الحَدِيث الْخَامِس بعد الْأَرْبَعين
عَن مُجَاهِد ، عَن أبي ذَر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : " لَا صَلَاة بعد الْعَصْر حَتَّى تغرب الشَّمْس ، وَلَا صَلَاة بعد الصُّبْح حَتَّى تطلع الشَّمْس ، إِلَّا بِمَكَّة " .
[3/274] هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الشَّافِعِي ، عَن عبد الله بن المؤمل ، عَن حميد مولَى عفراء ، عَن قيس بن سعد ، عَن مُجَاهِد ، عَن أبي ذَر " أنَّه قَامَ فَأخذ بِحَلقَة بَاب الْكَعْبَة ، ثمَّ قَالَ : من عرفني فقد عرفني ، وَمن لم يعرفنِي فَأَنا جُنْدُب صَاحب رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ، سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَقُول : لَا صَلَاة بعد الْعَصْر حَتَّى تغرب الشَّمْس ، وَلَا صَلَاة بعد الصُّبْح حَتَّى تطلع الشَّمْس ، إِلَّا بِمَكَّة ، إِلَّا بِمَكَّة ، إِلَّا بِمَكَّة .
وَرَوَاهُ أَحْمد فِي "مُسْنده" عَن يزِيد ، ثَنَا عبد الله بن المؤمل ، عَن قيس بن سعد ، عَن مُجَاهِد ، عَن أبي ذَر أَنه أَخذ بِحَلقَة بَاب الْكَعْبَة فَقَالَ : سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَقُول : لَا صَلَاة بعد الْعَصْر حَتَّى تغرب الشَّمْس ، وَلَا بعد الْفجْر حَتَّى تطلع الشَّمْس ، إِلَّا بِمَكَّة إِلَّا بِمَكَّة .
وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي "سنَنه" بِاللَّفْظِ السَّابِق إِلَّا أَنه قَالَ : "قدم أَبُو ذَر مَكَّة ، فَأخذ بِعضَادَتَيْ الْبَاب وَقَالَ : إِلَّا بِمَكَّة - مرَّتَيْنِ" كَرِوَايَة أَحْمد .
وأعل هَذَا الحَدِيث بِوُجُوه :
أَحدهَا : الطعْن فِي عبد الله بن المؤمل المَخْزُومِي قَاضِي مَكَّة ، وَقد ضَعَّفُوهُ . قَالَ أَحْمد : أَحَادِيثه مَنَاكِير . وَقَالَ يَحْيَى : ضَعِيف الحَدِيث .
[3/275] وَقَالَ مرّة : لَيْسَ بِهِ بَأْس يُنكر عَلَيْهِ حَدِيثه . قَالَ ابْن الْقطَّان : إِن كَانَ قد وَثَّقَهُ ابْن معِين فَفِي بعض الرِّوَايَات عَنهُ ضعفه ، وعلته شَيْئَانِ أَحدهمَا : سوء الْحِفْظ ، وَالْآخر : نَكَارَة الحَدِيث . ونكارة الحَدِيث كَافِيَة فِي إِسْقَاط الثِّقَة بِمن جربت عَلَيْهِ . وَقَالَ النَّسَائِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ : ضَعِيف . وَقَالَ عَلّي بن الْجُنَيْد : شبه الْمَتْرُوك . وَقَالَ ابْن حبَان : كَانَ قَلِيل الحَدِيث مُنكر الرِّوَايَة لَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ إِذا انْفَرد ، ثمَّ ذكر لَهُ مَا يُنكر عَلَيْهِ . وَقَالَ ابْن عدي : عَامَّة حَدِيثه الضعْف عَلَيْهِ بَين . وَذكر من جملَة مَا يُنكر عَلَيْهِ هَذَا الحَدِيث ، قَالَ : وَبِه يعرف . وَقَالَ ابْن عبد الْبر فِي " تمهيده " : هُوَ سيئ الْحِفْظ فَلذَلِك اضْطَرَبَتْ الرِّوَايَة عَنهُ ، وَمَا علمنَا لَهُ جرحة تسْقط عَدَالَته ، وَقد رَوَى عَنهُ جمَاعَة من جلة الْعلمَاء ، وَفِي ذَلِك مَا يرفع من حَاله ، وَالِاضْطِرَاب عَنهُ لَا يسْقط حَدِيثه ، وَلم يقْدَح ذَلِك فِي روايتهم ، وَقد اتّفق شَاهِدَانِ عَدْلَانِ عَلَيْهِ وهما الشَّافِعِي وَأَبُو نعيم وَلَيْسَ من لم يحفظ وَلم يقم ، حجَّة عَلَى من أَقَامَ وَحفظ . قَالَ ابْن الْقطَّان : وَهَذَا كَلَام أَوله يُنَاقض آخِره . وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ : هَذَا الحَدِيث يعد فِي أَفْرَاد عبد الله بن المؤمل ، وَعبد الله بن المؤمل ضَعِيف
. قَالَ : إِلَّا أَن إِبْرَاهِيم بن طهْمَان قد تَابعه فِي ذَلِك عَن [3/276] حميد ، وَأقَام إِسْنَاده ثمَّ ذكر ذَلِك بِإِسْنَادِهِ ، وَاقْتصر عَلَى هَذَا الْوَجْه ابْن الْجَوْزِيّ فِي " تَحْقِيقه " فَقَالَ : هَذَا حَدِيث لَا يَصح ، ثمَّ نقل قَول أَحْمد وَيَحْيَى فِي عبد الله .
ثَانِيهَا : الطعْن فِي حميد مولَى عفراء ، قَالَ الْبَيْهَقِيّ : حميد الْأَعْرَج لَيْسَ بِالْقَوِيّ .
قلت : حميد هَذَا هُوَ ابْن قيس الْمَكِّيّ الْمُقْرِئ الْأَعْرَج أَبُو صَفْوَان ، أخرج لَهُ الشَّيْخَانِ وَبَاقِي الْكتب السِّتَّة ، رَوَى عَنهُ الْأَئِمَّة : مَالك ، والسفيانان ، وَغَيرهمَا . قَالَ أَبُو حَاتِم : لَيْسَ بِهِ بَأْس . وَقَالَ ابْن سعد : كَانَ ثِقَة كثير الحَدِيث قَارِئ أهل مَكَّة . وَقَالَ ابْن عدي : لَا بَأْس بحَديثه ؛ إِنَّمَا يَقع الْإِنْكَار عَلَيْهِ فِي حَدِيثه من قبل من يروي عَنهُ . وَاخْتلف قَول أَحْمد فِيهِ ، فَمرَّة قَالَ : ثِقَة وَعَلَيْهَا اقْتصر الْمزي فِي "تهذيبه" وَقَالَ مرّة : لَيْسَ بِالْقَوِيّ فِي الحَدِيث نقلهَا الذَّهَبِيّ فِي "مِيزَانه
" .
وَاعْلَم أَن بعض شُيُوخنَا الْتبس عَلَيْهِ حميد بن قيس الْأَعْرَج هَذَا بحميد بن عمار ، أَو عَلّي أَو عبيد أَو عَطاء أَقْوَال . الْأَعْرَج الْمَتْرُوك انْفَرد بِإِخْرَاج حَدِيثه التِّرْمِذِيّ ؛ فَاعْترضَ عَلَى الْبَيْهَقِيّ فِي [3/277] قَوْله : حميد الْأَعْرَج لَيْسَ بِالْقَوِيّ ، فَقَالَ : تساهل فِي أمره ، وَالَّذِي فِي الْكتب أَنه واهي الحَدِيث ، وَقيل : ضَعِيف ، وَقيل : مُنكر الحَدِيث ، وَقيل : لَيْسَ بِشَيْء . وَقَالَ ابْن حبَان : رَوَى عَن عبد الله بن الْحَارِث عَن ابْن مَسْعُود نُسْخَة كَأَنَّهَا مَوْضُوعَة . وَهَذَا عَجِيب من هَذَا الْمُعْتَرض فطبقتهما مُخْتَلفَة ؛ فَإِن هَذَا الْمَتْرُوك لم يرو إِلَّا عَن عبد الله بن الْحَارِث الْمُؤَذّن ، وَحميد الآخر رَوَى عَن قيس بن سعد وَجَمَاعَة .
ثَالِثهَا : الِاخْتِلَاف فِي إِسْنَاده ؛ فَرَوَاهُ سعيد بن سَالم ، عَن عبد الله بن المؤمل ، عَن حميد مولَى عفراء ، عَن مُجَاهِد ، عَن أبي ذَر وَلم يذكر قيس بن سعد .
أخرجه ابْن عدي فِي "كَامِله" من هَذَا الْوَجْه .
قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَكَذَلِكَ رَوَاهُ عبد الله بن مُحَمَّد الشَّافِعِي عَن عبد الله بن المؤمل ، عَن حميد الْأَعْرَج ، عَن مُجَاهِد .
قلت : وَقد أسلفنا رِوَايَة أَحْمد لَهُ ، عَن يزِيد ، عَن ابْن المؤمل ، عَن قيس ، عَن مُجَاهِد وَلم أر فِيهِ حميد عَن قيس .
رَابِعهَا : الِانْقِطَاع فِيمَا بَين مُجَاهِد وَأبي ذَر ، نَص عَلَى ذَلِك الْحفاظ . قَالَ أَبُو حَاتِم : مُجَاهِد عَن أبي ذَر مُرْسل ، وَقَالَ ابْن عبد [3/278] الْبر : مُجَاهِد لم يسمع مِنْهُ ، وَكَذَا قَالَ الْمُنْذِرِيّ ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي " سنَنه " : هَذَا الْخَبَر مُنْقَطع ، وَفِي ثُبُوته نظر ، وَمُجاهد لَا يثبت لَهُ سَماع من أبي ذَر ، قَالَ صَاحب " الإِمَام " : مِمَّا يُؤَيّد هَذَا أَن ابْن عدي رَوَى هَذَا الحَدِيث فِي "كَامِله" من حَدِيث اليسع بن طَلْحَة الْقرشِي قَالَ : سَمِعت مُجَاهدًا يَقُول : بلغنَا أَن أَبَا ذَر قَالَ : " رَأَيْت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَخذ بحلقتي الْكَعْبَة يَقُول ثَلَاثًا : لَا صَلَاة بعد الْعَصْر إِلَّا بِمَكَّة " . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : اليسع بن طَلْحَة قد ضَعَّفُوهُ ، والْحَدِيث مُنْقَطع ، مُجَاهِد لم يدْرك أَبَا ذَر بِحَال . قَالَ ابْن عبد الْبر عقب ذكر حَدِيث حميد السالف : هَذَا حَدِيث وَإِن لم يكن بِالْقَوِيّ ؛ لضعف حميد مولَى عفراء ، وَلِأَن مُجَاهدًا لم يسمع من أبي ذَر فَفِي حَدِيث جُبَير بن مطعم مِمَّا يقويه وَهُوَ كَمَا قَالَ ، وستعلم طرقه عَلَى الإثر
.
تَنْبِيه : وَقع فِي "الْمعرفَة" للبيهقي إِطْلَاق دَعْوَى الْإِرْسَال عَلَى حَدِيث أبي ذَر هَذَا ، وَهُوَ مُوَافق لقَوْل الْفُقَهَاء ، والأصوليين ، وَجَمَاعَة من الْمُحدثين ، أَن الْمُرْسل مَا انْقَطع إِسْنَاده عَلَى أَي وَجه كَانَ انْقِطَاعه ، فَهُوَ عِنْدهم بِمَعْنى الْمُنْقَطع ، وَجُمْهُور الْمُحدثين قَالُوا : لَا يُسمى الحَدِيث مُرْسلا إِلَّا إِذا أخبر بِهِ التَّابِعِيّ عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - .