|
الحَدِيث السَّابِع بعد الْعشْرين رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : " كتب عليَّ الْوتر وَهُوَ لكم سنة ، وَكتب عليّ (رَكعَتَا) الضُّحَى وهما لكم سنة " . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الإِمَام أَحْمد فِي "مُسْنده" وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ فِي "سُنَنهمَا" من حَدِيث ابْن عَبَّاس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : " ثَلَاث هن عليّ فَرَائض وَلكم تطوع : (النَّحْر) [4/326] وَالْوتر (وركعتا) الضُّحَى " . هَذَا لفظ أَحْمد وَالْبَيْهَقِيّ ، وَلَفظ الدَّارَقُطْنِيّ مثله إِلَّا أَنه قَالَ : "وركعتا الْفجْر" بدل "وركعتا الضُّحَى" . وَرَوَاهُ ابْن عدي بِلَفْظ : " ثَلَاث عَلّي فَرِيضَة وَلكم تطوع : الْوتر ، وَالضُّحَى ، وركعتا الْفجْر " . وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي "مُسْتَدْركه" مستشهدًا بِهِ بِلَفْظ الدَّارَقُطْنِيّ ، وَهُوَ حَدِيث ضَعِيف ، وَإِن ذكره ابْن السكن فِي "سنَنه الصِّحَاح" لِأَن مَدَاره عَلَى أبي جناب الْكَلْبِيّ ، واسْمه : يَحْيَى بن أبي حَيَّة (وَاسم أبي حَيَّة :) حَيّ ، رَوَاهُ عَن عِكْرِمَة ، عَن ابْن عَبَّاس . وَأَبُو جناب كَانَ يَحْيَى الْقطَّان يَقُول : لَا أستحل أَن أروي عَنهُ . وَقَالَ أَبُو نعيم : كَانَ يُدَلس أَحَادِيث مَنَاكِير . وَفِي " علل أَحْمد " : كَانَ ثِقَة يُدَلس ، وَعِنْده أَحَادِيث مَنَاكِير . مَعَ أَنه أخرج لَهُ فِي "مُسْنده" وَقَالَ عَمْرو بن عَلّي : مَتْرُوك . وَقَالَ يَحْيَى وَالنَّسَائِيّ وَغَيرهمَا : ضَعِيف . وَقَالَ يَحْيَى مرّة : لَيْسَ بِهِ بَأْس إِلَّا أَنه كَانَ يُدَلس . وَقَالَ مرّة : صَدُوق . وَقَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ : لَا يكْتب حَدِيثه ، لَيْسَ بِالْقَوِيّ . وَاخْتلف كَلَام ابْن حبَان [4/327] فِيهِ ؛ فَذكره فِي " ثقاته " وَقَالَ : رَوَى [ عَن ] جمَاعَة من التَّابِعين ، وَعنهُ أهل الْكُوفَة . وَذكره فِي " الضُّعَفَاء " ، وَقَالَ : كَانَ يُدَلس عَلَى الثِّقَات مَا سمع من الضُّعَفَاء ، فالتزقت بِهِ الْمَنَاكِير الَّتِي يَرْوِيهَا عَن الْمَشَاهِير ، فَحمل عَلَيْهِ أَحْمد بن حَنْبَل حملا شَدِيدا . وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي " خلافياته " : أَبُو جناب هَذَا لَيْسَ بِالْقَوِيّ . وَقَالَ فِي " سنَنه " : ضَعِيف ، وَكَانَ يزِيد بن هَارُون يصدقهُ ويرميه بالتدليس . وَقَالَ ابْن الصّلاح : حَدِيث غير ثَابت ، ضعفه الْبَيْهَقِيّ فِي " خلافياته " وَقَالَ عبد الْحق فِي " أَحْكَامه " : أَبُو جناب هَذَا لَا يُؤْخَذ من حَدِيثه إِلَّا مَا قَالَ فِيهِ : ثَنَا ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يُدَلس ، وَهُوَ أَكثر مَا عيب بِهِ ، وَلم يقل فِي هَذَا الحَدِيث : نَا عِكْرِمَة . وَلَا ذكر مَا يدل عَلَيْهِ . وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي " تَحْقِيقه " : هَذَا حَدِيث ضَعِيف . ثمَّ نقل كَلَام يَحْيَى الْقطَّان وَالْفَلَّاس فِي تَضْعِيف أبي جناب . وَنقل النَّوَوِيّ فِي " الْخُلَاصَة " الْإِجْمَاع عَلَى (أَن) أَبَا جناب مُدَلّس وَقد عنعن فِي هَذَا الحَدِيث . فتلخص من كَلَامه هَذَا كُله أَن هَذَا الحَدِيث لَا يَصح الِاحْتِجَاج بِهِ . وَمن الْعَجَائِب أَن أَصْحَابنَا يثبتون كَون هَذِه الْأَشْيَاء الثَّلَاثَة من خَصَائِصه بِمثل هَذَا الحَدِيث ، فَإِن قلت : لم ينْفَرد بِهِ ؛ بل تَابعه عَلَيْهِ جَابر الْجعْفِيّ ، رَوَاهُ الْبَزَّار من حَدِيث إِسْرَائِيل عَنهُ ، عَن عِكْرِمَة ، عَن [4/328] ابْن عَبَّاس رَفعه : " أمرت بركعتي الْفجْر وَالْوتر ، وَلَيْسَ عَلَيْكُم " (وَرَوَاهُ الإِمَام أَحْمد أَيْضا وَقَالَ : "وَلم يكْتب") بدل : "وَلَيْسَ عَلَيْكُم" وَرَوَاهُ عبد بن حميد فِي "مُسْنده" بِزِيَادَة "عَلَيْكُم" . قلت : جَابر ضَعِيف كَمَا سلف . وَرَوَاهُ وضاح بن يَحْيَى ، عَن منْدَل ، عَن يَحْيَى بن سعيد ، عَن عِكْرِمَة ، عَن ابْن عَبَّاس رَفعه : " ثَلَاث عليّ فَرِيضَة وَهن لكم تطوع : الْوتر ، وركعتا الْفجْر ، وركعتا الضُّحَى " وَهُوَ ضَعِيف أَيْضا . الوضاح قَالَ ابْن حبَان : لَا يحْتَج بِهِ ، كَانَ يروي عَن الثِّقَات الْأَحَادِيث الَّتِي كَأَنَّهَا معمولة . ومندل ضعفه أَحْمد وَالدَّارَقُطْنِيّ وَلم يتْرك . لَا جرم قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي " علله " : إِنَّه حَدِيث لَا يَصح . وَقَالَ فِي " الْإِعْلَام " : إِنَّه حَدِيث لَا يثبت . وَضَعفه فِي " تَحْقِيقه " أَيْضا . عَلَى أَنه قد جَاءَ مَا يُعَارضهُ أَيْضا وَهُوَ مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث عبد الله بن مُحَرر ، عَن قَتَادَة ، عَن أنس رَفعه : " أمرت بالوتر والأضحى وَلم يعزم عليّ " . [4/329] وَرَوَاهُ ابْن شاهين فِي "ناسخه ومنسوخه" فَقَالَ : "وَلم يفْرض عليّ" لكنه حَدِيث ضَعِيف أَيْضا بِسَبَب عبد الله بن مُحَرر ؛ فَإِنَّهُ مَتْرُوك بإجماعهم . قَالَ ابْن الْمُبَارك : لَو خيرت بَين أَن أَدخل الْجنَّة أَو أَلْقَاهُ لاخترت لقاءه ثمَّ أدخلها ، فَلَمَّا رَأَيْته كَانَت بَعرَة أحب إليّ مِنْهُ . وَقَالَ ابْن حبَان : كَانَ من خِيَار عباد الله إِلَّا أَنه (كَانَ) يكذب وَلَا يعلم ، ويقلب الْأَخْبَار وَلَا يفهم . وَأغْرب ابْن شاهين فَذكر فِي " ناسخه ومنسوخه " حَدِيث ابْن عَبَّاس السالف من طَرِيق الوضاح ، وَحَدِيث أنس هَذَا ، ثمَّ قَالَ : الحَدِيث الأول أقرب إِلَى الصَّوَاب من الثَّانِي ؛ لِأَن فِيهِ ابْن الْمُحَرر ، وَلَيْسَ بمرضي عِنْدهم . قَالَ : وَلَا أعلم النَّاسِخ مِنْهُمَا لصَاحبه . قَالَ : وَلَكِن الَّذِي عِنْدِي يشبه أَن يكون حَدِيث عبد الله بن مُحَرر عَلَى مَا فِيهِ نَاسِخا للْأولِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ يثبت أَن هَذِه الصَّلَوَات فرض . انْتَهَى مَا ذكره (وَلَا نَاسخ فِي ذَلِك) وَلَا مَنْسُوخ ؛ لِأَن النّسخ إِنَّمَا يُصَار إِلَيْهِ عِنْد تعَارض الْأَدِلَّة الصَّحِيحَة ، وَأَيْنَ الصِّحَّة هُنَا فيهمَا ؟ !
|