|
الحَدِيث الثَّانِي بعد الْعشْرين " أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - دخل فِي صلَاته وَأحرم (النَّاس) خَلفه ، ثمَّ ذكر أَنه جنب فَأَشَارَ إِلَيْهِم كَمَا أَنْتُم ، ثمَّ خرج واغتسل وَرجع (وَرَأسه) يقطر مَاء" . [4/437] هَذَا الحَدِيث مَرْوِيّ من طرق أقربها إِلَى رِوَايَة المُصَنّف رِوَايَة أنس (بن مَالك) رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : " دخل رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي صلاةٍ فَكبر وَكَبَّرْنَا مَعَه ، ثمَّ أَشَارَ إِلَى الْقَوْم كَمَا أَنْتُم ، فَلم نزل قيَاما حَتَّى أَتَى نَبِي الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قد اغْتسل وَرَأسه يقطر مَاء " . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي " سنَنه " من حَدِيث عبد الله بن معَاذ ، حَدثنَا أبي ، نَا سعيد بن أبي عرُوبَة ، عَن قَتَادَة ، عَن أنس بِهِ . ثمَّ قَالَ : خَالفه عبد الْوَهَّاب بن عَطاء الْخفاف فَرَوَاهُ عَن سعيد ، عَن قَتَادَة ، عَن بكر بن عبد الله الْمُزنِيّ " أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - دخل فِي صلَاته فَكبر وَكبر من خَلفه ، فَانْصَرف فَأَشَارَ إِلَى أَصْحَابه أَن كَمَا أَنْتُم ، فَلم يزَالُوا قيَاما حَتَّى جَاءَ وَرَأسه يقطر " قَالَ عبد الْوَهَّاب : وَبِه نَأْخُذ . ثَانِيهَا : عَن عبد الله بن زرير الغافقي ، عَن عَلّي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه " أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ قَائِما يُصَلِّي بهم ، إِذْ انْصَرف فَأَتَى وَرَأسه يقطر مَاء ، فَقَالَ : إِنِّي قُمْت بكم ثمَّ ذكرت أَنِّي كنت جنبا وَلم أَغْتَسِل ، فَانْصَرَفت وَاغْتَسَلت ، فَمن أَصَابَهُ (مِنْكُم) مثل مَا أصابني أَو وجد فِي بَطْنه رزًّا فلينصرف فليغتسل أَو ليتوضأ " . وَرَوَاهُ أَحْمد فِي "مُسْنده" بِنَحْوِهِ . قَالَ الْبَزَّار : وَهَذَا الحَدِيث (لَا يحفظ وَلَا) يرْوَى عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِلَّا من هَذَا الْوَجْه بِهَذَا الْإِسْنَاد . قلت : وَفِي إِسْنَاده عبد الله بن لَهِيعَة وحالته مَشْهُورَة وَقد عرفتها فِيمَا [4/438] مَضَى ، وَعبد الله ابْن زرير نسبه إِلَى الْجَهَالَة ابْن الْقطَّان ، لَكِن وَثَّقَهُ ابْن (سعد ) وَالْعجلِي ، كَمَا أسلفته لَك فِي بَاب الْأَوَانِي . ثَالِثهَا : عَن أبي بكرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه " أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - دخل فِي صَلَاة الْفجْر فَأَوْمأ بِيَدِهِ أَن مَكَانكُمْ ، ثمَّ جَاءَ وَرَأسه يقطر فَصَلى بهم " . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي "سنَنه" من حَدِيث حَمَّاد - وَهُوَ ابْن سَلمَة - عَن زِيَاد الأعلم ، عَن الْحسن ، عَن أبي بكرَة بِهِ ، ثمَّ رَوَاهُ من طَرِيق حَمَّاد أَيْضا وَقَالَ : بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ . قَالَ فِي أَوله : "فَكبر" وَقَالَ فِي آخِره : "فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاة قَالَ : إِنَّمَا أَنا بشر وَإِنِّي كنت جنبا" ثمَّ قَالَ : وَرَوَاهُ أَيُّوب وَابْن عون وَهِشَام ، عَن مُحَمَّد بن سِيرِين ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : (فَكبر ثمَّ أَوْمَأ إِلَى الْقَوْم أَن (اجلسوا) فَذهب واغتسل" . وَرَوَاهُ مَالك ، عَن إِسْمَاعِيل (بن) حَكِيم ، عَن عَطاء بن يسَار "أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كبر فِي صَلَاة" ثمَّ رَوَاهُ من طَرِيق آخر كَذَلِك ، وَكلهَا مُرْسلَة . قلت : وَلَفظ رِوَايَة أبي حَاتِم بن حبَان فِي "صَحِيحه" فِي الرِّوَايَة الأولَى الْمُتَّصِلَة " أَنه عَلَيْهِ السَّلَام كبر فِي صَلَاة الْفجْر يَوْمًا ثمَّ انْطلق فاغتسل فجَاء وَرَأسه يقطر فَصَلى بهم " . [4/439] وَصَححهُ أَيْضا الْبَيْهَقِيّ فِي " مَعْرفَته " ، وَقَالَ فِي " خلافياته " : رُوَاته ثِقَات لَكِن فِيهِ وَقْفَة مَعَ القَوْل فِي حَمَّاد بن سَلمَة ، فَإِنَّهُ قد قيل : إِنَّه لم يسمع الْحسن من أبي بكرَة كَمَا سلف التَّنْبِيه (عَلَيْهِ) فِي الحَدِيث الْخَامِس بعد الثَّلَاثِينَ من بَاب شُرُوط الصَّلَاة وبحثنا فِيهِ . وَقَالَ البرديجي فِي "كتاب الْمُتَّصِل والمرسل" : والمقطوع الَّذِي صَحَّ (عَن) الْحسن سَمَاعا من الصَّحَابَة أنس وَعبد الله بن مُغفل وَعبد الرَّحْمَن بن سَمُرَة و(أَحْمَر) بن جُزْء . قَالَ ابْن حبَان فِي "صَحِيحه" : وَقَول أبي بكرَة "فَصَلى بهم" أَرَادَ بَدَأَ بتكبير مُحدث ؛ (لَا) أَنه رَجَعَ فَبَنَى عَلَى صلَاته ؛ (إِذْ) محَال (أَن) يذهب عَلَيْهِ السَّلَام ليغتسل وَيبقى النَّاس كلهم قيَاما عَلَى حالتهم من غير إِمَام إِلَى أَن يرجع . الطَّرِيق الرَّابِع : عَن أبي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : " قَامَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - (إِلَى الصَّلَاة) وَكبر ، ثمَّ أَشَارَ إِلَيْهِم فَمَكَثُوا ، ثمَّ انْطلق فاغتسل وَكَانَ رَأسه يقطر مَاء فَصَلى بهم ، فَلَمَّا انْصَرف قَالَ : إِنِّي خرجت إِلَيْكُم جنبا وَإِنِّي أنسيت حَتَّى قُمْت فِي الصَّلَاة " . [4/440] رَوَاهُ ابْن مَاجَه من حَدِيث أُسَامَة بن زيد ، عَن عبد الله بن يزِيد مولَى الْأسود بن سُفْيَان ، عَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن ثَوْبَان ، عَن أبي هُرَيْرَة (بِهِ) . وَحَدِيث أبي هُرَيْرَة هَذَا ثَابت فِي الصَّحِيحَيْنِ عَلَى نمط آخر وَهَذَا إسنادهما عَنهُ " أَنه عَلَيْهِ السَّلَام حضر (وَقد) أُقِيمَت الصَّلَاة وَعدلت الصُّفُوف حَتَّى قَامَ فِي مُصَلَّاهُ قبل أَن يكبر (ذكر) فَانْصَرف وَقَالَ : مَكَانكُمْ . فَلم نزل قيَاما حَتَّى خرج إِلَيْنَا وَقد اغْتسل ينطف رَأسه مَاء فَكبر فَصَلى بِنَا " وحملت عَلَى (أَنَّهَا) (قَضِيَّة) أُخْرَى فِي يَوْم آخر . قَالَ ابْن حبَان فِي "صَحِيحه" : هَذَانِ فعلان فِي موضِعين (متباينين) . خرج عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام (مرّة) فَكبر ثمَّ ذكر أَنه جنب ، فَانْصَرف فاغتسل ، ثمَّ جَاءَ فاستأنف بهم الصَّلَاة ، وَجَاء مرّة أُخْرَى فَلَمَّا وقف ليكبر ذكر أَنه جنب قبل أَن يكبر ، فَذهب واغتسل ثمَّ رَجَعَ فَأَقَامَ بهم الصَّلَاة من غير أَن يكون بَين الْخَبَرَيْنِ تضَاد وَلَا (تهاتر) . تَنْبِيه : هَذَا الحَدِيث اسْتدلَّ بِهِ الرَّافِعِيّ رَحِمَهُ اللَّهُ عَلَى أَن الإِمَام إِذا [4/441] بَان كَونه جنبا (أَو) مُحدثا لَا إِعَادَة عَلَى الْمَأْمُوم ، سَوَاء علم الإِمَام بحدثه أم لَا . وَقد علمت (مِمَّا) أوردناه لَك أَنه عَلَيْهِ السَّلَام لم يكن عَالما [ بجنابته ] ، فالدعوى إِذا عَامَّة وَالدَّلِيل خَاص ، (ثمَّ إِن الِاسْتِدْلَال بِهِ اسْتِدْلَال عَلَى غير مَحل النزاع ، فَإِن الْمَسْأَلَة مُقَيّدَة بهَا إِذا أحرم مُنْفَردا ، فَأَما إِذا افتتحها فِي جمَاعَة فَإِنَّهُ يجوز بِلَا خلاف ) .
|