الحَدِيث الثَّامِن بعد الْعشْرين
رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : " صلوا خلف كل بر وَفَاجِر " .
[4/456] هَذَا الحَدِيث لَهُ طرق ضَعِيفَة أمثلها : رِوَايَة مَكْحُول عَن أبي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : " الْجِهَاد وَاجِب عَلَيْكُم مَعَ كل أَمِير برًّا كَانَ أَو (فَاجِرًا) ، وَالصَّلَاة (وَاجِبَة) عَلَيْكُم خلف كل مُسلم برًّا كَانَ أَو فَاجِرًا وَإِن عمل الْكَبَائِر " .
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي كتاب الْجِهَاد من "سنَنه" فِي بَاب الْغَزْو مَعَ أَئِمَّة الْجور من حَدِيث مُعَاوِيَة بن صَالح ، عَن الْعَلَاء بن الْحَارِث ، عَن مَكْحُول بِهِ .
وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من هَذَا الْوَجْه مُخْتَصرا بِلَفْظ : " صلوا خلف (كل) بر وَفَاجِر ، وَجَاهدُوا مَعَ كل بر وَفَاجِر " ثمَّ قَالَ : (مَكْحُول) لم يسمع من أبي هُرَيْرَة ، وَمن دونه ثِقَات . وَكَذَا قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي " الْمعرفَة " : إِسْنَاده صَحِيح إِلَّا أَن (فِيهِ) إرْسَالًا بَين مَكْحُول وَأبي هُرَيْرَة . وَقَالَ فِي " سنَنه " فِي الْجَنَائِز : إِنَّه أصح مَا فِي الْبَاب إِلَّا أَن فِيهِ إرْسَالًا . ( وأعلّه) ابْن الْجَوْزِيّ فِي " تَحْقِيقه " " وَعلله " بِمُعَاوِيَة بن صَالح ، وَنقل (عَن) أبي حَاتِم الرَّازِيّ أَنه لَا يحْتَج بِهِ ،
[4/457] وَمُعَاوِيَة هَذَا من رجال مُسلم وَهُوَ صَدُوق وَإِن لينه ( يَحْيَى الْقطَّان ) أَيْضا
، وأعلَّه بمكحول أَيْضا فَقَالَ : (رَوَى) مُحَمَّد بن سعد أَن جمَاعَة من الْعلمَاء ضعفوا رِوَايَة مَكْحُول . وَقد ذكرنَا فِي كتاب الصَّلَاة أَن جمَاعَة وثقوه ، وَأَنه من رجال مُسلم ، وَقد رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من طَرِيقين آخَرين إِلَى أبي هُرَيْرَة .
أَولهمَا : من حَدِيث بَقِيَّة ، عَن الْأَشْعَث ، عَن يزِيد بن يزِيد بن جَابر ، عَن مَكْحُول ، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا بِلَفْظ أبي دَاوُد السالف إِلَّا أَنه قَالَ : وَزَاد (فِيهِ) : "وَإِن عمل الْكَبَائِر فِي الْجِهَاد" وَبَقِيَّة حَاله مَعْرُوفَة سلفت ، وَأَشْعَث هَذَا نسبه ابْن الْقطَّان إِلَى الْجَهَالَة فَقَالَ : بَقِيَّة مَعْرُوف الْحَال وَهُوَ أروى النَّاس عَن المجهولين ، وَأَشْعَث هَذَا مُتَّهم .
وَأما ابْن الْجَوْزِيّ فَقَالَ فِي " تَحْقِيقه " : الْأَشْعَث مَجْرُوح ، وَبَقِيَّة لَا (يعول) عَلَى رواياته .
قلت : وَأَشْعَث الْمَجْرُوح (الَّذِي أَشَارَ) إِلَيْهِ هُوَ ابْن سوار الْكُوفِي وَلَيْسَ هَذَا ، فَالصَّوَاب مَعَ ابْن الْقطَّان
.
[4/458] ثَانِيهَا : من حَدِيث عبد الله بن مُحَمَّد بن يَحْيَى بن (عُرْوَة) ، عَن هِشَام بن عُرْوَة ، عَن أبي صَالح (السمان) ، عَن أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : " سيليكم بعدِي وُلَاة ، فيليكم الْبر ببره والفاجر (بِفُجُورِهِ) ، فَاسْمَعُوا لَهُم وَأَطيعُوا فِيمَا وَافق الْحق ، وصلوا وَرَاءَهُمْ ، فَإِن أَحْسنُوا فلكم وَلَهُم ، وَإِن أساءوا فلكم وَعَلَيْهِم " وَعبد الله هَذَا واه ، قَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ : مَتْرُوك الحَدِيث . وَقَالَ ابْن حبَان : لَا يحل كتب حَدِيثه ، يروي الموضوعات عَن الْأَثْبَات ، وَيَأْتِي عَن هِشَام بِمَا لم يروه قطّ .
الطَّرِيق الثَّانِي : من أصل طرق الحَدِيث عَن عَلّي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه رَفعه : " من أصل الدَّين الصَّلَاة خلف كل بر وَفَاجِر (و) الْجِهَاد مَعَ كل أَمِير وَلَك أجره ، وَالصَّلَاة عَلَى من مَاتَ من أهل الْقبْلَة " رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث فرات بن (سُلَيْمَان) ، عَن مُحَمَّد بن علوان ، (عَن [4/459] الْحَارِث) ، عَن عَلّي (بِهِ) . وَقَالَ فِيهِ : وَفِي (طرق) حَدِيث ابْن عمر الْآتِيَة لَيْسَ فِيهَا شَيْء يثبت .
قلت : وفرات هَذَا (أعله) ابْن الْجَوْزِيّ فِي " تَحْقِيقه " (بِهِ) وَنقل عَن ابْن حبَان أَنه قَالَ فِي حَقه : مُنكر الحَدِيث جدًّا (يَأْتِي) بِمَا لَا يشك فِيهِ أَنه مَعْمُول . لكنه لم يذكرهُ فِي "ضُعَفَائِهِ" ، وَذكر كَلَام ابْن حبَان هَذَا (فِي) فرات بن سليم وَقَالَ : إِنَّه (يروي) عَن (عَمْرو) بن عَاتِكَة ، وَتَابعه الذَّهَبِيّ فِي "الْمُغنِي" ، وراجعت الضُّعَفَاء لِابْنِ حبَان فَوَجَدته كَمَا ذكره فِي "ضُعَفَائِهِ" لَا كَمَا ذكره فِي "تَحْقِيقه" ، وَفِي كتاب الصريفيني - وَمن خطه نقلت - : فرات بن (سُلَيْمَان) مولَى ابْن عقيل من أهل الرقة ، رَوَى عَن مَيْمُون بن مهْرَان . ثمَّ نقل عَن (خطّ) ابْن حبَان أَنه قَالَ : لَيْسَ هَذَا بفرات بن السَّائِب الْجَزرِي ، ذَاك [4/460] واه ضَعِيف . وَمُحَمّد بن علوان قَالَ الْأَزْدِيّ : يروي عَن نَافِع ، مَتْرُوك الحَدِيث . والْحَارث هُوَ الْأَعْوَر ، كذبه ابْن الْمَدِينِيّ وَمِنْهُم من وَثَّقَهُ .
الطَّرِيق الثَّالِث : عَن عبد الله بن مَسْعُود (رَفعه : " ثَلَاث من السّنة) : الصَّلَاة خلف كل إِمَام ، لَك صلَاته (وَعَلِيهِ) إثمه ، و(الْجِهَاد مَعَ كل أَمِير لَك) جهادك وَعَلِيهِ شَره ، وَالصَّلَاة عَلَى كل ميت من (أهل التَّوْحِيد وَإِن كَانَ قَاتل) نَفسه " رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا من حَدِيث عمر بن صبح (عَن مَنْصُور ، عَن إِبْرَاهِيم ، عَن عَلْقَمَة و) الْأسود ، عَن عبد الله بِهِ . وَعمر هَذَا كَذَّاب (اعْترف بِالْوَضْعِ ، قَالَ عَن نَفسه) أَنا وضعت خطْبَة النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَآله - (قَالَ الْأَزْدِيّ : كَذَّاب (ذامر)) .
الطَّرِيق الرَّابِع : عَن ابْن عمر ، وَسَيَأْتِي فِي الحَدِيث الْآتِي بعده بِطرقِهِ مُعَللا .
الطَّرِيق الْخَامِس : عَن وَاثِلَة رَفعه : " لَا تكفرُوا أهل قبلتكم وَإِن عمِلُوا الْكَبَائِر ، وصلوا مَعَ كل إِمَام ، وَجَاهدُوا مَعَ كل أَمِير ، وصلوا عَلَى كل ميت " .
[4/461] رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا من رِوَايَة الْحَارِث بن نَبهَان ، عَن عتبَة بن يقظان ، عَن أبي سعيد ، عَن مَكْحُول ، عَن وَاثِلَة بِهِ .
وَهَذَا إِسْنَاد ضَعِيف ، ( الْحَارِث هَذَا ضَعَّفُوهُ ) قَالَ النَّسَائِيّ : مَتْرُوك . وَعتبَة بن يقظان قَالَ عَلّي بن الْجُنَيْد : لَا يُسَاوِي شَيْئا . وَأَبُو سعيد هَذَا قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي حَقه : إِنَّه مَجْهُول . وَمَكْحُول قد سلف مَا فِيهِ ، لَا جرم قَالَ الْحَاكِم أَبُو أَحْمد فِي ( كناه ) : هَذَا حَدِيث مُنكر . قَالَ : والْحَارث بن نَبهَان وَعتبَة بن يقظان وَأَبُو سعيد إِذا اجْتَمعُوا (فَغير) مستنكر (مثل) هَذَا فِيمَا بَينهم ، وَالله يرحمهم جَمِيعًا .
الطَّرِيق السَّادِس : عَن أبي الدَّرْدَاء رَفعه : " لَا تكفرُوا أحدا من (أهل) قِبْلَتِي بذنب وَإِن عمِلُوا الْكَبَائِر ، وصلوا خلف كل إِمَام ، وَجَاهدُوا - (أَو) قَالَ : وقاتلوا - مَعَ كل أَمِير ، وَلَا تَقولُوا فِي أبي بكر الصّديق وَلَا فِي عمر وَلَا فِي عُثْمَان وَلَا فِي عَلّي إِلَّا خيرا ، قُولُوا : ( تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ ) .
رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا من رِوَايَة عباد بن الْوَلِيد (عَن الْوَلِيد) [ بن الْفضل ، أَخْبرنِي عبد الْجَبَّار ] بن الْحجَّاج الْخُرَاسَانِي ، عَن مكرم [4/462] ابن حَكِيم (الْخَثْعَمِي) ، عَن سيف بن مُنِير ، عَن أبي الدَّرْدَاء بِهِ . ثمَّ قَالَ : لَا يثبت إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث ، (مَا) بَين عباد وَأبي الدَّرْدَاء ضعفاء . وَرَوَاهُ الْعقيلِيّ (أَيْضا) من حَدِيث إِسْحَاق بن وهب العلاف ، عَن الْوَلِيد بن الْفضل الْعَنزي ، عَن عبد الْجَبَّار بن الْحجَّاج بن مَيْمُون ، عَن مكرم بِهِ بِلَفْظ : " صلوا خلف كل إِمَام ، وقاتلوا مَعَ كل أَمِير " ثمَّ قَالَ : إِسْنَاده مَجْهُول غير مَحْفُوظ . وَقَالَ الْأَزْدِيّ : سيف لَا يكْتب حَدِيثه ، ومكرم لَيْسَ حَدِيثه بِشَيْء .
وَقَالَ ابْن حبَان : الْوَلِيد بن الْفضل الْعَنزي يروي الْمَنَاكِير الَّتِي لَا شكّ أَنَّهَا مَوْضُوعَة .
وَقَالَ ( أَبُو حَاتِم ) : مَجْهُول
.
قلت : ( وَبِالْجُمْلَةِ فَهَذَا الحَدِيث) من كل طرقه ضَعِيف كَمَا قَدمته أَولا .
قَالَ الْبَيْهَقِيّ : قد رُوِيَ (فِي) "الصَّلَاة عَلَى كل بر وَفَاجِر ،
[4/463] وَالصَّلَاة عَلَى من قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله" (أَحَادِيث) كلهَا ضَعِيفَة غَايَة الضعْف . وَأَصَح مَا رُوِيَ فِي الْبَاب حَدِيث مَكْحُول ، عَن أبي هُرَيْرَة ، وَقد أخرجه أَبُو دَاوُد فِي "سنَنه" إِلَّا أَن فِيهِ إرْسَالًا (كَمَا) ذكره الدَّارَقُطْنِيّ .
وَقَالَ الْعقيلِيّ : لَيْسَ فِي هَذَا الْمَتْن إِسْنَاد يثبت .
وَذكره ابْن الْجَوْزِيّ فِي " تَحْقِيقه " و" علله " وأوضح ضعفه وَقَالَ فِي "علله" : كلهَا لَا تصح . وَنقل (فيهمَا) عَن الإِمَام أَحْمد أَنه سُئِلَ عَن هَذَا الحَدِيث : " صلوا خلف كل بر وَفَاجِر " فَقَالَ : مَا سمعنَا بِهَذَا
.