الحَدِيث الْحَادِي وَالثَّمَانُونَ
" أَنه عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ إِذا فرغ من دفن الْمَيِّت وقف عَلَيْهِ ، وَقَالَ : اسْتَغْفرُوا لأخيكم ، واسألوا لَهُ التثبيت ؛ فَإِنَّهُ الْآن يسْأَل " .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي "سنَنه" من حَدِيث هِشَام بن يُوسُف عَن عبد الله بن بحير ، عَن هَانِئ مولَى عُثْمَان ، عَن عُثْمَان [5/331] قَالَ : " كَانَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِذا فرغ من دفن الْمَيِّت وقف عَلَيْهِ فَقَالَ : اسْتَغْفرُوا لأخيكم وسلوا لَهُ التثبيت ؛ فَإِنَّهُ الْآن يسْأَل " . وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي "مُسْتَدْركه" ، وَهَذَا لَفظه : عَن عُثْمَان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قَالَ : " مر رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بِجنَازَة عِنْد قبر وَصَاحبه يدْفن ، فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : اسْتَغْفرُوا لأخيكم ، وسلوا الله لَهُ التثبيت ؛ فَإِنَّهُ الْآن يسْأَل " . ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد وَلم يخرجَاهُ . وَقَالَ الْمُنْذِرِيّ : إِنَّه حَدِيث حسن . وَقَالَ الْبَزَّار بعد أَن أخرجه بِلَفْظ : "وسلوا لَهُ التثبيت" لَا يرْوَى عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِلَّا من هَذَا الْوَجْه ، وَلَا نعلم لَهُ عَن عُثْمَان إِسْنَادًا إِلَّا هَذَا الْإِسْنَاد ، وَكَذَا ذكره فِي حَدِيث : " كَانَ عُثْمَان إِذا وقف عَلَى قبر بَكَى ..." الحَدِيث . وذكرهما الدَّارَقُطْنِيّ .
والْحَدِيث الآخر : " مَا رَأَيْت شَيْئا إِلَّا والقبر أفظع مِنْهُ " . وَقَالَ : تفرد بهَا - وَهِي حَدِيث وَاحِد - عبد الله بن بحير ، عَن هَانِئ ، وَلم يروه عَنهُ غير هِشَام بن يُوسُف القَاضِي . قلت : وَعبد الله بن بحير هَذَا هُوَ ابْن ريسان الْمرَادِي الصَّنْعَانِيّ ، رَوَى عَن جمَاعَة ، وَعنهُ جمَاعَة ، وَوَثَّقَهُ ابْن معِين وَغَيره ، كَذَا هُوَ فِي أصل "التذهيب" للذهبي ، ثمَّ قَالَ : من زياداته ، قَالَ ابْن حبَان : عبد الله بن بحير الصَّنْعَانِيّ أَبُو وَائِل الْقَاص وَلَيْسَ هُوَ [5/332] بِعَبْد الله بن بحير بن ريسان ، ذَاك ثِقَة ، وَأَبُو وَائِل واهٍ . ثمَّ قَالَ : لم يفرق بَينهمَا أحد (قبل) ابْن حبَان ، وهما وَاحِد . إِذا علمت ذَلِك ، فقد قَالَ هُوَ فِي كِتَابه " الْمُغنِي فِي الضُّعَفَاء " : عبد الله بن بحير الصَّنْعَانِيّ مُنكر الحَدِيث ، ثمَّ أعلم لَهُ د ت ق ، كَمَا أعلمهُ فِي "تذهيبه" ، فَكيف ينْقل فِي "تذهيبه" أَن ابْن معِين وَغَيره وَثَّقَهُ ، و(يَقُول) فِي " الْمُغنِي " : (واه ، مُنكر الحَدِيث بِمرَّة) . وَأغْرب من هَذَا مَا اتّفق لَهُ فِي " مُخْتَصر الْمُسْتَدْرك " ؛ فَإِنَّهُ ذكر حَدِيث عُثْمَان " أَنه كَانَ إِذا وقف عَلَى قبر بَكَى حَتَّى يبل لحيته ..." الحَدِيث . قَالَ : فِيهِ عبد الله بن بحير ، وَلَيْسَ بالعمدة ، [ وهانئ ] رَوَى عَنهُ جمَاعَة ، وَلَا ذكر لَهُ فِي الْكتب السِّتَّة . هَذَا لَفظه ، وَهُوَ عَجِيب إِن أَرَادَ بقوله : "وَلَا ذكر لَهُ" عبدَ الله بن بحير دون الحَدِيث فَهُوَ من رجال د . ت . ق ، وَذكر هُوَ فِي (تذهيبه) أَن أَرْبَعَة أنفس رووا عَنهُ وَإِن أَرَادَ بقوله : "وَلَا ذكر لَهُ فِي الْكتب السِّتَّة" الحديثَ . فَهُوَ وهم ، فَحَدِيثه هَذَا أخرجه التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه .
[5/333] فَائِدَة : رُوِيَ "التثبت" و"التثبيت" ، بِإِثْبَات الْيَاء الْمُثَنَّاة تَحت قبل الْمُثَنَّاة فَوق آخرا وحذفها ، وهما صَحِيحَانِ . و(التثبيت) : الْأَمْن من الْفَزع ، والثبات عِنْد مسائلة الْملكَيْنِ ، يُقَال : "ثَبت فِي الْقِتَال" إِذا لم يفزع وَلم يفر ، وَرجل ثَبت : إِذا كَانَ لَا يزل لِسَانه
.