|
الحَدِيث الْعشْرُونَ " أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كفن فِي ثَلَاثَة أَثوَاب سحُولِيَّة من كُرْسُف بيض ، لَيْسَ فِيهَا قَمِيص وَلَا عِمَامَة " . [5/211] هَذَا الحَدِيث مُتَّفق عَلَى صِحَّته ، أخرجه الشَّيْخَانِ من حَدِيث عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور ، زَاد مُسلم : " أما الْحلَّة فَإِنَّمَا يشْتَبه عَلَى النَّاس فِيهَا ، إِنَّمَا اشْتريت لَهُ ليكفن فِيهَا ، فَتركت وكفن فِي ثَلَاثَة أَثوَاب بيض سحُولِيَّة ، فَأَخذهَا عبد الله بن أبي بكر فَقَالَ : لأحبسنها حَتَّى أكفن فِيهَا نَفسِي ثمَّ قَالَ : وَالله لَو رضيها الله - عَزَّ وَجَلَّ - لنَبيه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - لكفنه فِيهَا فَبَاعَهَا وَتصدق بِثمنِهَا " . وَفِي رِوَايَة لَهُ : " أدرج رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي حلَّة يَمَانِية كَانَت لعبد الله بن أبي بكر ، ثمَّ نزعت عَنهُ وكفن فِي ثَلَاثَة أَثوَاب سحُولِيَّة يَمَانِية لَيْسَ فِيهَا عِمَامَة وَلَا قَمِيص " . قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي "علله" : وَفِي رِوَايَة لَيست بمحفوظة فِي هَذَا الحَدِيث : " وَنصب عَلَيْهِ اللَّبن " . وَاعْلَم أَنه ورد فِي كفن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - رِوَايَات مُخْتَلفَة وَهَذِه أَصَحهَا : فَمِنْهَا : عَن عَائِشَة : " كفن عَلَيْهِ السَّلَام فِي ثَلَاثَة أَثوَاب ، أَحدهَا برد أَحْمَر " . وَهُوَ مُخَالف لما فِي "الصَّحِيح" كَمَا سقناه آنِفا ، مَعَ أَن فِي سَنَده عبد الله بن بشر (بن نَبهَان) الرقي ، وَقد اخْتلف فِي الِاحْتِجَاج بِهِ ، قَالَ الدَّارمِيّ : لَيْسَ بِذَاكَ . وَوَثَّقَهُ ابْن معِين ، وَذكره ابْن حبَان فِي "الضُّعَفَاء" و"الثِّقَات" ، وَقَالَ ابْن عدي : أَحَادِيثه عِنْدِي مُسْتَقِيمَة . وَقَالَ أَبُو زرْعَة : لَا بَأْس بِهِ . [5/212] وَمِنْهَا : عَن أبي هُرَيْرَة : " أَنه عَلَيْهِ السَّلَام لما كفن (زر) عَلَيْهِ (قَمِيصه) " . وَهُوَ حَدِيث مُنكر ؛ رَوَاهُ أَحْمد بن عبيد بن نَاصح ، عَن الْأَصْمَعِي ، عَن مُحَمَّد بن عون عَنهُ بِهِ ، وَأحمد هَذَا لَيْسَ بِحجَّة ، والأصمعي فِيهِ مقَال ، قَالَ (أَبُو) دَاوُد : صَدُوق . وَقَالَ ابْن معِين : لم يكن مِمَّن يكذب . وَقَالَ الْأَزْدِيّ : ضَعِيف . وسَاق لَهُ هَذَا الحَدِيث . وَمِنْهَا : عَن ابْن عَبَّاس : " أَنه عَلَيْهِ السَّلَام كفن فِي قطيفة حَمْرَاء " . وَهُوَ بَاطِل ، رَوَاهُ ابْن عدي ، وَكَأن الرَّاوِي تصحف عَلَيْهِ "دُفن" بـ "كُفِّن" ، وَفِي سَنَده مُحَمَّد بن مُصعب القرقساني ، وَهُوَ مُخْتَلف فِي ضعفه ، وقبِلَهُ الإِمَام أَحْمد . وَمِنْهَا : عَن (أبي) إِسْحَاق قَالَ : "(سَأَلت) آل مُحَمَّد وَفِيهِمْ ابْن نَوْفَل : فِي أَي شَيْء كفن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ؟ فَقَالُوا : فِي حلَّة حَمْرَاء ، لَيْسَ فِيهَا قَمِيص ، وَجعل تَحت لحده سحق قطيفة كَانَت لَهُم " . رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي "أكبر معاجمه" عَن مُحَمَّد بن عبد الله (الْحَضْرَمِيّ) ، [5/213] نَا أَبُو كريب ، نَا يَحْيَى بن آدم ، عَن زُهَيْر بن مُعَاوِيَة ، عَن أبي إِسْحَاق بِهِ ، وَهَذَا إِسْنَاد جيد . وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ أَيْضا من حَدِيث عبيد الله بن مُوسَى ، ثَنَا إِسْرَائِيل ، عَن أبي إِسْحَاق قَالَ : " أتيت (حَلقَة) بني عبد الْمطلب فَسَأَلت أَشْيَاخهم : فِي كم كفن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ؟ قَالُوا : فِي ثَوْبَيْنِ أحمرين ، لَيْسَ فيهمَا قَمِيص " . وَهَذَا الْإِسْنَاد جيد أَيْضا ، لَكِن عبيد الله بن مُوسَى الْعَبْسِي كرهه بعض الْحفاظ لفرْط تشيعه ، وَإِسْرَائِيل وَثَّقَهُ أَحْمد وَالنَّاس ، لَكِن ضعفه ابْن الْمَدِينِيّ ، وَقَالَ يَعْقُوب بن شيبَة : فِي حَدِيثه لين . وَمِنْهَا : عَن ابْن عَبَّاس قَالَ : " كفن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي ثَلَاثَة أَثوَاب نجرانية : الْحلَّة ، وقميصه الَّذِي مَاتَ فِيهِ " . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه كَذَلِك ، وَرَوَاهُ أَحْمد بِلَفْظ : " كفن فِي ثَلَاثَة أَثوَاب : فِي قَمِيصه الَّذِي مَاتَ فِيهِ ، وحلة نجرانية . الْحلَّة ثَوْبَان" . وَهُوَ حَدِيث ضَعِيف ؛ لأجل يزِيد بن (أبي) زِيَاد الْمَذْكُور فِي إِسْنَاده فَإِنَّهُ تفرد بِهِ ، وَلَا يحْتَج بِهِ لضَعْفه ، لَا سِيمَا وَقد خَالف رِوَايَة الثِّقَات فِيهَا وَحَدِيث عَائِشَة الَّتِي نفت [5/214] الْقَمِيص عَنهُ ، وَلَو صَحَّ فتأويله مَا سلف عَن عَائِشَة أَنَّهَا (اشترت) الْحلَّة (لَهُ) فَلم يُكفن فِيهَا ، قَالَ ابْن أبي صفرَة : قَول عَائِشَة : "لَيْسَ فِيهَا قَمِيص وَلَا عِمَامَة" يدل عَلَى أَن الْقَمِيص الَّذِي غسل فِيهِ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نزع عَنهُ حِين كفن ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا قيل : "لَا تنزعوا الْقَمِيص" - أَي : فِي حَدِيث بُرَيْدَة السالف فِي الحَدِيث الْعَاشِر - (ليستره) وَلَا يكْشف جسده ، فَلَمَّا ستر بالكفن استغني عَن الْقَمِيص ، وَلَو لم ينْزع الْقَمِيص حِين كفن لخرج عَن حد الْوتر الَّذِي أَمر بِهِ عَلَيْهِ السَّلَام ، إشعارًا للتوحيد ، وَكَانَت تكون أَرْبَعَة بِالثَّوْبِ المبلول ، ويستبشع أَن يُكفن عَلَى قَمِيص مبلول . وَهُوَ كَمَا قَالَ ، وَلِأَن فِيهِ إفسادًا للأكفان . وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي "خلافياته" : هَذَا الحَدِيث لَا يَصح لأمور : مِنْهَا : ضعف يزِيد . وَمِنْهَا : أَن عَائِشَة أعلم بذلك . وَمِنْهَا : أَنَّهَا قد أخْبرت عَن سَبَب اشْتِبَاه ذَلِك - كَمَا تقدم - قَالَ الْحَاكِم : وَكَيف يجوز أَن يَصح مثل هَذَا الحَدِيث وَقد تَوَاتَرَتْ الْأَخْبَار عَن عليٍّ وَابْن عَبَّاس وَابْن عمر وَجَابِر وَعبد الله بن مُغفل وَعَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم فِي تكفين النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي ثَلَاثَة أَثوَاب بيض لَيْسَ فِيهَا قَمِيص وَلَا عِمَامَة . وَمِنْهَا : عَن ابْن عَبَّاس : " أَنه عَلَيْهِ السَّلَام كفن فِي ثَوْبَيْنِ أبيضين ، وَفِي برد أَحْمَر " . رَوَاهُ أَحْمد عَن الْحجَّاج ، حَدثنِي الحكم ، عَن مقسم ، عَن ابْن عَبَّاس بِهِ ، وَالْحجاج هُوَ ابْن أَرْطَاة ، وَقد سلف حَاله ، وَالْحكم لم يسمع من مقسم إِلَّا أَرْبَعَة أَحَادِيث . [5/215] وَمِنْهَا : عَن الْفضل بن عَبَّاس : " أَنه عَلَيْهِ السَّلَام كفن فِي ثَوْبَيْنِ سَحُولِيَّيْنِ " . رَوَاهُ ابْن حبَان فِي "صَحِيحه" من حَدِيث يَعْقُوب بن عَطاء ، عَن أَبِيه ، عَن ابْن عَبَّاس ، (عَن الْفضل بن عَبَّاس) وَيَعْقُوب هَذَا ضَعَّفُوهُ . وَمِنْهَا : عَن أبي هُرَيْرَة : " أَنه عَلَيْهِ السَّلَام كفن فِي ثوب نجراني و(ريطتين) " . رَوَاهُ ابْن حبَان فِي "صَحِيحه " . وَمِنْهَا : عَن عليٍّ : "أَنه عَلَيْهِ السَّلَام كفن فِي سَبْعَة أَثوَاب " . رَوَاهُ الْبَزَّار من حَدِيث حَمَّاد بن سَلمَة ، عَن ابْن عقيل ، عَن مُحَمَّد ابْن الْحَنَفِيَّة ، عَن عليٍّ بِهِ ، ثمَّ قَالَ : لَا نعلم أحدا تَابع ابْن عقيل عَلَى رِوَايَته هَذِه ، وَلَا (نعلم أحدا) رَوَاهُ عَن ابْن عقيل بِهَذَا الْإِسْنَاد إِلَّا حَمَّاد ، وَأعله ابْن طَاهِر فِي "تَذكرته" بِابْن عقيل ، وَهُوَ حَدِيث مُنكر ، وَإِن أخرجه أَحْمد فِي "مُسْنده" وَلما أخرجه التِّرْمِذِيّ من حَدِيث عَائِشَة وَصَححهُ ، قَالَ : قد رُوِيَ فِي كفن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - رِوَايَات مُخْتَلفَة ، وَحَدِيث عَائِشَة أصح الْأَحَادِيث الَّتِي رويت فِي كَفنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
|