الحَدِيث السَّادِس عشر
" أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نهَى أَن يقعي الرجل فِي صلَاته " .
[3/520] هَذَا الحَدِيث لَهُ طرق : إِحْدَاهَا : من حَدِيث عَائِشَة بِلَفْظ : " وَكَانَ ينْهَى عَن عقبَة الشَّيْطَان وَهُوَ حَدِيث طَوِيل ، رَوَاهُ مُسلم مُنْفَردا بِهِ .
قَالَ الهرويُّ عَن أبي عبيد : عقبَة الشَّيْطَان هُوَ أَن يضع أليتيه عَلَى عَقِبَيْهِ بَين السَّجْدَتَيْنِ ؛ وَهُوَ الَّذِي يَجعله بعض النَّاس الإقعاء . وَكَذَا قَالَه صَاحب "النِّهَايَة" قَالَ : وَقيل : هُوَ أَن يتْرك عَقِبَيْهِ غير مغسولين فِي الْوضُوء .
ثَانِيهَا : من حَدِيث الْحسن عَن سَمُرَة بن جُنْدُب رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : " نهَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَن الإقعاء فِي الصَّلَاة " .
رَوَاهُ الْحَاكِم فِي " مُسْتَدْركه " ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط البُخَارِيّ وَلم يخرجَاهُ . قَالَ : وَالرِّوَايَة فِي إِبَاحَة الإقعاء صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم . فَذكر حَدِيث ابْن عَبَّاس الْآتِي .
ثَالِثهَا : من حَدِيث عليٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : " يَا عَلّي ، أحبُّ لَك مَا أحبُّ لنَفْسي ، وأكره لَك مَا أَكْرَهُ لنَفْسي ، لَا تُقْعِ بَين السَّجْدَتَيْنِ " .
رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث الْحَارِث عَنهُ ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث لَا نعرفه من حَدِيث عَلّي إِلَّا من حَدِيث أبي إِسْحَاق ، عَن الْحَارِث ، عَن عَلّي . وَقد ضعف بعض أهل الْعلم الْحَارِث الْأَعْوَر . قَالَ : وَالْعَمَل عَلَى هَذَا الحَدِيث عِنْد أَكثر أهل الْعلم يكْرهُونَ الإقعاء .
وَرَوَى هَذَا الحَدِيث أَيْضا ابْن مَاجَه من هَذِه الطَّرِيق ، وَلَفظه :
[3/521] " لَا تقع بَين السَّجْدَتَيْنِ " .
وَفِي رِوَايَة أُخْرَى من حَدِيث عَلّي وَأبي مُوسَى " لَا تقع إقعاء الْكَلْب " وَفِي سَنَده مَعَ الْحَارِث : أَبُو نعيم وَأَبُو مَالك النخعيان ؛ وَقد ضعفوهما .
قَالَ الرَّافِعِيّ : وَيروَى أَنه قَالَ : " لَا تقعوا إقعاء الْكلاب " .
قلت : لَهُ طرق :
أَحدهَا وَثَانِيها : من حَدِيث عَلّي وَأبي مُوسَى ، وَقد تقدّمت أَيْضا .
ثَالِثهَا : من حَدِيث الْعَلَاء أبي مُحَمَّد ، عَن أنس قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : " إِذا رفعت رَأسك من السُّجُود فَلَا تُقْعِ كَمَا يقعي الْكَلْب ، ضع أليتيك بَين قَدَمَيْك ، وألزق ظَاهر قَدَمَيْك بِالْأَرْضِ " رَوَاهُ ابْن مَاجَه والْعَلَاء هَذَا هُوَ ابْن زيد الثَّقَفِيّ ، مَتْرُوك ؛ كَمَا قَالَه أَبُو دَاوُد وَغَيره . وَقَالَ ابْن الْمَدِينِيّ : وضَّاع . وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ أَيْضا عَن أنس بِلَفْظ " أَنه نهَى عَن الإقعاء والتورُّك " .
رَابِعهَا : من حَدِيث أبي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : " نهاني رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَن نقرة كنقر الديك ، وإقعاء كإقعاء الْكَلْب ، والتفات كالتفات الثَّعْلَب " .
رَوَاهُ أَحْمد كَذَلِك ، وَالْبَيْهَقِيّ ، وَقَالَ : "القرد" بدل "الْكَلْب" وَفِي إِسْنَاده : لَيْث بن أبي سليم ، وَقد علمت مَا فِيهِ فِي بَاب الْوضُوء ، وَنقل النَّوَوِيّ فِي "الْخُلَاصَة" عَن الْحفاظ أَنهم قَالُوا : لَيْسَ فِي النَّهْي عَن [3/522] الإقعاء حَدِيث صَحِيح إِلَّا حَدِيث عَائِشَة السَّابِق .
قلت : وَبعده حَدِيث الْحسن عَن سَمُرَة كَمَا سلف عَلَى مَا فِي هَذِه التَّرْجَمَة من الْخلاف الشهير فِيهَا .
وَأخرج ابْن السكن فِي "صحاحه" عَن أبي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه " أَنه نهَى عَن السدل ، والإقعاء فِي الصَّلَاة " وَعَن أنس " أَنه نهَى عَن التورُّك والإقعاء فِي الصَّلَاة " .
وَهُوَ متساهل فِي هَذَا التَّأْلِيف .
تَنْبِيه : صَحَّ عَن طَاوس أَنه قَالَ : " قلت لِابْنِ عَبَّاس فِي الإقعاء عَلَى الْقَدَمَيْنِ ، قَالَ : هِيَ السُّنة . فَقُلْنَا لَهُ : إِنَّا لنراه جفَاء بِالرجلِ ! فَقَالَ : بل هِيَ سنة نبيك صلى الله عليه وسلم " .
رَوَاهُ مُسلم مُنْفَردا ، وَقد ذكره الرافعيُّ فِي أثْنَاء الْبَاب ، كَمَا سَيَأْتِي .
وَفِي الْبَيْهَقِيّ عَن ابْن عمر " أَنه كَانَ إِذا رفع رَأسه من السَّجْدَة الأولَى يقْعد عَلَى أَطْرَاف أَصَابِعه وَيَقُول : إِنَّه من السّنة " .
وَفِيه عَن ابْن عمر أَيْضا وَابْن عَبَّاس " أَنَّهُمَا كَانَا يقعيان " .
وَفِيه عَن طَاوس : " رَأَيْت العبادلة يقعون " .
وَفِي الْجمع بَين هَذَا وَبَين مَا سلف وَجْهَان :
أَحدهمَا : أَن أَحَادِيث الْإِبَاحَة مَنْسُوخَة بِأَحَادِيث النَّهْي . قَالَ الْمَاوَرْدِيّ : لَعَلَّ ابْن عَبَّاس لم يعلم مَا ورد من الْأَحَادِيث الناسخة الَّتِي فِيهَا النَّهْي عَن الإقعاء . قَالَ الْخطابِيّ : وَهَذَا هُوَ الْأَشْبَه .
[3/523] وَالثَّانِي : أَنه لَا نسخ فِي ذَلِك ؛ وَإِنَّمَا الإقعاء ضَرْبَان :
أَحدهمَا : أَن يضع أليتيه وَيَديه عَلَى الأَرْض وَينصب سَاقيه ، وَهَذَا مَكْرُوه ، وَهُوَ الَّذِي وَردت فِيهِ الْأَحَادِيث الأول .
وَثَانِيهمَا : أَن يضع أليتيه عَلَى عَقِبَيْهِ وَتَكون ركبتاه فِي الأَرْض ، وهَذَا هُوَ الَّذِي رَوَاهُ ابْن عَبَّاس وفعلته العبادلة ، وَنَصّ الشَّافِعِي فِي "الْبُوَيْطِيّ" و"الْإِمْلَاء" عَلَى اسْتِحْبَابه بَين السَّجْدَتَيْنِ فَهُوَ سنة والافتراش سنة ، لَكِن الصَّحِيح أَن الافتراش أفضل مِنْهُ ؛ لِكَثْرَة الروَاة لَهُ ؛ وَلِأَنَّهُ أعونُ للْمُصَلِّي ، وَأحسن فِي هَيْئَة الصَّلَاة وبِهَذَا الْوَجْه جمع بَين الْأَحَادِيث الْبَيْهَقِيّ ، وَتَبعهُ ابْن الصّلاح ثمَّ النَّوَوِيّ قَالَا : وَقد غلط فِي هَذَا كَثِيرُونَ ؛ لتوهمهم أَن الإقعاء نوع وَاحِد ، وَأَن الْأَحَادِيث تَعَارَضَت فِيهِ حَتَّى توهم بعض الْكِبَار أَن حَدِيث ابْن عَبَّاس مَنْسُوخ ، وَهَذَا غلط فَاحش ؛ فَإِنَّهُ لم يتَعَذَّر الْجمع وَلَا علم التَّارِيخ ، فَكيف يثبت النّسخ ؟ !