[3/516] الحَدِيث الرَّابِع عشر
رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : " التَّكْبِير جزم ، وَالسَّلَام جزم " .
هَذَا الحَدِيث لَا أعلم من رَوَاهُ هَكَذَا مَرْفُوعا ؛ وَإِنَّمَا أعرفهُ من قَول إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ : " التَّكْبِير جزم ، وَالسَّلَام جزم " .
كَذَا نَقله عَنهُ التِّرْمِذِيّ فِي " جَامعه " وَالْمُنْذِرِي فِي " مُخْتَصر السُّنن " قَالَ : "وَجزم" بِالْجِيم وَالزَّاي ، وَرَوَى "حذم" بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة ، وَمَعْنَاهُ : سريع . الخذم فِي اللِّسَان : السرعة ، وَمِنْه : "إِذا أَقمت فاحذم" أَي : أسْرع .
وَقَالَ المحبُّ الطَّبَرِيّ فِي "أَحْكَامه" : مَعْنَى جزمهما أَنَّهُمَا لَا يمدان ، وَلَا يعرب التَّكْبِير ؛ بل يسكن آخِره . وَتبع فِي ذَلِك ابْن الْأَثِير ؛ فَإِنَّهُ قَالَ فِي "نهايته" : أَرَادَ بِالْجَزْمِ أَنه لَا يمد وَلَا يعرب ؛ بل يسكن .
قلت : وَورد حَدِيث بِمَعْنى الْقطعَة الثَّانِيَة قَالَ التِّرْمِذِيّ فِي " جَامعه " بَاب مَا جَاءَ أَن حذف السَّلَام سنة رُوِيَ من حَدِيث [3/517] الْأَوْزَاعِيّ ، عَن قُرَّة بن عبد الرَّحْمَن عَن الزُّهْرِيّ عَن أبي سَلمَة ، وَأبي هُرَيْرَة قَالَ : " حذف السَّلَام سُنَّة " ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح .
قلتُ : وَقَول أبي هُرَيْرَة هَذَا يدْخل فِي الْمسند عِنْد أَكثر أهل الحَدِيث ، وَيُؤَيّد ذَلِك أَن أَحْمد وَأَبا دَاوُد وَالْحَاكِم وَابْن السكن أَخْرجُوهُ مَرْفُوعا صَرِيحًا من حَدِيث الْأَوْزَاعِيّ أَيْضا عَن قُرَّة ، عَن الزُّهْرِيّ عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - " حذفُ السَّلَام سُنَّةٌ " .
قَالَ الْحَاكِم هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم ؛ فقد اسْتشْهد بِقُرَّةَ فِي موضِعين من كِتَابه . قَالَ : وَوَقفه ابْن الْمُبَارك عَن الْأَوْزَاعِيّ . وَقَالَ أَبُو دَاوُد - عَلَى مَا نَقله عَنهُ ابْن القطَّان - : إِن الْفرْيَابِيّ لما رَجَعَ من مكَّة ترك رَفعه . وَقَالَ : نهاني أَحْمد عَن رَفعه ، وَقَالَ عِيسَى بن يُونُس الرَّمْلِيّ : نهاني ابْن الْمُبَارك عَن رَفعه وَسُئِلَ عَنهُ الدَّارقطنيُّ فَأجَاب فِي " علله " بِأَن وَقفه هُوَ الصَّوَاب .
وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي " سنَنه " : كَانَ الوقفُ تقصيرًا من بعض الروَاة
.
قلت : صورته صُورَة مَوْقُوف وَإِلَّا فَهُوَ يدْخل فِي الْمسند كَمَا سلف عَن أَكثر المحدِّثين . وأعلَّه ابْن القطَّان بقُرَّةَ ، وَقَالَ : لَا يَصح مَوْقُوفا وَلَا مَرْفُوعا ، وقرَّة هُوَ ابْن عبد الرَّحْمَن بن حَيْوِيل بن نَاشِرَة الْمعَافِرِي [3/518] الْمصْرِيّ . قَالَ الأوزاعيُّ : مَا أحد أعلم بالزهري من قُرَّة .
وَقَالَ أَحْمد : مُنكر الحَدِيث جدًّا . وَقَالَ ابْن معِين فِي رِوَايَة : ضَعِيف وَأُخْرَى : ثِقَة . وَقَالَ أَبُو حَاتِم : لَيْسَ بِالْقَوِيّ .
وَقَالَ ابْن عدي : لم أرَ لَهُ حَدِيثا مُنْكرا ، وَأَرْجُو أَنه لَا بَأْس بِهِ .
وَذكره مُسلم فِي "صَحِيحه" مَقْرُونا بِعَمْرو بن الْحَارِث ، وَذكره ابْن حبَان فِي "ثقاته" . وَأخرج لَهُ فِي "صَحِيحه" حَدِيث " أحب عبَادي إِلَيّ أعجلهم فطرًا " ثمَّ قَالَ : هُوَ من ثِقَات مصر
.
فَائِدَة : حذفُ السَّلَام قيل إِنَّه الْإِسْرَاع بِهِ ، قَالَ ابْن الْمُبَارك : أَن لَا يمده مدًّا نَقله عَنهُ الترمذيُّ . وَقيل : أَن لَا يكون فِيهِ "ورحمةُ الله" يَعْنِي : فِي الصَّلَاة ، ويردُّهُ مَا جَاءَ مصرَّحًا بِهِ من زِيَادَة : "وَرَحْمَة ُ الله" كَمَا ستعلمه فِي مَوْضِعه .
وَفِي "صِحَاح ابْن السَّكن" إِثْر هَذَا الحَدِيث ؛ أَن الْأَوْزَاعِيّ سُئِلَ عَنهُ ، فَقَالَ : مَعْنَاهُ : إِذا سلم الإِمَام لم يصل السَّلام بجلوس حَتَّى يقوم أَو ينْصَرف .
وَاعْلَم أَن الرَّافِعِيّ واستدلَّ بِهَذَا الحَدِيث عَلَى الرَّاجِح فِي تَكْبِيرَة الْإِحْرَام أَنه لَا يمدها ؛ بِخِلَاف بَاقِي تَكْبِيرَات الِانْتِقَالَات ، فَقَالَ : لِأَنَّهُ قَالَ : "التَّكْبِير جزم" أَي لَا يمد . وَاعْترض عَلَيْهِ بِأَنَّهُ لَا دلَالَة فِيهِ إِلَّا [3/519] عَلَى تسكين آخِره ؛ فَإِنَّهُ الْمَعْرُوف فِي الْجَزْم ، لكنه مُوَافق لما أسلفناه عَن الْمُحب الطَّبَرِيّ وَغَيره فِي تَفْسِيره لَهُ
.