الحَدِيث الثَّانِي
عَن ابْن عَبَّاس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - : " أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - خرج إِلَى المصلَّى مُبْتَذِلا ، فَصَلى رَكْعَتَيْنِ كَمَا يُصَلِّي العَبْد " .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ أَحْمد فِي "الْمسند" ، وَأَصْحَاب "السّنَن الْأَرْبَعَة" ، وَأَبُو عوَانَة وَابْن حبَان فِي "صَحِيحَيْهِمَا" ، وَالْحَاكِم فِي "مُسْتَدْركه" ، وَالدَّارَقُطْنِيّ (وَالْبَيْهَقِيّ) فِي "سُنَنهمَا" بأسانيد صَحِيحَة ، قَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح . وَقَالَ [5/144] الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث رُوَاته مصريون ومدنيون ، وَلَا أعلم أحدا مِنْهُم مَنْسُوبا إِلَى نوع من الْجرْح ، وَلم يخرجَاهُ .
وَلَفظ أَحْمد : عَن هِشَام (بن إِسْحَاق) بن عبد الله بن كنَانَة ، عَن أَبِيه ، عَن ابْن عَبَّاس : " أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - خرج متخشعًا متضرعًا متواضعًا مبتذلا ، فَصَلى بِالنَّاسِ رَكْعَتَيْنِ كَمَا صَلَّى فِي الْعِيد ، لم يخْطب (كخطبتكم) هَذِه" .
وَلَفظ أبي دَاوُد : عَن هِشَام أَنا أبي ، قَالَ : ( أَرْسلنِي الْوَلِيد بن عتبَة - وَكَانَ أَمِير الْمَدِينَة - إِلَى ابْن عَبَّاس أسأله عَن صَلَاة رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي الاسْتِسْقَاء (قَالَ : خرج رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم ) مبتذلاً متواضعًا متضرعًا ، حَتَّى أَتَى (الْمُصَلى) ، فرقى عَلَى الْمِنْبَر وَلم يخْطب خطبتكم هَذِه ، وَلَكِن لم يزل فِي الدُّعَاء والتضرع و(التَّكْبِير) ثمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَمَا يُصَلِّي فِي الْعِيد " . وَلَفظ التِّرْمِذِيّ مثله إِلَّا أَنه زَاد فِي إِحْدَى روايتيه : "متخشعًا" .
وَلَفظ النَّسَائِيّ : " خرج متواضعًا مبتذلاً ، [ لم يخْطب ] نَحْو خطبتكم هَذِه ، فَصَلى رَكْعَتَيْنِ" . وَفِي لفظ لَهُ : "متواضعًا ، متذللاً متخشعًا متضرعًا فَصَلى رَكْعَتَيْنِ كَمَا يُصَلِّي فِي الْعِيدَيْنِ ، وَلم يخْطب خطبتكم " .
وَلَفظ الْحَاكِم : " متخشعًا متذللاً مبتذلاً فَصنعَ فِيهِ كَمَا صنع فِي الفِطْر [5/145] والأضحى " وَفِي لفظ لَهُ كَلَفْظِ النَّسَائِيّ الثَّانِي ، وَزَاد فِيهِ : "مترسلاً" .
وَلَفظ ابْن حبَان : " خرج متبذلاً (متمسكنًا) متضرعًا متواضعًا ، لم يخْطب خطبتكم هَذِه ، فَصَلى رَكْعَتَيْنِ كَمَا يُصَلِّي فِي الْعِيد " . رَوَاهُ من حَدِيث [ هِشَام بن ] عبد الله بن كنَانَة ، عَن أَبِيه ، عَن ابْن عَبَّاس . وَلَفظ ابْن مَاجَه كَلَفْظِ رِوَايَة النَّسَائِيّ الثَّانِيَة .
وَلَفظ أبي عوَانَة : " خرج متخشعًا مبتذلاً يصنع فِيهِ كَمَا يصنع فِي الفطْر والأضحى " . رَوَاهُ عَن إِسْمَاعِيل بن ربيعَة بن هِشَام بن إِسْحَاق أَنه سمع جدَّه هِشَام بن إِسْحَاق يحدِّث عَن أَبِيه إِسْحَاق " أَن الْوَلِيد بن عتبَة أرْسلهُ إِلَى ابْن عَبَّاس فَقَالَ : يَا ابْن أخي ، سَله كَيفَ صنع رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي الاسْتِسْقَاء يَوْم استسقى بِالنَّاسِ ؟ قَالَ إِسْحَاق : فدعى ابْن عَبَّاس فَقَالَ : يَا ابْن عَبَّاس ، كَيفَ صنع رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي الاسْتِسْقَاء يَوْم استسقى بِالنَّاسِ ؟ قَالَ : نعم خرج ..." فَذكره .
وَلَفظ الدَّارَقُطْنِيّ كَرِوَايَة الْحَاكِم الأولَى ، وَفِي لفظ لَهُ كَرِوَايَة [5/146] النَّسَائِيّ الثَّانِيَة ، وَفِي رِوَايَة لَهُ عَن مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز ، عَن أَبِيه ، عَن طَلْحَة قَالَ : " أَرْسلنِي مَرْوَان إِلَى ابْن عَبَّاس أسأله عَن سنة الاسْتِسْقَاء ، فَقَالَ : سنة الاسْتِسْقَاء سنة الصَّلَاة فِي الْعِيدَيْنِ ، إِلَّا أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قلب رِدَاءَهُ فَجعل يَمِينه عَلَى يسَاره ويساره عَلَى يَمِينه ، وَصَلى رَكْعَتَيْنِ ، كبر فِي الأولَى سبع تَكْبِيرَات وقرأ ( سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ) وَقَرَأَ فِي الثَّانِيَة : ( هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ ) وَكبر فِيهَا خمس تَكْبِيرَات " . وأعل عبد الْحق هَذِه الرِّوَايَة بِأَن قَالَ : مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز بن عمر بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف ضَعِيف الحَدِيث . قَالَ أَبُو حَاتِم : هم ثَلَاثَة إخْوَة ضعفاء ، لَيْسَ لَهُم حَدِيث مُسْتَقِيم : مُحَمَّد وَعبد الله وَعمْرَان بَنو عبد الْعَزِيز ، (وبمشورة مُحَمَّد (هَذَا) جُلِد مَالك فِيمَا قَالَ البُخَارِيّ) . قَالَ ابْن الْقطَّان : وَعبد الْعَزِيز هَذَا مَجْهُول الْحَال ، يعل بِهِ الْخَبَر .
قلت : وَأما الْحَاكِم فَإِنَّهُ أخرج هَذِه الرِّوَايَة فِي "مُسْتَدْركه" ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد . لكنه قَالَ : فِي إِسْنَاده مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز بن عبد الْملك عَن أَبِيه . وَكَأَنَّهُ وهم ، وَالْمَعْرُوف عبد الْعَزِيز بن عبد الرَّحْمَن ، وَلم يُنَبه الذَّهَبِيّ فِي "اختصاره للمستدرك" عَلَى هَذَا ، بل قَالَ : فِيهِ عبد الْعَزِيز بن عبد الْملك وَقد ضُعِّف . وَلَيْسَ بجيد مِنْهُ ، وَكَانَ يَنْبَغِي أَن يعْتَرض عَلَيْهِ من الْوَجْه الَّذِي ذكرته ، فَتنبه لذَلِك . وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ : مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز هَذَا غير قوي ، وَهُوَ بِمَا قبله من الشواهد يقوى .
[5/147] بَقِي أَمر آخر مُهِمّ وَهُوَ أَن عبد الرَّحْمَن بن أبي حَاتِم ذكر فِي (كِتَابه) أَن إِسْحَاق بن عبد الله بن كنَانَة عَن ابْن عَبَّاس مُرْسل . وَكَذَا فِي "التَّهْذِيب" للمزي أَنه أرسل عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ، وَكَذَا (عَن) ابْن عَبَّاس أَيْضا ؛ فَإِنَّهُ لم يُدْرِكهُ . وَهَذَا غَرِيب ، فالروايات الَّتِي أوردناها صَرِيحَة فِي (مشافهته) لَهُ عوضا عَن إِدْرَاكه ، وَقد أسلفنا رِوَايَة أبي دَاوُد فِي ذَلِك . وَلَفظ النَّسَائِيّ : "أَرْسلنِي فلَان إِلَى ابْن عَبَّاس أسأله عَن صَلَاة رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي الاسْتِسْقَاء ، فَقَالَ : خرج ..." الحَدِيث . وَفِي رِوَايَة لَهُ : "أَرْسلنِي أَمِير من الْأُمَرَاء إِلَى ابْن عَبَّاس أسأله عَن الاسْتِسْقَاء ، فَقَالَ ابْن عَبَّاس : مَا مَنعه أَن يسألني ؟ ! خرج رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - متواضعًا ..." الحَدِيث كَمَا سلف . وَلَفظ الْحَاكِم "أَن الْوَلِيد أرسل إِسْحَاق بن عبد الله إِلَى ابْن عَبَّاس فَقَالَ : يَا ابْن أخي ، كَيفَ صنع رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي الاسْتِسْقَاء يَوْم استسقى بِالنَّاسِ ؟ فَقَالَ : خرج ..." الحَدِيث . (وَلَفظ ابْن حبَان : عَن [ هِشَام بن ] عبد الله بن كنَانَة ، عَن أَبِيه قَالَ : "أَرْسلنِي أَمِير من الْأُمَرَاء إِلَى ابْن عَبَّاس أسأله عَن صَلَاة الاسْتِسْقَاء ، فَقَالَ : خرج ..." الحَدِيث) . فَهَذِهِ الرِّوَايَات صَرِيحَة فِي مشافهته لَهُ ، فاستفد ذَلِك . [5/148] وَاعْترض ابْن الْقطَّان عَلَى عبد الْحق حَيْثُ ذكر الحَدِيث من طَرِيق عبد الله بن كنَانَة عَن الْوَلِيد ، وَقَالَ : إِنَّه خطأ فَاحش ؛ فعبد الله لَا مدْخل لَهُ فِي الْإِسْنَاد ، وَإِنَّمَا صَاحب الْقِصَّة ابْنه إِسْحَاق ، وَعبد الله لَيْسَ من رُوَاة الْأَخْبَار ، وَلَا مِمَّن يعرف لَهُ حَال . وَلَيْسَ كَمَا ذكر ، فقد رَوَى عَن ابْن عَبَّاس ، وَعنهُ ابْنه هِشَام ، وَذكره ابْن حبَان فِي "ثقاته" ، وَأخرج الحَدِيث فِي "صَحِيحه" من جِهَته كَمَا أسلفناه .
تَنْبِيه : وَقع فِي رِوَايَة أبي دَاوُد : "فرقى عَلَى الْمِنْبَر" وَالْمَعْرُوف كَمَا قَالَ الْمُنْذِرِيّ فِيهِ : "فَرَقي عَلَى الْمِنْبَر" . بِكَسْر الْقَاف ، وَرَوَاهُ بَعضهم بِفَتْحِهَا ، وَقيل : إِن فتحهَا مَعَ الْهمزَة لُغَة طَيئ ، وَالْمَشْهُور الأول
.