الحَدِيث الثَّامِن بعد الْعشْرين
أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : الْأَئِمَّة ضمناء ، والمؤذنون أُمَنَاء ؛ فأرشد الله الْأَئِمَّة واغفر للمؤذنين .
هَذَا الحَدِيث ذكره الشَّافِعِي فِي "الْمُخْتَصر" بِغَيْر إِسْنَاد هَكَذَا ، وأسنده فِي "الْأُم" عَن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد ، عَن سُهَيْل بن أبي صَالح ، عَن أَبِيه ، عَن أبي هُرَيْرَة كَذَلِك ، وَهُوَ مخرج فِي "الْمسند" أَيْضا . وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي "سنَنه" بِإِسْنَادِهِ إِلَى الشَّافِعِي .
وَرَوَاهُ أَحْمد فِي "مُسْنده" عَن عبد الرَّزَّاق ، ثَنَا معمر ، عَن [3/395] الْأَعْمَش ، عَن أبي صَالح ، عَن أبي هُرَيْرَة رَفعه بِلَفْظ أبي دَاوُد الْآتِي .
ورَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي "سنَنه" عَن أَحْمد بن حَنْبَل ، نَا مُحَمَّد بن فُضَيْل ، نَا الْأَعْمَش ، عَن رجل ، عَن أبي صَالح ، عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : الإِمَام ضَامِن ، والمؤذن مؤتمن ، اللَّهُمَّ أرشد الْأَئِمَّة واغفر للمؤذنين .
قَالَ : وثنا الْحسن بن عَلّي ، نَا ابْن نمير ، عَن الْأَعْمَش قَالَ : نبئت عَن أبي صَالح وَلَا أَرَانِي إِلَّا قد سمعته مِنْهُ ، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا بِمثلِهِ .
وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ فِي " جَامعه " عَن هناد ، نَا أَبُو الْأَحْوَص ، وَأَبُو مُعَاوِيَة ، عَن الْأَعْمَش ، عَن أبي صَالح مَرْفُوعا بِلَفْظ أبي دَاوُد ، وقَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ سُفْيَان الثَّوْريّ وَحَفْص بن غياث وَغير وَاحِد عَن الْأَعْمَش ، عَن أبي صَالح ، عَن أبي هُرَيْرَة . وَرَوَى أَسْبَاط بن مُحَمَّد ، عَن الْأَعْمَش قَالَ : حدثت عَن أبي صَالح ، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا قَالَ : وَرَوَى نَافِع بن سُلَيْمَان ، عَن مُحَمَّد بن أبي صَالح ، عَن أَبِيه ، عَن عَائِشَة ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - هَذَا الحَدِيث . قَالَ : وَسمعت أَبَا زرْعَة يَقُول : حَدِيث أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة أصح من حَدِيث أبي صَالح [3/396] عَن عَائِشَة . قَالَ : وَسمعت مُحَمَّدًا يَقُول : حَدِيث أبي صَالح عَن عَائِشَة أصح ، وذكر عَن عَلّي ابن الْمَدِينِيّ أَنه لم يثبت حَدِيث أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة ، وَلَا حَدِيث أبي صَالح عَن عَائِشَة فِي هَذَا ، هَذَا آخر كَلَام التِّرْمِذِيّ وَنَقله .
وَقَالَ الإِمَام أَحْمد بن حَنْبَل - فِيمَا نَقله عَنهُ ابْن الْجَوْزِيّ فِي " علله " : لَيْسَ لهَذَا الحَدِيث أصل - يَعْنِي : حَدِيث الْأَعْمَش ، عَن أبي صَالح ، عَن أبي هُرَيْرَة : لَيْسَ يَقُول فِيهِ أحد : عَن الْأَعْمَش أَنه قَالَ : ثَنَا أَبُو صَالح ، وَالْأَعْمَش يحدث عَن ضِعَاف .
وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي "الإِمَام" : بَلغنِي عَن أبي بكر بن مغور الْحَافِظ الأندلسي قَالَ عَن ابْن الْمَدِينِيّ : رَوَاهُ أَبُو صَالح عَن عَائِشَة بِإِسْنَاد جيد ، وطرق أبي هُرَيْرَة معلولة ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ : لم يسمع هَذَا الحَدِيث سُهَيْل من أَبِيه ؛ إِنَّمَا سَمعه من الْأَعْمَش ، عَن أبي صَالح ، وَالْأَعْمَش لم يسمعهُ يَقِينا من أبي صَالح ؛ إِنَّمَا يَقُول فِيهِ : نبئت عَن أبي صَالح ، وَلَا أرَى إِلَّا قد سمعته مِنْهُ . وَقَالَ ابْن الْقطَّان فِي " الْوَهم وَالْإِيهَام " : خَفِي عَلَى عبد الْحق انْقِطَاعه ، ومعنعن الْأَعْمَش عرضه لتبيين الِانْقِطَاع ، فَإِنَّهُ مُدَلّس ، ثمَّ ذكر رِوَايَة أبي دَاوُد السالفة [3/397] المصرحة بالانقطاع ، ثمَّ قَالَ : وَفِي كتاب عَبَّاس الدوري عَن ابْن معِين أَنه قَالَ : قَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ : لم يسمع الْأَعْمَش هَذَا الحَدِيث من أبي صَالح . وَنقل ابْن الْجَوْزِيّ فِي " علله " عَن ابْن الْمَدِينِيّ أَنه قَالَ : لَا يَصح فِي هَذَا الْبَاب مَرْفُوعا إِلَّا حَدِيث رَوَاهُ الْحسن عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - مُرْسلا . وَقَالَ الْعقيلِيّ فِي تَارِيخه : الحَدِيث حَدِيث أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة وَسَائِر ذَلِك أَوْهَام . وَكَذَا قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي " علله " : حَدِيث أبي صَالح ، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا هُوَ الصَّوَاب . وَكَذَا قَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ : إِنَّه أصح لما سَأَلَهُ ابْنه عَن ذَلِك .
فتحصلنا عَلَى ثَلَاث مقالات فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَعَائِشَة إِحْدَاهَا : أَنَّهُمَا لَا يصحان ، وَهُوَ قَول عَلّي ابْن الْمَدِينِيّ ، إِنَّمَا صَحَّ مُرْسلا .
ثَانِيهَا : أَن حَدِيث عَائِشَة أصح من حَدِيث أبي هُرَيْرَة - وَهُوَ قَول البُخَارِيّ .
ثَالِثهَا : عَكسه ، وَهُوَ قَول أبي زرْعَة وجماعات - كَمَا سلف - ، وَأما أَبُو حَاتِم بن حبَان ، فَإِنَّهُ صححهما ، فَإِنَّهُ أخرجهُمَا فِي "صَحِيحه" ، وَهَذِه مقَالَة رَابِعَة ، رَوَى حَدِيث أبي هُرَيْرَة من حَدِيث قُتَيْبَة بن سعيد ، نَا عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد ، عَن سُهَيْل بن أبي صَالح ، عَن أَبِيه ، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا : [3/398] " الإِمَام ضَامِن ، والمؤذن مؤتمن ، فأرشد الله الْأَئِمَّة واغفر للمؤذنين " .
وَرَوَى حَدِيثه عَائِشَة من حَدِيث ابْن وهب ، عَن حَيْوَة بن شُرَيْح ، عَن نَافِع بن سُلَيْمَان أَن مُحَمَّد بن أبي صَالح أخبرهُ عَن أَبِيه ، أَنه سمع عَائِشَة تَقول : سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَقُول : " الإِمَام ضَامِن ، والمؤذن مؤتمن ؛ فأرشد الله الْأَئِمَّة ، وَعَفا عَن المؤذنين " ، ثمَّ قَالَ : قد سمع هَذَا الْخَبَر أَبُو صَالح السمان ، عَن عَائِشَة عَلَى حسب مَا ذَكرْنَاهُ ، وسَمعه من أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا ؛ فَمرَّة حدث بِهِ عَن عَائِشَة ، وَأُخْرَى عَن أبي هُرَيْرَة ، وَتارَة وَقفه عَلَيْهِ وَلم يرفعهُ ، وَأما الْأَعْمَش ؛ فَإِنَّهُ سَمعه من أبي صَالح عَن أَبِيه ، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا قَالَ : وَقد وهم من أَدخل بَين سُهَيْل وَأَبِيهِ فِيهِ الْأَعْمَش ؛ لِأَن الْأَعْمَش سَمعه من سُهَيْل لَا أَن سهيلًا سَمعه من الْأَعْمَش . هَذَا آخر كَلَامه .
وَذكره ابْن السكن فِي "سنَنه الصِّحَاح" أَيْضا قَالَ : وَله طرق عَن أبي هُرَيْرَة .
وَقَالَ الْحَافِظ مُحَمَّد بن عبد الْوَاحِد الْمَقْدِسِي : هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَحْمد ، عَن قُتَيْبَة ، عَن عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد عَن سُهَيْل عَن أَبِيه ، عَن أبي هُرَيْرَة . وَقد رَوَى مُسلم بِهَذَا الْإِسْنَاد نَحْو أَرْبَعَة عشر حَدِيثا . [3/399] انْتَهَى . يُرِيد بذلك أَنه عَلَى شَرط مُسلم .
قلت : وَلِهَذَا الحَدِيث طَرِيق ثَالِث ؛ رَوَاهُ السراج فِي "مُسْنده" عَن أَحْمد بن حَفْص بن عبد الله قَالَ : حَدثنِي أبي قَالَ : حَدثنِي إِبْرَاهِيم بن طهْمَان ، ثَنَا سُلَيْمَان الْأَعْمَش ، عَن مُجَاهِد ، عَن ابْن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : " الإِمَام ضَامِن ، والمؤذن مؤتمن ، اللَّهُمَّ أرشد الْأَئِمَّة واغفر للمؤذنين " .
وَله طَرِيق رَابِع واه رَوَاهُ أَحْمد ، وَالدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث أبي غَالب ، عَن أبي أُمَامَة مَرْفُوعا : " الإِمَام ضَامِن ، والمؤذن مؤتمن " ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : رُوِيَ مَرْفُوعا هَكَذَا وموقوفًا عَلَى أبي أُمَامَة : " الإِمَام ضَامِن ، وَالْأَذَان أحب إِلَيّ من الْإِمَامَة ، المؤذنون أُمَنَاء النَّاس ، يفضلون النَّاس لطول أَعْنَاقهم " .
قَالَ ابْن حبَان : لَا يجوز الِاحْتِجَاج بغالب إِلَّا إِذا وَافق الثِّقَات .
وَله طَرِيق خَامِس من حَدِيث جَابر ذكرهَا ابْن الْجَوْزِيّ فِي " علله " وَضعف إِسْنَاده ، وَجَاءَت رِوَايَة غَرِيبَة فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة السالف رَوَاهَا الْبَيْهَقِيّ فِي "سنَنه" ، وَالْبَزَّار من حَدِيث أبي حَمْزَة السكرِي ، عَن الْأَعْمَش ، عَن أبي صَالح ، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا : " الإِمَام ضَامِن ، والمؤذن مؤتمن ، اللَّهُمَّ أرشد الْأَئِمَّة واغفر للمؤذنين" . قَالُوا : يَا [3/400] رَسُول الله ، لقد تركتنا نتنافس فِي الْأَذَان بعْدك ، فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : إِنَّه يكون بعدِي - أَو بعدكم - قوم سفلتهم مؤذنوهم . رَوَاهُ ابْن عبد الْبر فِي " تمهيده " ، وَقَالَ : هَذِه الزِّيَادَة لَا تَجِيء إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَاد ، وَهُوَ إِسْنَاد رِجَاله ثِقَات معروفون إِلَّا أَن أَحْمد بن حَنْبَل ضعف الحَدِيث كُله ، ثمَّ أَشَارَ إِلَى مَا سلف من عِلّة الِانْقِطَاع فِيمَا بَين الْأَعْمَش وَأبي صَالح .
قَالَ ابْن الْقطَّان : وَلَا عيب للإسناد إِلَّا هَذَا ، قَالَ : وَلَا مبالاة بقول الدَّارَقُطْنِيّ فِي "علله" إِنَّهَا لَيست مَحْفُوظَة لثقة أبي حَمْزَة مُحَمَّد بن مَيْمُون الرَّاوِي عَن الْأَعْمَش ، وَكَذَا بَاقِي رجالها .
فَائِدَة : الضَّمَان فِي اللُّغَة هُوَ الْكِفَايَة وَالْحِفْظ وَالرِّعَايَة ، قَالَه الْهَرَوِيّ وَغَيره ، وَاخْتلف فِي مَعْنَاهُ هُنَا عَلَى خَمْسَة أوجه ، أَحدهَا : أَنهم ضمناء لما غَابُوا عَلَيْهِ من الْقِرَاءَة والإسرار بِالْقِرَاءَةِ وَالذكر ، قَالَه الشَّافِعِي فِي "الْأُم" .
ثَانِيهَا : المُرَاد ضَمَان الدُّعَاء أَن يعم الْقَوْم بِهِ وَلَا يخص نَفسه .
ثَالِثهَا : لِأَنَّهُ يتَحَمَّل الْقِرَاءَة وَالْقِيَام عَن الْمَسْبُوق ، حَكَاهُمَا الْبَغَوِيّ فِي "شرح السّنة" .
رَابِعهَا : أَنه يحفظ عَلَى الْقَوْم صلَاتهم ، وَلَيْسَ هُوَ من الضَّمَان [3/401] الْمُوجب للغرامة ، قَالَه الْخطابِيّ ، وَكَذَا قَالَ ابْن الْعَرَبِيّ فِي "شرح التِّرْمِذِيّ" أَن مَعْنَى ذَلِك الْتِزَام شُرُوطهَا وَحفظ صلَاته فِي نَفسه ؛ لِأَن صَلَاة الْمَأْمُوم تبنى عَلَيْهِ .
خَامِسهَا : مَعْنَاهُ أَنهم إِذا قَامُوا بِالصَّلَاةِ جمَاعَة سقط فرض الْكِفَايَة عَن سَائِر البَاقِينَ بفعلهم ، وَفِي أَمَانَة المؤذنين ثَلَاثَة أَقْوَال :
أَحدهَا : أَنهم أُمَنَاء عَلَى مَوَاقِيت الصَّلَاة .
ثَانِيهَا : أَنهم أُمَنَاء عَلَى حرم النَّاس ؛ لأَنهم يشرفون عَلَى الْمَوَاضِع الْعَالِيَة .
ثَالِثهَا : أَنهم أُمَنَاء فِي تبرعهم بِالْأَذَانِ .
قَالَ أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي "صَحِيحه" : وَالْعَفو يكون لمن اسْتوْجبَ النَّار من عباده ، والغفران هُوَ الرِّضَا نَفسه ؛ فَلَا يكون لمن اسْتوْجبَ النيرَان ، ونازعه الْمُحب الطَّبَرِيّ فِي "أَحْكَامه" ، فَقَالَ : فِيمَا ذكره نظر ؛ فَإِن صفة الرِّضَا أبلغ من صفة الْمَغْفِرَة ؛ لِأَن الْمَغْفِرَة تَسْتَلْزِم ذَنبا يغْفر ، وَالرِّضَا قد لَا يستلزمه بل قد ينشأ لكَمَال حَال المرضي عَنهُ وَعدم تَقْصِيره بذنب ، فالمغايرة بَينهمَا ثَابِتَة إِذا ، وَأما الغفران وَالْعَفو فَالْوَجْه أَن يُقَال إنَّهُمَا - وَإِن تَغَيَّرت حقيقتهما - يرجعان إِلَى مَعْنَى وَاحِد ، وَلذَلِك تواردا فِي الرِّوَايَتَيْنِ ، وَذَلِكَ لِأَن الْعَفو فِي الأَصْل إِمَّا [3/402] الْفضل وَمِنْه قَوْله تَعَالَى : ( وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ ) ، وَإِمَّا المحو وَالْمَغْفِرَة من الغفر وَهُوَ السّتْر وَمن محا ذَنبه ، أَو تفضل عَلَيْهِ بالتجاوز ، فقد ستر عَلَيْهِ ، وَمن ستر عَلَيْهِ فقد محا ذَنبه ، وتفضل عَلَيْهِ ، وَلِأَنَّهُ ستر لَا ينْكَشف وستره لَا يَزُول
.