الحَدِيث الثَّانِي بعد الْعشْرين
أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : " يغْفر للمؤذن مدى صَوته " .
هَذَا الحَدِيث لَهُ طرق : أَحدهَا : عَن أبي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَنه سَمعه من فَم النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَقُول : [3/381] "الْمُؤَذّن يغْفر لَهُ مدى صَوته ، وَيشْهد لَهُ كل رطب ويابس " .
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيّ ، وَابْن مَاجَه من حَدِيث شُعْبَة ، عَن مُوسَى بن أبي عُثْمَان ، عَن أبي يَحْيَى غير مَنْسُوب عَن أبي هُرَيْرَة بِهِ ، وَاللَّفْظ للنسائي ، وَلَفظ أبي دَاوُد : " الْمُؤَذّن يغْفر لَهُ مدى صَوته ، وَيشْهد لَهُ كل رطب ويابس ، وَشَاهد الصَّلَاة يكْتب لَهُ خمس وَعِشْرُونَ صَلَاة ، وَيكفر عَنهُ مَا بَينهمَا " .
ثَانِيهمَا : وَلَفظ ابْن مَاجَه : " الْمُؤَذّن يغْفر لَهُ مد صَوته ، ويستغفر لَهُ كل رطب ويابس " ، وَالْبَاقِي كَلَفْظِ أبي دَاوُد إِلَّا أَنه قَالَ : "حَسَنَة" بدل "صَلَاة" .
قَالَ ابْن الْقطَّان : أَبُو يَحْيَى هَذَا لَا يعرف . قَالَ : وَقد ذكره ابْن الْجَارُود فَلم يزدْ عَلَى مَا أَخذ من هَذَا الْإِسْنَاد من رِوَايَته عَن أبي هُرَيْرَة وَرِوَايَة مُوسَى عَنهُ . قَالَ : وَثمّ جمَاعَة يروون عَن أبي هُرَيْرَة كل وَاحِد مِنْهُم يُقَال لَهُ : أَبُو يَحْيَى ، مِنْهُم مولَى جعدة ثِقَة ، وَآخر اسْمه : قيس ، رَوَى عَنهُ بكير بن الْأَشَج ، وَآخر لَا يُسمى رَوَى عَنهُ صَفْوَان بن سليم ثِقَة من أهل الْمَدِينَة ، وذكره ابْن أبي حَاتِم .
قَالَ أَبُو أَحْمد الْحَاكِم فِي " كناه " : خليقًا أَن يكون هَذَا قيسا [3/382] الَّذِي رَوَى عَنهُ ابْن بكير وَضَعفه بالجهالة أَيْضا الْمُنْذِرِيّ ، فَإِنَّهُ قَالَ : أَبُو يَحْيَى هَذَا لم ينْسب فَيعرف حَاله - يَعْنِي فَيكون مَجْهُولا ويضعف الحَدِيث من أَجله وَكَذَا .
قَالَ النَّوَوِيّ فِي " شرح الْمُهَذّب " : فِي إِسْنَاده مَجْهُول . وَضَعفه فِي " خلاصته " أَيْضا لَكِن قد عرفه غَيرهم . وَوَثَّقَهُ قَالَ ابْن حبَان فِي " ثقاته " : أَبُو يَحْيَى هَذَا اسْمه : سمْعَان الْأَسْلَمِيّ ، وَنَقله عَنهُ الْحَافِظ جمال الدَّين الْمزي فِي "تهذيبه" وَأقرهُ .
وقد أخرج ابْن حبَان الحَدِيث فِي " صَحِيحه " من جِهَته فَذكره من حَدِيث أبي الْوَلِيد الطَّيَالِسِيّ ، نَا شُعْبَة ، عَن مُوسَى بن أبي عُثْمَان سَمِعت أَبَا يَحْيَى يَقُول : سَمِعت أَبَا هُرَيْرَة يَقُول : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَذكره بِلَفْظ أبي دَاوُد إِلَّا أَنه قَالَ : "حسَنة" بدل : "صَلَاة" كَمَا ذكره ابْن مَاجَه ، ثمَّ قَالَ : أَبُو يَحْيَى هَذَا اسْمه سمْعَان مولَى أسلم من أهل الْمَدِينَة وَالِد أنيس وَمُحَمّد ابْني أبي يَحْيَى الْأَسْلَمِيّ من جلة التَّابِعين ، وَابْن ابْنه إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن أبي يَحْيَى تَالِف فِي [3/383] الرِّوَايَات ، ومُوسَى بن أبي عُثْمَان من سَادَات أهل الْكُوفَة وعبادهم ، وَاسم أَبِيه عمرَان .
وَأخرجه أَيْضا شَيْخه ابْن خُزَيْمَة فِي "صَحِيحه" عَن بنْدَار عَن مُحَمَّد عبد الرَّحْمَن ، عَن شُعْبَة بِلَفْظ أبي دَاوُد .
وَذكره ابْن السكن فِي "صحاحه" أَيْضا فصح الحَدِيث إِذًا - وَللَّه الْحَمد - وزالت الْجَهَالَة عَنهُ .
وَله طرق أُخْرَى عَن أبي هُرَيْرَة أَيْضا .
وَله طَرِيق ثَان رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث الْأَعْمَش ، عَن أبي صَالح ، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا : الْمُؤَذّن يغْفر لَهُ مد صَوته ، وَيشْهد لَهُ كل رطب ويابس سَمعه .
وَطَرِيق ثَالِث : رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ أَيْضا من حَدِيث الْأَعْمَش ، عَن مُجَاهِد ، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا : يغْفر للمؤذن مدى صَوته ، وَيشْهد لَهُ كل رطب ويابس سَمعه .
[3/384] قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي " علله " : وَالْأَشْبَه بِهِ عَن مُجَاهِد مُرْسل .
وَله طَرِيق رَابِع رَوَاهُ أَحْمد من حَدِيث معمر ، عَن مَنْصُور ، عَن عباد بن أنيس ، عَن أبي هُرَيْرَة رَفعه : إِن الْمُؤَذّن يغْفر لَهُ مدى صَوته ، ويصدقه كل رطب ويابس سمع صَوته ، وَالشَّاهِد عَلَيْهِ خمس وَعِشْرُونَ دَرَجَة .
وَله طَرِيق خَامِس : رَوَاهُ ابْن أبي أُسَامَة من حَدِيث شيخ من الْأَنْصَار ، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا بِلَفْظ الْبَيْهَقِيّ .
وَفِي " علل ابْن أبي حَاتِم" سُئِلَ أَبُو زرْعَة عَن حَدِيث رَوَاهُ أَبُو أُسَامَة ، عَن الْحسن بن الحكم عَن أبي هُبَيْرَة يَحْيَى بن عباد الْأنْصَارِيّ ، عَن شيخ من الْأَنْصَار ، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا : إِن الْمُؤَذّن يغْفر لَهُ مدى صَوته ، ويصدقه كل رطب ويابس .
وَرَوَاهُ وهيب ، عَن مَنْصُور ، عَن يَحْيَى بن عباد ، عَن عَطاء ، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ جرير ، عَن مَنْصُور عَن يَحْيَى بن عباد ، عَن عَطاء رجل من أهل الْمَدِينَة ، عَن أبي هُرَيْرَة مَوْقُوفا ، [3/385] وَلم يرفعهُ ، فَقَالَ أَبُو زرْعَة : الصَّحِيح حَدِيث مَنْصُور ، قيل لأبي زرْعَة : قَالَ عبد الرَّزَّاق عَن معمر ، عَن مَنْصُور ، عَن عباد بن أنيس ، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا فَقَالَ : حَدِيث معمر وهم
.
أَنا أَبُو مُحَمَّد ، ثَنَا أبي ، عَن الْمُعَلَّى بن أسيد ، عَن وهيب أَنه قَالَ لمنصور : من عَطاء هَذَا ؛ أهوَ ابْن أبي رَبَاح ؟ قَالَ : لَا . قلت : فَهُوَ عَطاء بن يسَار ؟ قَالَ : لَا ، قلت : من هُوَ ؟ قَالَ : وَهُوَ رجل .
الطَّرِيق الثَّانِي : عَن الْبَراء بن عَازِب رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَن نَبِي الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : إِن الله وَمَلَائِكَته يصلونَ عَلَى الصَّفّ الْمُقدم ، والمؤذن يغْفر لَهُ مد صَوته ، ويصدقه من سَمعه من رطب ويابس ، وَله مثل أجر من صَلَّى مَعَه .
رَوَاهُ أَحْمد فِي "مُسْنده" عَن عَلّي بن عبد الله ، وَالنَّسَائِيّ عَن مُحَمَّد بن الْمثنى قَالَا : ثَنَا معَاذ بن هِشَام ، حَدثنِي أبي ، عَن قَتَادَة ، عَن أبي إِسْحَاق الْكُوفِي ، عَن الْبَراء بِهِ ، وَهَذَا إِسْنَاد جيد . وَذكره ابْن السكن فِي "صحاحه" أَيْضا .
الطَّرِيق الثَّالِث : عَن ابْن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : [3/386] " يغْفر للمؤذن مُنْتَهى أَذَانه ، ويستغفر لَهُ كل رطب ويابس سمع صَوته ، وَفِي لفظ : يغْفر للمؤذن مد صَوته ، وَيشْهد لَهُ كل رطب ويابس سمع صَوته ، رَوَى الأول : أَحْمد ، وَالثَّانِي : الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث عمار بن رُزَيْق ، عَن الْأَعْمَش ، عَن مُجَاهِد ، عَن ابْن عمر . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَرَوَاهُ ابْن طهْمَان ، عَن الْأَعْمَش ، عَن مُجَاهِد ، عَن ابْن عمر أَنه قَالَ : الْمُؤَذّن يغفر له مد صَوته ، ويصدقه كل رطب ويابس ، وسمعته يَقُول : إِن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : الإِمَام ضَامِن ، والمؤذن مؤتمن ، اللَّهُمَّ أرشد الْأَئِمَّة واغفر للمؤذنين .
وقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي " علله " : اخْتلف فِي هَذَا الحَدِيث فَقيل : عَن مُجَاهِد ، عَن ابْن عمر ، وَقيل : عَن رجل ، عَن ابْن عمر ، وَقيل : عَن مُجَاهِد ، عَن ابْن عَبَّاس . وَالصَّحِيح الأول .
الطَّرِيق الرَّابِع : عَن أنس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : يَد الله - تبَارك وَتَعَالَى - عَلَى رَأس الْمُؤَذّن حَتَّى يفرغ من أَذَانه وَإنَّهُ ليغفر لَهُ مد صَوته وَأَيْنَ بلغ .
رَوَاهُ ابْن عدي فِي كَامِله من حَدِيث أبي حَفْص الْعَبْدي ، عَن ثَابت الْبنانِيّ ، عَن أنس ، ثمَّ قَالَ : قَالَ عبد الله بن أَحْمد : سَأَلت أبي عَن [3/387] أبي حَفْص الْعَبْدي ، فَقَالَ : تركت حَدِيثه وخرقناه . وَقَالَ يَحْيَى : لَيْسَ بِشَيْء . وَقَالَ البُخَارِيّ : لَيْسَ بِالْقَوِيّ . وَقَالَ النَّسَائِيّ : مَتْرُوك الحَدِيث .
الطَّرِيق الْخَامِس : عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : قَالَ رَسُول الله : يغْفر للمؤذن مد صَوته ، وَيشْهد لَهُ كل رطب ويابس سَمعه وسُئِلَ عَنهُ الدَّارَقُطْنِيّ ، فَقَالَ فِي " علله " : يرويهِ عَطاء ، عَن أبي سعيد مَرْفُوعا مُتَّصِلا ، وَيَرْوِيه أَيْضا عَطاء مُرْسلا ، وَهُوَ الصَّحِيح .
الطَّرِيق السَّادِس : عَن جَابر بن عبد الله رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : يغْفر للمؤذن مد صَوته وَيشْهد لَهُ يَوْم الْقِيَامَة كل من سمع صَوته من شجر أَو حجر أَو بشر أَو رطب أَو يَابِس ، وَيكْتب لَهُ مثل أجر من صَلَّى بأذانه ... ، الحَدِيث ، وَهُوَ طَوِيل نَحْو ورقة ، رَوَاهُ الْحَافِظ أَبُو بكر الْخَطِيب فِي كِتَابه "موضح أَوْهَام الْجمع والتفريق" فِيمَا رَأَيْته بِخَطِّهِ من حَدِيث عَلّي بن حَرْب ، نَا يَحْيَى بن عبد الحميد ، نَا عَلّي بن سُوَيْد ، عَن نفيع ابْن دَاوُد ، عَن جَابر بِهِ .
فَائِدَة : المدى - بِفَتْح الْمِيم - مَقْصُور يكْتب بِالْيَاءِ ، وَهُوَ غَايَة الشَّيْء ، وَهُوَ مَنْصُوب عَلَى الظّرْف ، وَرِوَايَة "مد صَوته" مَرْفُوع عَلَى الفاعلين - كَمَا نبه عَلَيْهِ المطرزي فِي "الْمغرب" - وَالْمعْنَى : أَن [3/388] ذنُوبه لَو كَانَت أجسامًا غفر لَهُ مِنْهَا قدر مَا مَلأ الْمسَافَة الَّتِي بَينه وَبَين مُنْتَهى صَوته ، وَقيل : تمد لَهُ الرَّحْمَة بِقدر مد الْأَذَان .
وَقَالَ الْخطابِيّ : إِنَّه يستكمل مغْفرَة الله - تَعَالَى - إِذا اسْتَوْفَى وَسعه فِي رفع الصَّوْت ، فَيبلغ الْغَايَة من الْمَغْفِرَة إِذا بلغ الْغَايَة من الصَّوْت
.