|
الحَدِيث الثَّانِي بعد الثَّمَانِينَ قَالَ الرَّافِعِيّ : "وَيسْتَحب أَن يلقن الْمَيِّت بعد الدّفن ، فَيُقَال : يَا عبد الله ، (يَا) ابْن أمة الله ، اذكر مَا خرجت عَلَيْهِ من الدُّنْيَا ، شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله ، وَأَن الْجنَّة حق ، وَالنَّار حق ، وَأَن الْبَعْث حق ، وَأَن السَّاعَة آتِيَة لَا ريب فِيهَا ، وَأَن الله يبْعَث من فِي الْقُبُور ، وَأَنَّك رضيت بِاللَّه ربًّا ، وَبِالْإِسْلَامِ دينا ، وَبِمُحَمَّدٍ نَبيا ، وَبِالْقُرْآنِ إِمَامًا ، وَبِالْكَعْبَةِ قبْلَة ، وَبِالْمُؤْمِنِينَ إخْوَانًا " . ورد بِهِ الْخَبَر عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي "مُعْجَمه الْكَبِير" عَن أبي عقيل أنس بن [ سلم ] ، ثَنَا مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن الْعَلَاء الْحِمصِي ، نَا إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش ، نَا عبد الله بن مُحَمَّد الْقرشِي ، عَن يَحْيَى بن أبي كثير ، عَن سعيد بن عبد الله (الأودي) قَالَ : " شهِدت أَبَا أُمَامَة وَهُوَ فِي النزع ، فَقَالَ : إِذا أَنا مت فَاصْنَعُوا بِي كَمَا أمرنَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن نصْنَع [5/334] بموتانا ؛ أمرنَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَ : إِذا مَاتَ أحد من إخْوَانكُمْ فسويتم التُّرَاب عَلَى قَبره فَليقمْ أحدكُم عَلَى رَأس قَبره ، ثمَّ ليقل : يَا فلَان ابن (فلَان) ، (فَإِنَّهُ يسمعهُ وَلَا يُجيب) ، ثمَّ يَقُول : يَا فلَان ابن فُلَانَة ، فَإِنَّهُ يَسْتَوِي قَاعِدا ، (ثمَّ يَقُول : يَا فلَان ابن فُلَانَة) ؛ (فَإِنَّهُ يَقُول) : أرشدنا يَرْحَمك الله . وَلَكِن لَا تشعرون ، فَلْيقل : اذكر مَا خرجت عَلَيْهِ من الدُّنْيَا شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله ، وَأَنَّك رضيت بِاللَّه ربًّا ، وَبِالْإِسْلَامِ دينا ، وَبِمُحَمَّدٍ نَبيا ، وَبِالْقُرْآنِ إِمَامًا . فَإِن مُنْكرا ونكيرًا يَأْخُذ كل وَاحِد مِنْهُمَا بيد صَاحبه وَيَقُول : انْطلق بِنَا ، مَا (يقعدنا) عِنْد من قد لقن حجَّته . فَقَالَ رجل : يَا رَسُول الله ، فَإِن لم يعرف أمه ؟ قَالَ : ينْسب إِلَى أمه حَوَّاء ؛ يَا فلَان ابن حَوَّاء " . إِسْنَاده لَا أعلم بِهِ بَأْسا ، وَذكره الْحَافِظ أَبُو مَنْصُور فِي "جَامع الدُّعَاء الصَّحِيح" ، وَزَاد بعد قَوْله : "قد لقن حجَّته" : "وَيكون الله (حجَّته) دونهمَا" . قَالَ : وَقد أرخص الإِمَام أَحْمد بن حَنْبَل فِي تلقين الْمَيِّت ، وَأَعْجَبهُ ذَلِك ، وَقَالَ : [5/335] (أهل) الشَّام يَفْعَلُونَهُ . قَالَ أَبُو مَنْصُور : وَهُوَ من العزمات والتذكير بِاللَّه ، و(السماح) بذلك مأثور عَن السّلف ، وَقَالَ الْحَافِظ زَكي الدَّين فِي الْجُزْء الَّذِي خرجه فِي التَّلْقِين بعد أَن سَاقه : وَفِيه بعد الشَّهَادَتَيْنِ " وَأَن السَّاعَة آتِيَة لَا ريب فِيهَا ، وَأَن الله (يبْعَث) من فِي الْقُبُور " . قَالَ أَبُو نعيم الْحداد : هَذَا حَدِيث غَرِيب من حَدِيث حَمَّاد بن زيد ، مَا كتبته إِلَّا من حَدِيث سعيد (الْأَزْدِيّ ) ، وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم : سعيد (الْأَزْدِيّ) عَن أبي أُمَامَة الْبَاهِلِيّ رَوَى عَنهُ ... سَمِعت أبي يَقُول ذَلِك . قَالَ الْمُنْذِرِيّ : هَكَذَا قَالَ : (الْأَزْدِيّ) وَوَقع فِي روايتنا "الأودي" ، وَهُوَ مَعْنَى الْمَجْهُول ، وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي "الْمُغنِي فِي الضُّعَفَاء" : سعيد (الْأَزْدِيّ ) لم أر لَهُ ذكرا فِي الضُّعَفَاء وَلَا غَيرهم . قلت : لَكِن حَدِيثه هَذَا لَهُ شَوَاهِد يعتضد بهَا - والغريب أَن الشَّيْخ زَكي الدَّين لم يذكر فِي مُصَنفه الْمَذْكُور مِنْهَا غير حَدِيث عَمْرو بن الْعَاصِ وَحده - مِنْهَا حَدِيث : "واسألوا لَهُ (التثبيت) " وَقد سلف . وَمِنْهَا : حَدِيث عَمْرو بن الْعَاصِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أَنه قَالَ : " إِذا دفنتموني فسنوا عَلّي التُّرَاب سنّا ، ثمَّ أقِيمُوا حول قَبْرِي قدر مَا ينْحَر جزور وَيقسم لَحمهَا ؛ حَتَّى أستأنس بكم ، وَأعلم مَاذَا أراجع رسل رَبِّي " . رَوَاهُ مُسلم فِي "صَحِيحه" فِي كتاب الْإِيمَان ، وَهُوَ بعض من حَدِيث طَوِيل . [5/336] "سنوا" : رُوِيَ بِالْمُعْجَمَةِ وبالمهملة ، وَكِلَاهُمَا مُتَقَارب الْمَعْنى صَحِيح . وَالْجَزُور - بِفَتْح الْجِيم - من الْإِبِل ، والجزرة من غَيرهَا . ذكره عِيَاض ، وَفِي كتاب "الْعين" : الجزرة من الضَّأْن والمعز خَاصَّة . وَمِنْهَا : مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي "أكبر معاجمه" من حَدِيث مُحَمَّد بن حمْرَان ، عَن عَطِيَّة الرعاء ، عَن الحكم بن الْحَارِث السّلمِيّ " أَنه غزا مَعَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ثَلَاث غزوات ، قَالَ : قَالَ لنا : إِذا دفنتموني ورششتم عَلَى قَبْرِي المَاء فَقومُوا عَلَى قَبْرِي ، واستقبلوا الْقبْلَة ، وَادعوا لي " . وَمِنْهَا : مَا رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم فِي "علله" قَالَ : سَأَلت (أبي عَن حَدِيث) ثُمَامَة بن النَّضر بن أنس قَالَ : ( كَانَ أنس ) إِذا شهد جَنَازَة الْأَخ من إخوانه وقف عَلَى قَبره بعد أَن يدْفن ، فَيَقُول : جَاف الأَرْض عَن (جَنْبَيْهِ) . فَقَالَ : إِنَّمَا هُوَ عَن ثُمَامَة بن عبد الله بن أنس . وَمِنْهَا : مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي "أكبر معاجمه" أَيْضا ، من حَدِيث مُبشر بن إِسْمَاعِيل ، ثَنَا عبد الرَّحْمَن بن الْعَلَاء بن اللَّجْلَاج ، عَن أَبِيه قَالَ : قَالَ أبي : " يَا بني ، إِذا أَنا مت فألحدني ، فَإِذا وَضَعتنِي فِي لحدي فَقل : باسم الله ، وَعَلَى مِلَّة رَسُول الله . ثمَّ سنّ عليّ التُّرَاب سنًّا ، ثمَّ اقْرَأ [5/337] عِنْد رَأْسِي بِفَاتِحَة الْبَقَرَة وخاتمتها ، فَإِنِّي سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَقُول ذَلِك " . ( وَعبد الرَّحْمَن هَذَا هُوَ مُبشر بن إِسْمَاعِيل الْحلَبِي) ، لَكِن ذكره ابْن حبَان فِي "ثقاته " . وَمِنْهَا : مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ أَيْضا فِي الْكتاب الْمَذْكُور من حَدِيث (إِبْرَاهِيم بن بكر بن عبد الرَّحْمَن) ، عَن إِدْرِيس الأودي ، عَن سعيد بن الْمسيب قَالَ : " حضرت ابْن عمر فِي جَنَازَة ، فَلَمَّا وَضعهَا فِي اللَّحْد قَالَ : باسم الله ، وَفِي سَبِيل الله ، وَعَلَى مِلَّة رَسُول الله ، فَلَمَّا أَخذ فِي اللَّبِن عَلَى اللَّحْد قَالَ : اللَّهُمَّ أجرهَا من الشَّيْطَان ، وَمن عَذَاب الْقَبْر . فَلَمَّا سُوَى اللَّبن عَلَيْهَا قَامَ إِلَى جَانب الْقَبْر ، ثمَّ قَالَ : اللَّهُمَّ جَاف الأَرْض عَن جنبيها ، وَصعد روحها ، ولقها مِنْك رضواناً . فَقلت : أشيئًا سمعته من رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أم شَيْئا قلته من رَأْيك ؟ قَالَ : إِنِّي إِذا لقادر عَلَى القَوْل ، بل سَمِعت من رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - " . وَإِدْرِيس هَذَا مَجْهُول . قَالَه أَبُو حَاتِم ، [5/338] وَقد أسلفنا لهَذَا طَرِيقا آخر من رِوَايَة ابْن مَاجَه فِي الْجُزْء الَّذِي قبله ، وَهُوَ الحَدِيث السَّادِس بعد السِّتين من أَحَادِيث هَذَا الْبَاب . وَمِنْهَا : مَا رَوَاهُ سعيد بن مَنْصُور فِي "سنَنه" عَن رَاشد بن سعد ، وضمرة بن حبيب ، وَحكم بن عُمَيْر ، قَالُوا : " إِذا سوي عَلَى الْمَيِّت قَبره وَانْصَرف النَّاس عَنهُ ؛ كَانُوا يستحبون أَن يُقَال للْمَيت عِنْد قَبره : يَا فلَان ، قل : لَا إِلَه إِلَّا الله ، أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله - ثَلَاث مَرَّات - قل : رَبِّي الله ، وديني الْإِسْلَام ، ونبيي مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم . (ثمَّ ينْصَرف ) . فَهَذِهِ شَوَاهِد لحَدِيث أبي أُمَامَة الْمَذْكُور ، قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين بن الصّلاح : هَذَا الحَدِيث إِسْنَاده لَيْسَ بالقائم ، وَلكنه (يعتضد) بشواهد ، وبعمل أهل الشَّام بِهِ قَدِيما . وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي "شرح الْمُهَذّب" : هَذَا الحَدِيث وَإِن كَانَ ضَعِيفا فيستأنس بِهِ ، وَقد اتّفق عُلَمَاء الْمُحدثين وَغَيرهم عَلَى الْمُسَامحَة فِي أَحَادِيث الْفَضَائِل وَالتَّرْغِيب والترهيب ، لَا سِيمَا وَقد اعتضد بشواهد ، وَلم يزل أهل الشَّام عَلَى الْعَمَل بِهَذَا فِي زمن من يُقْتَدَى بِهِ وَإِلَى الْآن . قلت : لَكِن قَالَ الْأَثْرَم : قلت لأبي عبد الله - يَعْنِي : ابْن حَنْبَل - : [5/339] فَهَذَا الَّذِي تصنعونه إِذا دفن الْمَيِّت ! يقف الرجل وَيَقُول : يَا فلَان ابْن فُلَانَة ، اذكر مَا فَارَقت عَلَيْهِ ؛ شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله . فَقَالَ : مَا رَأَيْت أحدا فعل هَذَا إِلَّا أهل الشَّام حِين مَاتَ أَبُو الْمُغيرَة ، (جَاءَ إِنْسَان فَقَالَ ذَلِك وَكَانَ أَبُو الْمُغيرَة) يرْوي مَتنه عَن أبي بكر بن أبي مَرْيَم ، عَن أَشْيَاخهم أَنهم كَانُوا يَفْعَلُونَهُ ، وَكَانَ ابْن عَيَّاش يروي فيهِ . يُشِير بذلك إِلَى حَدِيث أبي أُمَامَة السالف .
|