|
الحَدِيث السَّابِع رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : " من صَلَّى لله أَرْبَعِينَ يَوْمًا فِي جمَاعَة يدْرك التَّكْبِيرَة الأولَى كتب لَهُ براءتان : بَرَاءَة من النَّار ، وَبَرَاءَة من النِّفَاق " . هَذَا الحَدِيث مَرْوِيّ من طرق : أَولهَا : من حَدِيث أنس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه . رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ فِي " جَامعه " كَذَلِك . قَالَ : وَقد رُوِيَ عَن أنس (مَوْقُوفا) عَلَيْهِ . قَالَ : وَلَا (نعلم) أحدا رَفعه إِلَّا مَا رَوَاهُ مُسلم بن قُتَيْبَة ، عَن طعمة بن عَمْرو ، (عَن حبيب بن أبي ثَابت ، عَن أنس) إِنَّمَا [ يُروى ] هَذَا عَن حبيب بن أبي حبيب البَجلِيّ (عَن أنس) قَوْله ، وَلم يرفعهُ . قَالَ : وَرَوَى إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش هَذَا الحَدِيث عَن عمَارَة بن غزيَّة ، عَن أنس ، عَن عمر ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نَحْو هَذَا . قَالَ : وَهَذَا حَدِيث غير مَحْفُوظ وَهُوَ حَدِيث مُرْسل ، عمَارَة بن غزيَّة لم يدْرك أنس بن مَالك . [4/398] قلت : وَهُوَ من رِوَايَة إِسْمَاعِيل عَن غير الشاميين فَإِن عمَارَة مدنِي ، وَقد نَص غير وَاحِد من الْأَئِمَّة عَلَى ضعف هَذَا الحَدِيث ( فَذكره) ابْن أبي حَاتِم فِي " علله " (من) طَرِيق حبيب - غير مَنْسُوب ، عَن أنس ، (وَأَنه) سَأَلَ أَبَاهُ عَن حبيب هَذَا فَلم يعرفهُ . وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي " ضُعَفَائِهِ " حبيب هَذَا لَا مطْعن فِيهِ . وَتَبعهُ الذَّهَبِيّ فَقَالَ فِي " الْمِيزَان " : لَا أعلم (بِهِ) بَأْسا . وَفِي " علل الدَّارَقُطْنِيّ " أَنه سُئِلَ عَن حَدِيث أنس ، عَن عمر مَرْفُوعا : " من صَلَّى فِي (مَسْجِد) جمَاعَة أَرْبَعِينَ يَوْمًا لَا تفوته الرَّكْعَة الأولَى فِي صَلَاة الصُّبْح [ كتب ] لَهُ بهَا عتقا من النَّار " فَقَالَ : هُوَ حَدِيث يرْوَى عَن عمَارَة بن [ غزيَّة ] ، عَن أنس ابن مَالك ، عَن [ عمر ] وَعمارَة لَا نعلم لَهُ سَمَاعا من أنس ، رَوَاهُ عَنهُ هَكَذَا إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش وَمُحَمّد بن إِسْحَاق ، وَرَوَاهُ يَحْيَى بن أَيُّوب ، عَن عمَارَة بن غزيَّة ، عَن رجل ، عَن أنس ، (عَن) (عمر) . [4/399] (وَرَوَاهُ) أَبُو [ الْعَلَاء ] الْخفاف خَالِد بن طهْمَان الْكُوفِي ، عَن حبيب بن أبي عميرَة الإسكاف ، عَن أنس مَرْفُوعا ، لم يذكر فِيهِ (عمر) . وَاخْتلف عَن أبي الْعَلَاء ، فَقيل : عَنهُ ، عَن حبيب بن أبي ثَابت . وَمن قَالَ ذَلِك عَنهُ فَهُوَ وهم . وَكَذَلِكَ يَقُول قيس بن الرّبيع وَعَطَاء بن مُسلم عَنهُ عَن خَالِد بن طهْمَان أبي (الْعَلَاء) الْخفاف الْكُوفِي ، عَن حبيب بن أبي ثَابت ، عَن أنس . ووهما فِي نسب (حبيب) ، وَإِنَّمَا رَوَاهُ أَبُو الْعَلَاء الْخفاف ، عَن أبي [ عميرَة ] حبيب الإسكاف الْكُوفِي ، عَن أنس وَقيل : عَن أبي الْعَلَاء ، عَن (حبيب) بن أبي ثَابت ، عَن أنس . قَالَه قيس بن الرّبيع وَعَطَاء بن مُسلم عَنهُ ، وَذَلِكَ وهم من قَائِله . هَذَا (نَص) مَا ذكره الدَّارَقُطْنِيّ وَذكره ابْن الْجَوْزِيّ فِي " علله " من طَرِيق التِّرْمِذِيّ السالفة ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث غير مَحْفُوظ ومرسل [4/400] أَيْضا ؛ لِأَن (عمَارَة) لم يدْرك أنس بن مَالك . ثمَّ رَوَاهُ من حَدِيث (بكر) بن أَحْمد ، عَن يَعْقُوب بن تَحِيَّة ، عَن يزِيد بن هَارُون ، عَن حميد ، عَن أنس مَرْفُوعا : " من صَلَّى أَرْبَعِينَ يَوْمًا فِي جمَاعَة صَلَاة الْفجْر وَصَلَاة الْعشَاء (كتبت) لَهُ بَرَاءَة من النَّار وَبَرَاءَة من النِّفَاق " ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث لَا يَصح ، وَلَا نعلم رَوَاهُ غير ( بكر) بن أَحْمد ، عَن يَعْقُوب بن تَحِيَّة ، وَكِلَاهُمَا مَجْهُول الْحَال . الطَّرِيق الثَّانِي : من حَدِيث عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه وَقد عرفت مَا فِيهِ (فِي) الطَّرِيق الَّذِي قبله . (رَوَاهُ) ابْن مَاجَه من هَذَا الْوَجْه بِلَفْظ : " من صَلَّى فِي مَسْجِد جمَاعَة أَرْبَعِينَ لَيْلَة لَا تفوته (الرَّكْعَة) الأولَى من صَلَاة الْعشَاء (كتب لَهُ) عتقا من النَّار " . (وَرَوَاهُ) سعيد بن مَنْصُور فِي "سنَنه" بِلَفْظ (الظّهْر) بدل "الْعشَاء" وَكَذَا رَوَاهُ الْحَازِمِي . (وَرَوَاهُ) الْخَطِيب فِي "تَلْخِيص الْمُتَشَابه" بِلَفْظ : " من شهد [4/401] الصَّلَاة (فِي) جمَاعَة أَرْبَعِينَ لَيْلَة وأيامها لَا يكبر الإِمَام إِلَّا وَهُوَ فِي الْمَسْجِد كتب الله (لَهُ) بِيَدِهِ بَرَاءَة من النَّار " . الطَّرِيق الثَّالِث : من حَدِيث أبي كَاهِل قَالَ : " قَالَ (لي) رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : يَا أَبَا كَاهِل ، إِنَّه من صَلَّى (لله) أَرْبَعِينَ يَوْمًا - أَو أَرْبَعِينَ لَيْلَة - فِي الْجَمَاعَة يدْرك التَّكْبِيرَة الأولَى كَانَ حقًّا عَلَى الله أَن يكْتب (لَهُ) بَرَاءَة من النَّار " وَذكر حَدِيثا طَويلا . (رَوَاهُ) الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر "معاجمه" ، والعقيلي فِي "تَارِيخ الضُّعَفَاء" ، وَالْحَاكِم أَبُو أَحْمد فِي " كناه " ثمَّ قَالَ : أَبُو كَاهِل هَذَا لَهُ صُحْبَة ، وَإِسْنَاده لَيْسَ بالمعتمد عَلَيْهِ وَقَالَ الْعقيلِيّ : إِسْنَاده مَجْهُول وَفِيه نظر وَلَا يعرف إِلَّا من هَذَا الْوَجْه . قلت : والفضائل يتَسَامَح فِي أحاديثها مَا لم ينْتَه إِلَى الْوَضع . قَالَ ابْن مهْدي - عَلَى مَا نَقله الْحَاكِم فِي أول كتاب الدُّعَاء فِي "مُسْتَدْركه" - : إِذا روينَا عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي الْحَلَال وَالْحرَام وَالْأَحْكَام شددنا فِي الْأَسَانِيد وانتقدنا الرِّجَال ، (وَإِذا) روينَا عَنهُ فِي فَضَائِل [4/402] الْأَعْمَال وَالثَّوَاب وَالْعِقَاب والمباحات والدعوات تساهلنا فِي الْأَسَانِيد . قَالَ الرَّافِعِيّ : (ووردت) أَخْبَار فِي إِدْرَاك التَّكْبِيرَة الأولَى مَعَ الإِمَام نَحْو هَذَا . قلت : مِنْهَا مَا رَوَاهُ الْعقيلِيّ فِي "ضُعَفَائِهِ" من حَدِيث أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا : " لكل شَيْء صفوة ، وصفوة الصَّلَاة التَّكْبِيرَة الأولَى " ثمَّ قَالَ الْعقيلِيّ : رَوَاهُ ابْن السكن عَن الْأَعْمَش وَلَا يُتَابع عَلَيْهِ وَلَا يعرف إِلَّا بِهِ وَهُوَ مُنكر الحَدِيث . قلت : وَضَعفه أَحْمد أَيْضا . وَرَوَاهُ ابْن أبي شيبَة فِي "مُصَنفه" من حَدِيث أبي الدَّرْدَاء مَرْفُوعا : " لكل شَيْء (أنف) ، و(إِن أنف) الصَّلَاة التَّكْبِيرَة الأولَى فحافظوا عَلَيْهَا " و(فِي) إِسْنَاده مَجْهُول . "وأنف كل شَيْء" بِسُكُون النُّون أَوله ، قَالَه الصغاني . وَمِنْهَا مَا رُوِيَ عَن السّلف من طرق حسان ، قَالَ إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ : " إِذا رَأَيْت الرجل يتهاون بالتكبيرة الأولَى فاغسل يَديك مِنْهُ " . وَقَالَ سعيد بن الْمسيب : " مَا فاتتني (التَّكْبِيرَة) الأولَى مُنْذُ خمسين سنة " . وَعَن ربيعَة بن يزِيد الدِّمَشْقِي : " مَا أذن الْمُؤَذّن لصَلَاة الظّهْر مُنْذُ أَرْبَعِينَ سنة إِلَّا وَأَنا فِي الْمَسْجِد ، إِلَّا أَن أكون مَرِيضا أَو مُسَافِرًا " . [4/403] وَقَالَ عبد الله بن مَسْعُود : " عَلَيْكُم بِحَدّ الصَّلَاة : التَّكْبِيرَة الأولَى " . وَعَن السّلف أَنهم كَانُوا يعزون أنفسهم إِذا فَاتَتْهُمْ التَّكْبِيرَة الأولَى ، ويعزون سبعا إِذا فَاتَتْهُمْ الْجَمَاعَة .
|