الحَدِيث الثَّالِث بعد الْعشْرين
" أَن أم عَطِيَّة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها لما غسلت أم كُلْثُوم بنت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - جَالِسا عَلَى الْبَاب ؛ فناولها إزارًا وَدِرْعًا وخمارًا وثوبين " .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي "سنَنه" عَن أَحْمد بن حَنْبَل ، وَهُوَ فِي "مُسْنده" عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم قَالَ : حَدثنِي أبي ، عَن ابْن إِسْحَاق قَالَ : حَدثنِي نوح بن حَكِيم الثَّقَفِيّ ، وَكَانَ قَارِئًا لِلْقُرْآنِ [5/219] عَن رجل من بني عُرْوَة بن مَسْعُود (يُقَال) لَهُ : دَاوُد - قد وَلدته أم حَبِيبَة بنت أبي سُفْيَان زوج النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَن لَيْلَى بنت قانف - بنُون ثمَّ فَاء - الثقفية الصحابية رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قَالَت : " كنت فِيمَن غسل أم كُلْثُوم بنت النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ، (وَكَانَ) أول مَا أَعْطَانَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - الحقا ، ثمَّ الدرْع ، ثمَّ الْخمار ، ثمَّ الملحفة ، ثمَّ أدرجت بعد فِي الثَّوْب الآخر ، وَرَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - جَالس عِنْد الْبَاب مَعَه كفنها ، يناولنا ثوبا ثوبا " . لم يُضعفهُ أَبُو دَاوُد ، فَهُوَ صَالح للاحتجاج بِهِ عِنْده ، وَأما ابْن الْقطَّان : فَإِنَّهُ أعله بِأَن قَالَ : ابْن إِسْحَاق (لَا) يُقَال لما يرويهِ : حسن إِذا لم يكن لما يرويهِ عِلّة غَيره ، فَأَما هَذَا فَإِن نوح بن حَكِيم ؛ رجل مَجْهُول الْحَال ، وَلم تثبت عَدَالَته بِكَوْنِهِ قَارِئًا لِلْقُرْآنِ ، فَمَا كل قَارِئ مرضِي ، وَأما هَذَا الرجل الثَّقَفِيّ الَّذِي يُقَال لَهُ "دَاوُد " (فنحدس فِيهِ حدس) لَا يقطع النزاع ، وَلَا يدْخلهُ فِي بَاب من يقبل حَدِيثه ، وَذَلِكَ أَن هُنَاكَ دَاوُد بن أبي عَاصِم بن عُرْوَة بن مَسْعُود الثَّقَفِيّ ، وَهُوَ رجل مَعْرُوف ، يروي عَن عُثْمَان بن أبي الْعَاصِ وجماعات ، وهو مكي ثِقَة . قَالَه أَبُو زرْعَة الرَّازِيّ ، وَلَا نجزم القَوْل بِأَنَّهُ هُوَ ، وَمُوجب التَّوَقُّف فِي (ذَلِك هُوَ أَنه) الَّذِي وصف فِي الْإِسْنَاد بِأَنَّهُ [5/220] قد وَلدته أم حَبِيبَة ، وَأم حَبِيبَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها إِنَّمَا كَانَت لَهَا بنت وَاحِدَة قدمت بهَا من أَرض الْحَبَشَة ، كَانَت ولدتها من زَوجهَا عبيد الله بن جحش ، وَاسم هَذِه الْبِنْت حَبِيبَة ، فَلَو كَانَ زوج حَبِيبَة هَذِه هُوَ عَاصِم بن عُرْوَة بن مَسْعُود أمكن أَن يُقَال : إِن "دَاوُد" الْمَذْكُور ابْنه مِنْهَا ، فَهُوَ حفيد لأم حَبِيبَة ، وَهَذَا لَا نقل بِهِ ، وَلَا (تحقق) لَهُ ، بل الْمَنْقُول خِلَافه ، وَهُوَ أَن زوج حَبِيبَة هَذِه دَاوُد بن عُرْوَة بن مَسْعُود ، كَذَا قَالَ أَبُو عَلّي بن السكن وَغَيره ، فداود الَّذِي لأم حَبِيبَة عَلَيْهِ ولادَة لَيْسَ دَاوُد بن أبي عَاصِم بن عُرْوَة بن مَسْعُود ، إِذْ لَيْسَ أَبُو عَاصِم زوجا لحبيبة ، وَلَا هُوَ بِدَاوُد بن عُرْوَة بن مَسْعُود ، (الَّذِي هُوَ) زوج حَبِيبَة ؛ فَإِنَّهُ لَا ولادَة لأم حَبِيبَة عَلَيْهِ ؛ فَالله أعلم من هُوَ ، فَالْحَدِيث من أَجله ضَعِيف ، هَذَا آخر كَلَامه .
ونوح الَّذِي ادَّعَى جهالته ذكره ابْن حبَان فِي "ثقاته" وَجعل دَاوُد الْمَذْكُور هُوَ ابْن أبي عَاصِم الثِّقَة ، وَتَبعهُ الْمزي ، وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي "شرح الْمُهَذّب" : هَذَا الحَدِيث إِسْنَاده حسن ، إِلَّا رجلا وَاحِدًا لَا أتحقق حَاله ، وَقد سكت عَنهُ أَبُو دَاوُد فَلم يُضعفهُ ، وَالظَّاهِر أَنه أَرَادَ نوح بن (حَكِيم) ، وَقد علمت حَاله ، وَجزم فِي "خلاصته" بِأَن إِسْنَاده [5/221] حسن ، وَقَالَ الْمُنْذِرِيّ فِي "مُخْتَصر السّنَن" : هَذَا حَدِيث غَرِيب . ثمَّ قَالَ : فِيهِ مُحَمَّد بن إِسْحَاق ، وَفِيه مقَال ، وَأكْثر مَا عابوا عَلَيْهِ التَّدْلِيس ، وَقد صرح فِي هَذَا الحَدِيث بِالتَّحْدِيثِ ، (فيحتج) بِهِ وَيكون حسنًَا . وَقَالَ ابْن عَسَاكِر أَيْضًا فِي "تَخْرِيجه لأحاديث الْمُهَذّب" : هَذَا حَدِيث غَرِيب ، لَا نعرفه إِلَّا من حَدِيث مُحَمَّد بن إِسْحَاق .
فَائِدَة : الحقا : بِكَسْر الْحَاء ، وَتَخْفِيف الْقَاف ، مَقْصُور ، كَذَا وَقع فِي الرِّوَايَة ، قَالَ الشَّيْخ زكي (الدَّين) : ولعلها تكون لُغَة فِي الحِقْو . وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي "شرح الْمُهَذّب" : (الحقا) : يُقَال لَهُ : الحقْو ، بِكَسْر الْحَاء وَفتحهَا ، وَهُوَ الْإِزَار والمئزر
.