[3/534] الحَدِيث الثَّاني بعد الْعشْرين
عَن جُبيرِ بن مُطعم رَضِيَ اللَّهُ عَنْه " أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ يتعوَّذ قبل الْقِرَاءَة " .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ الْأَئِمَّة أَحْمد فِي "مُسْنده" ، وَأَبُو دَاوُد ، وَابْن مَاجَه فِي سُنَنهمَا ، وَأَبُو حَاتِم بن حبَان فِي "صَحِيحه" ، وَالْحَاكِم فِي "مُسْتَدْركه" رَوَاهُ أَحْمد من حَدِيث عَمْرو بن مرّة ، عَن رجل ، عَن نَافِع بن جُبَير بن مطعم ، عَن أَبِيه قَالَ : " سَمِعت النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَقُول فِي التَّطَوُّع : الله أكبر كَبِيرا - ثَلَاث مَرَّات - وَالْحَمْد لله كثيرا - ثَلَاث مَرَّات - وَسُبْحَان الله بكرَة وَأَصِيلا - ثَلَاث مَرَّات - اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من الشَّيْطَان الرَّجِيم من همزه ونفخه ونفثه . قلت : يَا رَسُول الله ، مَا همزه ونفخه ونفثه ؟ قَالَ : أما همزه فالموتةُ الَّتِي تَأْخُذ ابْن آدم ، وَأما نفخه الْكبر ، ونفثه الشّعْر " .
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث عَمْرو بن مرّة أَيْضا ، عَن عَاصِم الْعَنزي - أَو عباد بن عَاصِم ، أَو عمار بن عَاصِم - أَقْوَال فِيهِ وَلَعَلَّه الرجل الْمُبْهم فِي سَنَد أَحْمد . فَالْأول : قَالَه أَبُو دَاوُد وَالْبَيْهَقِيّ .
[3/535] وَالثَّانِي : ابْن أبي شيبَة فِي "مُصَنفه" . وَالثَّالِث : الْبَزَّار عَن ابْن جُبَير بن مطعم ، عَن أَبِيه : " أَنه رَأَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يصلى صَلَاة قَالَ عَمْرو : لَا أَدْرِي أَي صَلَاة هِيَ . قَالَ : الله أكبر الله أكبر كَبِيرا ، الله أكبر كَبِيرا ، الله أكبر كَبِيرا وَالْحَمْد لله كثيرا ، سُبْحَانَ الله بكرَة وَأَصِيلا - ثَلَاثًا - أعوذ بِاللَّه من الشَّيْطَان الرَّجِيم من نفخه ونفثه وهمزه " .
قَالَ عَمْرو : نفثه : الشّعْر ، ونفخه : الْكبر ، وهمزه : الموتة . ثمَّ رَوَاهُ من حَدِيث عَمْرو بن مرّة ، عَن رجل ، عَن ابْن جُبَير ، عَن أَبِيه قَالَ : "سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَقُول فِي التَّطَوُّع ..." وَذكر نَحوه ، وَهَذِه طَريقَة أَحْمد كَمَا قدمتها وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه كَرِوَايَة أبي دَاوُد الأولَى سَوَاءً .
وَرَوَاهُ ابْن حبَان من طَرِيقين بِسَنَد أبي دَاوُد الأول :
أَحدهمَا : لَفظه فِيهِ : " كَانَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِذا دخل في الصَّلَاة قَالَ : الله أكبر كَبِيرا وَالْحَمْد لله كثيرا - ثَلَاثًا - وَسُبْحَان الله بكرَة وَأَصِيلا - ثَلَاثًا - أعوذ بِاللَّه من الشَّيْطَان الرَّجِيم من همزه ونفخه ونفثه " ثمَّ ذكر تَفْسِير ذَلِك عَن عَمْرو كَمَا تقدم .
الثَّانِي : عَن جُبَير قَالَ : " رَأَيْت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِذا افْتتح [3/536] الصَّلَاة قَالَ : اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من الشَّيْطَان من همزه ونفخه ونفثه " ثمَّ ذكر تَفْسِير ذَلِك كَمَا فِي الَّذِي قبله . والموتة : تَعْنِي الْجُنُون . والنفث : كل مَا نفخ الرجل من فِيهِ من غير أَن يخرج رِيقه . وَالْكبر : التيه .
وَرَوَاهُ الْحَاكِم بِسَنَد الْجَمَاعَة وَلَفظه : " إِن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ إِذا افْتتح الصَّلَاة قَالَ : الله أكبر كَبِيرا ، وَالْحَمْد لله كثيرا ، وَسُبْحَان الله بكرَة وَأَصِيلا - ثَلَاث مَرَّات - اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من الشَّيْطَان الرَّجِيم من همزه ونفخه ونفثه " قَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد وَلم يخرجَاهُ . وَذكره ابْن عَسَاكِر فِي "أَطْرَافه" فِي تَرْجَمَة مُحَمَّد بن جُبَير بن مطعم ، عَن أَبِيه . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَرُوِيَ من طَرِيق سمي فِيهِ ابْن جُبَير بِنَافِع .
قلت : وَقد أسلفنا ذَلِك عَن رِوَايَة أَحْمد .
وَقَالَ ابْن خُزَيْمَة فِي "صَحِيحه" : حَدِيث جُبَير هَذَا اخْتلف فِي إِسْنَاده ، فَرَوَاهُ شُعْبَة ، عَن عَمْرو بن مرّة عَن عَاصِم الْعَنزي ، عَن ابْن جُبَير بن مطعم عَن أَبِيه ، وَرَوَاهُ حُصَيْن بن عبد الرَّحْمَن عَن عَمْرو بن مرّة ، فَقَالَ : عَن عباد بن عَاصِم عَن نَافِع بن جُبَير بن مطعم ، عَن أَبِيه : وَعَاصِم الْعَنزي وَعباد بن عَاصِم مَجْهُولَانِ لَا [3/537] نَدْرِي من هما ، وَلَا نعلم الصَّحِيح مَا رَوَى حُصَيْن أَو شُعْبَة .
قلت : عَاصِم الْعَنزي موثَّق ، ذكره ابْن حبَان فِي "ثقاته" وَذكر الحَدِيث وَالِاخْتِلَاف فِي إِسْنَاده .
قَالَ الرَّافِعِيّ : وَرُوِيَ عَن غير جُبَير بن مطعم " أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ يتَعَوَّذ قبل الْقِرَاءَة " .
قلت : هُوَ كَمَا قَالَ ، وَقد ورد ذَلِك من عدَّة طرق :
إِحْدَاهَا : عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ : " كَانَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِذا قَامَ إِلَى الصَّلَاة بِاللَّيْلِ كبر ثمَّ يَقُول : سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك ، وتبارك اسْمك ، وَتَعَالَى جدك ، وَلَا إِلَه غَيْرك . ثمَّ يَقُول : لَا إِلَه إِلَّا الله - ثَلَاثًا - ثمَّ يَقُول : الله أكبر كَبِيرا - ثَلَاثًا - ثمَّ يَقُول : أعوذ بِاللَّه السَّمِيع الْعَلِيم من الشَّيْطَان الرَّجِيم من همزه ونفخه ونفثه " .
رَوَاهُ الْأَئِمَّة : أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه ، وَرُبمَا يزِيد بَعضهم عَلَى بعض . قَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا الحَدِيث أشهر حَدِيث فِي هَذَا الْبَاب ، وَقد تكلم فِي إِسْنَاده ، كَانَ يَحْيَى بن سعيد يتَكَلَّم فِي عَلّي بن عَلّي الرِّفَاعِي - يَعْنِي : الْمَذْكُور فِي إِسْنَاده - وَقَالَ أَحْمد : هَذَا الحَدِيث لَا يَصح .
قلت : فَلم أخرجته فِي "مسندك" وشرطك فِيهِ الصِّحَّة كَمَا رَوَاهُ عَنْك [3/538] الْحَافِظ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيّ ، وَقد سَأَلَك حَرْب الْكرْمَانِي عَن عَلّي بن عَلّي ، فَقلت : لم يكن بِهِ بَأْس ، وَسَيَأْتِي عَنهُ أَنه صَالح أَيْضا ، وَقَالَ أَبُو دَاوُد : النَّاس يَقُولُونَ : هُوَ عَن عَلّي بن عَلّي ، عَن الْحسن . وَالوهم من جَعْفَر - يَعْنِي : ابْن سُلَيْمَان الضبعِي - الرَّاوِي عَن عَلّي بن عَلّي الرِّفَاعِي ، وَذكره ابْن الْجَوْزِيّ فِي "علله" وَأعله بقول أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ .
قلت : وَعلي هَذَا وَثَّقَهُ وَكِيع وَأَبُو نعيم وَابْن معِين وجماعات . قَالَ ابْن سعد : ثَنَا الْفضل بن دُكَيْن وَعَفَّان قَالَا : كَانَ عَلّي بن عَلّي الرِّفَاعِي يشبه بِالنَّبِيِّ - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ الإِمَام أَحْمد : هُوَ صَالح . قيل : كَانَ يشبه النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ كَذَا يُقَال . وَقَالَ مُحَمَّد بن عبد الله بن عمار : كَانَ عَلّي بن عَلّي الرِّفَاعِي زَعَمُوا أَنه كَانَ يُصَلِّي كل يَوْم سِتّمائَة رَكْعَة ، وَكَانَ تشبه عينه - بِعَين النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَكَانَ رجلا عابدًا ثِقَة ، وَقَالَ أَبُو حَاتِم : لَيْسَ بِهِ بَأْس ، لَا يحْتَج بحَديثه
. وَقَالَ ابْن خُزَيْمَة فِي "صَحِيحه" : أما مَا يفْتَتح بِهِ الْعَامَّة صلَاتهم بخراسان من قَوْلهم : سُبْحَانَكَ الله وَبِحَمْدِك ، تبَارك اسْمك ، وَتَعَالَى جدك ، وَلَا إِلَه غَيْرك فَلَا نعلم فِي هَذَا خَبرا ثَابتا عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عِنْد أهل الْمعرفَة بِالْحَدِيثِ ، وَأحسن إِسْنَاد نعلمهُ رُوِيَ فِي هَذَا خبر أبي المتَوَكل ، عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ... فَذكره كَمَا تقدم عَن أَصْحَاب السّنَن وَغَيرهم . ثمَّ قَالَ : هَذَا الْخَبَر لم نسْمع فِي الدُّنْيَا عَالما فِي قديم الدَّهْر وَحَدِيثه اسْتَعْملهُ عَلَى وَجهه ، وَلَا سمعنَا عَالما وَلَا حُكيَ لنا [3/539] عَمَّن شَاهد من الْعلمَاء أَنه كَانَ يكبر لافتتاح الصَّلَاة ثَلَاثًا ثمَّ يَقُول : سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك ... إِلَى قَوْله : ولَا إِلَه غَيْرك ثَلَاثًا ، ثمَّ يهلل ثَلَاثًا ، ثمَّ يكبر ثَلَاثًا .
الطَّرِيق الثَّانِي : عَن ابْن مسعودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : " اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من الشَّيْطَان الرَّجِيم وهمزه ونفخه ونفثه . قَالَ : همزه : الموتة ، ونفخه : الشّعْر ، ونفثه : الْكبر " .
رَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي "سنَنه" هَكَذَا من حَدِيث ابْن فُضَيْل ، نَا عَطاء بن السَّائب ، عَن أبي عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ ، عَن ابْن مَسْعُود بِهِ وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي "مُسْتَدْركه" من هَذَا الْوَجْه بِلَفْظ : " كَانَ عَلَيْهِ السَّلَام إِذا دخل فِي الصَّلَاة يَقُول : اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من الشَّيْطَان الرَّجِيم ونفخه وهمزه ونفثه . قَالَ : فهمزه : الموتة ، ونفخه : الشّعْر ، ونفثه : الْكبر " .
ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد ، وَقد اسْتشْهد البُخَارِيّ بعطاء بن السَّائِب . وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ أَيْضا بِلَفْظ : "كَانَ عَلَيْهِ السَّلَام إِذا دخل فِي الصَّلَاة ..." الحَدِيث . قَالَ عَطاء : فهمزه الموتة . وَذكر بَاقِيه .
وَرَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي "صَحِيحه" بِلَفْظ : "أنه عليه السلام كَانَ يَقُول : اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك ..." إِلَى آخِره .
الطَّرِيق الثَّالِث : عَن أبي أُمَامَة الْبَاهِلِيّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : " كَانَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِذا قَامَ إِلَى الصَّلَاة كبر ثَلَاث مَرَّات ، ثمَّ قَالَ : لَا إِلَه إِلَّا الله ثَلَاث مَرَّات [3/540] سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ ثَلَاث مَرَّات ، وقَالَ : أعوذ بِاللَّه من الشَّيْطَان الرَّجِيم من همزه ونفخه ونفثه " .
رَوَاهُ الإِمَام أَحْمد من حَدِيث يعْلى بن عَطاء ، عَن رجل أَنه سمع أَبَا أُمَامَة يَقُول ... فَذكره .
وَفِي رِوَايَة لَهُ عَن شيخ من أهل دمشق أَنه سمع أَبَا أُمَامَة ... فَذكره .
قَالَ الرَّافِعِيّ : وقد ورد الْخَبَر بِأَن صِيغَة التَّعَوُّذ : "أعوذ بِاللَّه من الشَّيْطَان الرَّجِيم" .
قلت : هُوَ كَمَا قَالَ ، وَقد أسلفنا ذَلِك مَعَ غَيره أَيْضا ، ثمَّ ادَّعَى الرَّافِعِيّ أَنه اشْتهر من فعل رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - التَّعَوُّذ فِي الرَّكْعَة الأولَى ، وَلم يشْتَهر فِي سَائِر الرَّكْعَات .