|
الحَدِيث التِّسْعُونَ رُوِيَ " أَنه لما جَاءَ نعي جَعْفَر الصَّادِق - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قَالَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : اصنعوا لآل جَعْفَر طَعَاما ؛ فقد جَاءَهُم أَمر يشغلهم " . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ الشَّافِعِي ، وَأحمد ، وَأَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيّ ، وَابْن مَاجَه ، وَالدَّارَقُطْنِيّ ، [5/356] وَالْحَاكِم ، وَالْبَيْهَقِيّ ، من رِوَايَة جَعْفَر بن خَالِد - هُوَ ابْن سارة - عَن أَبِيه ، عَن عبد الله بن جَعْفَر قَالَ : " لما جَاءَ نعي جَعْفَر قَالَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : اصنعوا لآل جَعْفَر طَعَاما ؛ فَإِنَّهُ قد جَاءَهُم مَا يشغلهم " . قَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث (حسن ) . وَقَالَ بعد ذَلِك : وجعفر بن خَالِد هُوَ ابْن سارة ، وَهُوَ ثِقَة ، رَوَى عَنهُ (ابْن) جريج . وَقَالَ ابْن الْقطَّان : إِنَّمَا لم يُصَحِّحهُ التِّرْمِذِيّ لِأَن خَالِد بن سارة لَا يعرف حَاله ، وَرَوَى عَنهُ ابْنه ، وَعَطَاء بن أبي رَبَاح قَالَه البخاريُّ ، وَأَهْمَلَهُ ابْن أبي حَاتِم كَسَائِر من يجهل أَحْوَالهم . قَالَ : وَلَا أعلم لَهُ إِلَّا حديثين ، أَحدهمَا هَذَا ، والأخر "أَنه عَلَيْهِ السَّلَام حمل غلامين من بني عبد الْمطلب عَلَى دَابَّة" . رَوَاهُ أَيْضا جَعْفَر ، عَن أَبِيه ، عَن (عبد الله) بن جَعْفَر كَذَلِك . قلت : لَكِن خَالِد هَذَا وَثَّقَهُ ابْن حبَان ، فَإِنَّهُ ذكره فِي "ثقاته" ، فَزَالَتْ عَنهُ إِذن جَهَالَة الْعين وَالْحَال ، وَلما أخرجه الْحَاكِم فِي [5/357] "مُسْتَدْركه" من طَرِيقه قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد وَلم يخرجَاهُ . قَالَ : وخَالِد بن جَعْفَر بن سارة المَخْزُومِي من أكَابِر مَشَايِخ قُرَيْش ، وَهُوَ كَمَا قَالَ شُعْبَة : اكتُبوا عَن الْأَشْرَاف ؛ فَإِنَّهُم لَا يكذبُون . قَالَ : وَقد رُوِيَ غير هَذَا الحَدِيث مُفَسرًا . ثمَّ سَاق بِإِسْنَادِهِ إِلَى عبد الله بن جَعْفَر قَالَ : " مسح رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بِيَدِهِ عَلَى رَأْسِي - قَالَ : أَظُنهُ قَالَ : ثَلَاثًا - كلما مسح قَالَ : اللَّهُمَّ أخلف جعفرًا فِي وَلَده " . قَالَ الْحَاكِم : قد أَتَى جَعْفَر بن خَالِد بشيئين عزيزين ، أَحدهمَا مسح رَأس الْيَتِيم ، وَالْآخر تفقد أهل الْمُصِيبَة بِمَا يتقوتون ليلتهم ، وفقنا الله لاستعماله بمنه . وَذكره ابْن السكن فِي "سنَنه الصِّحَاح" وَقَالَ : "جَاءَهُم أَمر (أشغلهم) " . قلت : وَله شَاهد أَيْضا من حَدِيث أَسمَاء بنت عُمَيْس ، رَوَاهُ أَحْمد ، وَالطَّبَرَانِيّ ، وَابْن مَاجَه عَنْهَا : " لما أُصِيب جَعْفَر رَجَعَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِلَى أَهله فَقَالَ : إِن أهل جَعْفَر قد شغلوا بشأن ميتهم ، فَاصْنَعُوا (لَهُم) طَعَاما " . فَائِدَة : النعي : بِكَسْر الْعين مُشَدّدَة (الْيَاء) وبإسكانها مُخَفّفَة ، قَالَ الْجَوْهَرِي : النعي : خبر الْمَوْت ، يُقَال : نعاه لَهُ نَعْيًا ونُعيانًا - بِالضَّمِّ - وَكَذَلِكَ النعي عَلَى فعل ، يُقَال : جَاءَ نعي فلَان ، والنعي أَيْضا الناعي ، وَهُوَ الَّذِي يَأْتِي بِخَبَر الْمَوْت ، وَقَالَ صَاحب "الْمطَالع" : نعي (أبي سُفْيَان بِإِسْكَان) الْعين وبكسرها وَتَشْديد الْيَاء وَقَالَ الْخطابِيّ فِي كِتَابه [5/358] "تصاحيف الروَاة" : النعيّ : بتَشْديد الْيَاء الِاسْم ، فَأَما النعْيُ : فَهُوَ مصدر نَعيتُ الْمَيِّت (أَنعَاهُ) ، قَالَ ابْن بري : النعْي قد يَأْتِي بِمَعْنى النعيّ ، فَيُقَال : قد أَتَى نَعْيُه أَي : نَعِيُّه ، والنعي : الَّذِي يَأْتِي بِخَبَر الْمَيِّت ، والنعي أَيْضا : الْمَيِّت نَفسه . فَائِدَة ثَانِيَة : يشغلهم : بِفَتْح الْيَاء ، وحُكى ضمُّها ، وَهُوَ شَاذ ، وَوَقع فِي "الْمُهَذّب" : "يشغلهم عَنهُ" ، وَالَّذِي رَأَيْته فِي كتب الحَدِيث : "يشغلهم" بِحَذْف "عَنهُ" . فَائِدَة ثَالِثَة : كَانَ قتل جَعْفَر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - فِي جمادى سنة ثَمَان من الْهِجْرَة فِي غَزْوَة مُؤْتَة ، وَهُوَ مَوضِع مَعْرُوف بِالشَّام عِنْد الكرك ، رَوَى البُخَارِيّ فِي "صَحِيحه" عَن ابْن عمر قَالَ : "كنت فِي غَزْوَة مُؤْتَة ، فالتمسنا جعفرًا فوجدناه فِي الْقَتْلَى ، وَوجدنَا فِي جسده بضعًا و(تسعين) من طعنة ورمية" . وَفِي رِوَايَة لَهُ : "فعددت بِهِ خمسين بَين طعنة (وضربة) لَيْسَ فِيهَا شَيْء فِي دبره" .
|