|
الحَدِيث السَّادِس بعد الثَّمَانِينَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : " كنت نَهَيْتُكُمْ عَن زِيَارَة الْقُبُور ، فزوروها ، فَإِنَّهَا تذكركم الْآخِرَة " . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، وَله طرق كَثِيرَة . أَحدهَا : من طَرِيق : ( بُرَيْدَة ) - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : " قد (كنت) نَهَيْتُكُمْ عَن زِيَارَة الْقُبُور ، فقد أذن لمُحَمد فِي زِيَارَة قبر أمه ، فزوروها فَإِنَّهَا تذكركم الْآخِرَة " . رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ . وَقَالَ : حسن صَحِيح . وَرَوَاهُ أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي "صَحِيحه" بلفظين : أَحدهمَا : " إِنِّي نَهَيْتُكُمْ عَن ثَلَاث : عَن زِيَارَة الْقُبُور ، وَعَن لُحُوم [5/341] الْأَضَاحِي أَن (تبقوها) فَوق ثَلَاثَة أَيَّام ، وَعَن الظروف إِلَّا مَا كَانَ سقاءٍ ، فقد رخص لمحمدٍ فِي (زِيَارَة قبر) أمه " . الثَّانِي : "( إِنِّي اسْتَأْذَنت) فِي الاسْتِغْفَار (لأمي) فَلم يَأْذَن لي ، فَدَمَعَتْ عَيْني رَحْمَة لَهَا من النَّار ، وَإِنِّي كنت نَهَيْتُكُمْ عَن ثَلَاث : عَن زِيَارَة الْقُبُور ، فزوروها ، ولتزدكم زيارتها خيرا ..." وَذكر بَاقِي الحَدِيث . وَرَوَاهُ الْحَاكِم (بِلَفْظ) : " إِنِّي كنت نَهَيْتُكُمْ عَن زِيَارَة الْقُبُور ، فزورها ، ولتزدكم زيارتها خيرا " . ثمَّ قَالَ : صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ . وَرَوَاهُ أَيْضا فِي مَنَاقِب النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - من "مُسْتَدْركه" بِلَفْظ : " أَنه عَلَيْهِ السَّلَام زار قبر أمه فِي ألف مقنع ، فَمَا رُئي باكيًا أَكثر من ذَلِك الْيَوْم " . ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح ، عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ وَلم يخرجَاهُ ، إِنَّمَا أخرج مُسلم وَحده حَدِيث محَارب بن دثار ، عَن ابْن بُرَيْدَة ، عَن أَبِيه : " اسْتَأْذَنت رَبِّي فِي الاسْتِغْفَار ، فَلم يُؤذن لي " . قلت : لم يخرج مُسلم هَذَا اللَّفْظ من حَدِيث بُرَيْدَة هَذَا ؛ إِنَّمَا أخرجه من حَدِيث أبي هُرَيْرَة كَمَا ستعلمه بعد هَذَا ، وَلَفظه فِي حَدِيث بُرَيْدَة : "نَهَيْتُكُمْ عَن زِيَارَة الْقُبُور ، فزوروها ..." الحَدِيث ، وَأغْرب من [5/342] هَذَا قَوْله فِي الْجَنَائِز من "مُسْتَدْركه" لما أخرج حَدِيث بُرَيْدَة : "كنت نَهَيْتُكُمْ" كَمَا سقناه : إنّ هَذَا الحَدِيث مخرج فِي الْكِتَابَيْنِ "الصَّحِيحَيْنِ" لِلشَّيْخَيْنِ . وَقد عرفت أَنه من أَفْرَاده ، كَمَا قَالَه مرّة أُخْرَى . الطَّرِيق الثَّانِي : من حَدِيث أبي هُرَيْرَة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - " أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - زار قبر أمه ، فَبَكَى ؛ وأبكى من حوله ، فَقَالَ : (اسْتَأْذَنت رَبِّي فِي أَن أسْتَغْفر لَهَا ، فَلم يُؤذن لي ، واستأذنته فِي أَن أَزور قبرها ، فَأذن لي ، فزوروا الْقُبُور ؛ فَإِنَّهَا تذكركم الْمَوْت " . رَوَاهُ مُسلم فِي "صَحِيحه" مُنْفَردا بِهِ ، وَلم يَقع فِي رِوَايَة عبد الغافر الْفَارِسِي ، وَوَقع لغيره من الروَاة عَن الجلودي ، وَعَزاهُ إِلَى "مُسلم" : الْبَيْهَقِيّ ، وَعبد الْحق ، وَالْمُنْذِرِي ، وَغَيرهم ، وَأما الْحَاكِم فاستدركه وَقَالَ : إِنَّه عَلَى شَرط مُسلم . وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه مُخْتَصرا بِلَفْظ : " زوروا الْقُبُور ؛ فَإِنَّهَا تذكركم الْآخِرَة " . الطَّرِيق الثَّالِث : من حَدِيث عبد الله بن مَسْعُود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : " كنت نَهَيْتُكُمْ عَن زِيَارَة الْقُبُور ، فزوروها ، فَإِنَّهَا تزهد فِي الدُّنْيَا وتذكر فِي الْآخِرَة " . رَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي "سنَنه" ، وَالْحَاكِم فِي "مُسْتَدْركه" ، وَفِيه أَيُّوب بن هَانِئ ضعفه ابْن معِين ، وَقواهُ أَبُو [5/343] حَاتِم ، وَاقْتصر الذَّهَبِيّ فِي "الْمُغنِي" (عَلَى) مقَالَة ابْن معِين . وَقَالَ فِي " الكاشف " : إِنَّه صَدُوق . وَلم يذكر غير ذَلِك ، وَرَوَاهُ أَحْمد بِنَحْوِهِ . الطَّرِيق الرَّابِع : من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : " نَهَيْتُكُمْ عَن زِيَارَة الْقُبُور ، فزوروها ، فَإِنَّهَا عِبْرَة " . رَوَاهُ الْحَاكِم فِي "الْمُسْتَدْرك" وَقَالَ : صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم . وَرَوَاهُ الشَّافِعِي كَذَلِك ، لَكِن قَالَ بدل : "فَإِنَّهَا عِبْرَة" : "وَلَا تَقولُوا هجرًا" . وَرَوَاهُ أَحْمد فِي "مُسْنده" بِلَفْظ : " كنت نَهَيْتُكُمْ عَن زِيَارَة الْقُبُور ، فَإِن زرتموها فَلَا تَقولُوا هجرًا " . الطَّرِيق الْخَامِس : من حَدِيث أنس بن مَالك - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : " نهيت عَن زِيَارَة الْقُبُور ، فزوروها ؛ فَإِنَّهَا تذكركم الْمَوْت " . رَوَاهُ الْحَاكِم فِي "مُسْتَدْركه" ، وَفِيه يَحْيَى الجابر ، وَقد ضعَّفوه كَمَا سلف فِي الْبَاب فِي الحَدِيث الثَّامِن بعد الْعشْرين مِنْهُ . ثمَّ رَوَاهُ الْحَاكِم من طَرِيق آخر جيد ، عَن أنس بِلَفْظ : " نَهَيْتُكُمْ عَن زِيَارَة الْقُبُور ، فزوروها ، فَإِنَّهَا ترق الْقلب ، وتدمع الْعين ، وتذكركم الْآخِرَة ، وَلَا تَقولُوا هجرًا " . وَرَوَاهُ أَحْمد بِنَحْوِهِ . الطَّرِيق السَّادِس : من حَدِيث أبي ذَر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : [5/344] " زر الْقُبُور ، تذكر بهَا الْآخِرَة " . رَوَاهُ الْحَاكِم هُنَا ، و(فِي) بَاب الرقَاق من "مُسْتَدْركه" ، وَقَالَ هُنَا : رُوَاته عَن آخِرهم ثِقَات . قلت : لَكِن فِي سَنَده يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم ، وَهُوَ واه ، وَيَحْيَى بن سعيد عَن أبي مُسلم الْخَولَانِيّ ، وَيَحْيَى لم يدْرك أَبَا مُسلم ، فَهُوَ مُنْقَطع ، وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي "اختصاره للمستدرك" : أَبُو مُسلم هَذَا رجل مَجْهُول ، وَالْخَبَر مُنكر . الطَّرِيق السَّابِع : من حَدِيث عَلّي بن أبي طَالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - " أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ نهَى عَن زِيَارَة الْقُبُور ، ثمَّ قَالَ : إِنِّي كنت نَهَيْتُكُمْ عَن زيارتها ؛ فزوروها ؛ فَإِنَّهَا تذكركم الْآخِرَة " . رَوَاهُ أَحْمد من حَدِيث حَمَّاد بن سَلمَة ، عَن عَلّي بن يزِيد ، عَن ربيعَة بن النَّابِغَة ، عَن أَبِيه ، عَن عَلّي بِهِ . قَالَ البُخَارِيّ : ربيعَة بن النَّابِغَة ، عَن أَبِيه عَن عَلّي لَا يَصح حَدِيثه . [5/345] قَالَ الْحَاكِم : قد استقصيت (عَلَى) الْحَث عَلَى زِيَارَة الْقُبُور تحريًا للمشاركة فِي التَّرْغِيب ، وليعلم الشحيح (بِدِينِهِ) أَنَّهَا سنة مسنونة .
|