عَن أَبِيه قَالَ : أول الْوَقْت رضوَان الله ، وَآخر الْوَقْت عَفْو الله قَالَ : وَرُوِيَ عَن مُوسَى بن جَعْفَر ، عَن أَبِيه ، عَن جده ، عَن عَلّي مَرْفُوعا قَالَ : وَإِسْنَاده - فِيمَا أَظن - أصح مَا رُوِيَ فِي الْبَاب ، وَنقل فِي " خلافياته " عَن الْحَاكِم أَنه قَالَ : أما الَّذِي رُوِيَ فِي أول الْوَقْت وَآخره ؛ [3/212] فَإِنِّي لَا أحفظه عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - من وَجه يَصح ، وَلَا عَن أحد من أَصْحَابه ، إِنَّمَا الرِّوَايَة فِيهِ عَن أبي جَعْفَر مُحَمَّد بن عَلّي الباقر ، وَنقل الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي " الإِمَام " عَن الْخلال ، أَنا الْمَيْمُونِيّ قَالَ : سَمِعت أَبَا عبد الله - يَعْنِي : أَحْمد بن حَنْبَل يَقُول : لَا أعرف شَيْئا يثبت فِي أَوْقَات الصَّلَاة أَولهَا كَذَا ، وأوسطها كَذَا ، وَآخِرهَا كَذَا - يَعْنِي : مغْفرَة ورضوانًا - وَقَالَ لَهُ رجل : مَا يرْوَى أول الْوَقْت كَذَا وأوسطه كَذَا ، رضوَان ومغفرة ؟ فَقَالَ لَهُ أَبُو عبد الله : من يروي هَذَا ؟ لَيْسَ هَذَا يثبت .
قلت : ويغني عَن هَذَا كُله فِي الدّلَالَة حَدِيث عبد الله بن مَسْعُود السالف فِي أول التَّيَمُّم "أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - سُئِلَ أَي الْأَعْمَال أفضل ؟ فَقَالَ : الصَّلَاة لأوّل وَقتهَا" وَهُوَ حَدِيث صَحِيح كَمَا أسلفناه ثمَّ . وَقد ذكره الرَّافِعِيّ إِثْر هَذَا الحَدِيث ، وَكَانَ يتَعَيَّن عَلَيْهِ تَقْدِيمه عَلَيْهِ .
فَائِدَة : الرضْوَان بِكَسْر الرَّاء وَضمّهَا لُغَتَانِ ، قرئَ بهما فِي السَّبع . قَالَ الشَّافِعِي - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي "الْمُخْتَصر" : رضوَان الله إِنَّمَا يكون للمحسنين ، وَالْعَفو يشبه أَن يكون للمقصرين .
قَالَ أَصْحَابنَا : قَوْله "للمقصرين" قد يسْتَشْكل من حَيْثُ أَن التَّأْخِير لَا إِثْم فِيهِ ، فَكيف يكون فَاعله مقصرًا ، وَأَجَابُوا بِوَجْهَيْنِ : [3/213] أَحدهمَا : أَنه مقصر بِالنِّسْبَةِ إِلَى من صَلَّى أول الْوَقْت وَإِن كَانَ لَا إِثْم عَلَيْهِ .
وَالثَّانِي : أَنه مقصر بتفويت الأَصْل كَمَا يُقَال : من ترك صَلَاة الضُّحَى ؛ فَهُوَ مقصر . وَإِن لم يَأْثَم .