|
الحَدِيث الْخَامِس ورد فِي الْخَبَر عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - " فِي أَخذ الزَّكَاة من الْعَسَل " . هُوَ كَمَا قَالَ ، وَقد ورد فِي عدَّة أَخْبَار ؛ (أَحدهَا) : خبر ابْن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : " فِي الْعَسَل فِي كل عشرَة أزق زق " . [5/517] رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ فِي "جَامعه" ، من حَدِيث عَمْرو بن أبي سَلمَة التنيسِي ، عَن صَدَقَة بن عبد الله ، عَن مُوسَى بن يسَار ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر (بِهِ) كَذَلِك . وَالْبَيْهَقِيّ بِلَفْظ : " أزقاق " بدل "أزق" . وَصدقَة هَذَا هُوَ السمين ، وَهُوَ ضَعِيف ، وَقد سلف حَاله فِي كتاب الطَّهَارَة فِي أثر عمر فِي المشمس . وَعَمْرو هَذَا من رجال "الصَّحِيحَيْنِ" وَإِن ضعفه ابْن معِين وَأَبُو حَاتِم . وَرَوَاهُ إِسْمَاعِيل بن مُحَمَّد (بن) يُوسُف ، عَن عَمْرو بن أبي سَلمَة ، عَن زُهَيْر بن مُحَمَّد ، عَن مُوسَى بن يسَار ؛ قَالَ ابْن حبَان : إِسْمَاعِيل هَذَا يقلب الْأَسَانِيد ، وَيسْرق الحَدِيث لَا يجوز الِاحْتِجَاج بِهِ . قَالَ يَحْيَى بن معِين : وَعَمْرو بن أبي سَلمَة وَزُهَيْر ضعيفان . وعلَّل ابْن الْجَوْزِيّ هَذِه الطَّرِيقَة بِهَذَا ، وَقَالَ فِي "علله" : إِنَّهَا لَا تصح لأجل ذَلِك . وَزُهَيْر هَذَا من رجال "الصَّحِيحَيْنِ" وَفِيه لين . قَالَ التِّرْمِذِيّ فِي "جَامعه" بعد أَن أخرجه : هَذَا حَدِيث فِي إِسْنَاده مقَال ، وَلَا يَصح عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي هَذَا (الْبَاب) كَبِير شَيْء ، وَصدقَة لَيْسَ بحافظ ، وَقد خُولِفَ فِي رِوَايَة هَذَا الحَدِيث عَن نَافِع . وَقَالَ فِي [5/518] "علله" : سَأَلت البُخَارِيّ عَنهُ ؟ فَقَالَ : (هُوَ) عَن نَافِع ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - مُرْسل . وَقَالَ النَّسَائِيّ : هَذَا حَدِيث مُنكر . وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ : تفرد بِهِ هَكَذَا صَدَقَة ، وَهُوَ ضَعِيف ، قد ضعفه أَحْمد وَيَحْيَى وَغَيرهمَا . ثَانِيهَا : خبر عَمْرو بن شُعَيْب ، عَن أَبِيه ، عَن جده ، قَالَ : " جَاءَ هِلَال - أحد بني مُتعَانَ - إِلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بعشور (نحلٍ) لَهُ ، قَالَ : وَسَأَلَهُ أَن يحمي وَاديا يُقَال لَهُ سَلبَهْ ، فحمى لَهُ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ذَلِك الْوَادي ، فَلَمَّا تولى عمر بن الْخطاب كتب سُفْيَان بن وهب إِلَى عمر بن الْخطاب (يسْأَله) عَن ذَلِك ، فَكتب عمر : إِن أَدَّى إِلَيْك مَا كَانَ (يُؤَدِّي) إِلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - من عشور (نحله) فَاحم لَهُ سَلبَه ، وَإِلَّا فَإِنَّمَا هُوَ ذُبَاب غيث يَأْكُلهُ من يَشَاء " . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ ، وسَلبه بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَاللَّام (مَعًا) ، كَمَا قَيده الْبكْرِيّ فِي "مُعْجَمه" . [5/519] وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد : " إِن شَبابَة - بطن من فهم - ..." فَذكر نَحوه ، وَقَالَ : " فِي (كل) عشر قرب قربَة " وَقَالَ سُفْيَان بن عبد الله الثَّقَفِيّ : " وَكَانَ يحمي لَهُم واديين" زَاد : "فأدوا إِلَيْهِ مَا كَانُوا يؤدون إِلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ، وَحمى لَهُم (وَادِيهمْ )) . وَأَشَارَ إِلَيْهِ التِّرْمِذِيّ ؛ فَإِنَّهُ قَالَ : وَفِي الْبَاب عَن عبد الله بن عَمْرو . وَهَذِه التَّرْجَمَة ، وَهِي عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده احْتج بهَا الْأَكْثَرُونَ ، كَمَا أسلفناه فِي بَاب الْوضُوء ، لَا جرم أَن الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين لما ذكره فِي "إلمامه" قَالَ : إِن ابْن مَاجَه رَوَاهُ من حَدِيث نعيم بن حَمَّاد ، وَهُوَ حَافظ أخرج لَهُ البُخَارِيّ - وَقد (مُس) - عَن ابْن الْمُبَارك - وَهُوَ إِمَام - عَن أُسَامَة بن زيد ، وَأخرج لَهُ مُسلم ، عَن عَمْرو بن شُعَيْب ، عَن أَبِيه ، عَن جده عبد الله بن عَمْرو " أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَخذ من الْعَسَل الْعشْر " . قَالَ : وَمن يحْتَج بنسخة عَمْرو يحْتَج بِهِ . قلت : لَا جرم حسنه ابْن عبد الْبر فِي "استذكاره " ، وَفِي "علل الدَّارَقُطْنِيّ " وَقد سُئِلَ عَن حَدِيث عبد الله بن عَمْرو عَن عمر ، قصَّة بني [5/520] شَبابَة الحَدِيث ؛ فَقَالَ : هُوَ حَدِيث يرويهِ عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث وَعبد الله بن لَهِيعَة ، عَن عَمْرو بن شُعَيْب ، عَن أَبِيه ، عَن جده ، مُسْندًا عَن عمر ، وَرَوَاهُ يَحْيَى بن سعيد الْأنْصَارِيّ عَن عَمْرو بن شُعَيْب مُرْسلا عَن عمر . ثَالِثهَا : خبر سُلَيْمَان بن مُوسَى عَن أبي سيارة (المتعي) ؛ قَالَ : " قلت يَا رَسُول الله إِن لي نحلاً قَالَ : أدّ العشور . قَالَ : قلت : يَا رَسُول الله) احم لي جبلها فحمى (لي) جبلها " . رَوَاهُ أَحْمد بن حَنْبَل فِي "مُسْنده" ، وَابْن مَاجَه فِي "سنَنه" ، وَكَذَا الْبَيْهَقِيّ ، وَأَشَارَ إِلَيْهِ التِّرْمِذِيّ حَيْثُ قَالَ : وَفِي الْبَاب عَن أبي سيارة (المتَعي) وَهُوَ حَدِيث مُنْقَطع ؛ لِأَن سُلَيْمَان بن مُوسَى لم يدْرك [5/521] أَبَا سيارة (المتَعي) ، وَمَعَ ذَلِك فَقَالَ الْبَيْهَقِيّ : هُوَ أصح مَا رُوِيَ فِي وجوب الْعشْر فِيهِ مَعَ انْقِطَاعه . قَالَ : وَقَالَ أَبُو عِيسَى : سَأَلت البُخَارِيّ عَنهُ ؟ فَقَالَ : هَذَا حَدِيث مُرْسل وَسليمَان بن مُوسَى لم يدْرك أحدا من (أَصْحَاب النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم -) ، وَلَيْسَ فِي زَكَاة الْعَسَل شَيْء يَصح . وَقَالَ ابْن عبد الْبر : هَذَا حَدِيث مُنْقَطع ، وَلَا يعرف أَبُو سيارة بِغَيْر هَذَا ، وَلَا تقوم لأحد بِمثلِهِ حجَّة . وَقَالَ الْحَافِظ عبد الْغَنِيّ فِي "الْكَمَال" : أَبُو سيارة [ المتعي الْقَيْسِي ] ، قيل : اسْمه عميرَة بن الأعلم ، وَقيل : إِنَّه شَامي ، وَحَدِيثه فِي الشاميين ، رَوَى عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - حَدِيثا فِي الْعَسَل ، وَلَيْسَ لَهُ سواهُ . وَذكره ابْن الْجَوْزِيّ فِي "جَامع المسانيد" فِي تَرْجَمَة : من عرف بكنيته دون اسْمه . رَابِعهَا : خبر أبي هُرَيْرَة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - ؛ قَالَ : " كتب رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِلَى أهل الْيمن : أَن يُؤْخَذ من (الْعَسَل الْعشْر)) . [5/522] رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي "سنَنه" ، من حَدِيث عبد الله بن مُحَرر ، [ عَن الزُّهْرِيّ ] ، عَن أبي سَلمَة ، عَن أبي هُرَيْرَة . وَأَشَارَ إِلَيْهِ التِّرْمِذِيّ حَيْثُ قَالَ : وَفِي الْبَاب عَن أبي هُرَيْرَة . وَعبد الله هَذَا تَرَكُوهُ ، قَالَ ابْن حزم : (هُوَ) أسقط من كل سَاقِط مُتَّفق عَلَى (إطراحه) . خَامِسهَا : خبر ( سعد) بن أبي ذُبَاب قَالَ : " قدمت عَلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَأسْلمت ، (ثمَّ) قلت : يَا رَسُول الله اجْعَل لقومي مَا أَسْلمُوا عَلَيْهِ من أَمْوَالهم فَفعل النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ، فاستعملني عَلَيْهِم ، ثمَّ استعملني أَبُو بكر ، ثمَّ عمر . قَالَ : وَكَانَ سعد من أهل السراة ، قَالَ : فكلمت قومِي فِي الْعَسَل ، فَقلت لَهُم : زكوه فَإِنَّهُ لَا خير فِي ثَمَرَة لَا تزكَّى . (فَقَالُوا :) كم ؟ فَقلت : الْعشْر . فَأخذت مِنْهُم الْعشْر ، فَأتيت عمر بن الْخطاب فَأَخْبَرته بِمَا كَانَ ، قَالَ : فَقَبضهُ عمر فَبَاعَهُ ثمَّ جعل (ثمنه) فِي صدقَات الْمُسلمين " . [5/523] رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي "سنَنه" وَقَالَ : قَالَ البُخَارِيّ : عبد الله (وَالِد) مُنِير عَن سعد بن أبي ذُبَاب لَا يَصح حَدِيثه . (وَقَالَ عَلّي بن الْمَدِينِيّ :) مُنِير هَذَا لَا نعرفه إِلَّا فِي هَذَا الحَدِيث . وَقَالَ الْأَزْدِيّ : مُنِير لَا يحْتَج بِخَبَرِهِ هُوَ ضَعِيف . قَالَ الشَّافِعِي : وَسعد بن أبي ذُبَاب يَحْكِي مَا يدل عَلَى (أَن) رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - لم يَأْمُرهُ بِأخذ الصَّدَقَة من الْعَسَل ، وَأَنه شَيْء رَآهُ فتطوع لَهُ أَهله . فَهَذِهِ أَحَادِيث إِيجَاب زَكَاة الْعَسَل مطعون فِي كلهَا وأجودها : (ثَانِيهَا) وَقد صرح جماعات من الْحفاظ بِأَنَّهُ لَا يَصح شَيْء فِي إِيجَاب زَكَاته ، قَالَ الزَّعْفَرَانِي : قَالَ الشَّافِعِي : الحَدِيث فِي أَن فِي الْعَسَل الْعشْر ضَعِيف ، وَفِي أَن لَا يُؤْخَذ مِنْهُ الْعشْر ضَعِيف ، إِلَّا عَن عمر بن عبد الْعَزِيز ، أَنا مَالك ، عَن عبد الله بن أبي بكر قَالَ : "(جَاءَنِي) كتاب من عمر بن عبد الْعَزِيز إِلَى أبي و(هُوَ) بمنى : أَلا تَأْخُذ من الْخَيل وَلَا من الْعَسَل صَدَقَة " . [5/524] قَالَ الشَّافِعِي رَحِمَهُ اللَّهُ : واختياري أَن لَا يُؤْخَذ مِنْهُ ؛ لِأَن السّنَن والْآثَار ثَابِتَة فِيمَا يُؤْخَذ مِنْهُ ، وَلَيْسَت فِيهِ ثَابِتَة ، فَكَأَنَّهُ عَفْو . وَقَالَ البُخَارِيّ : لَا يَصح فِي زَكَاة الْعَسَل شَيْء ، وَقد أسلفنا ذَلِك عَن التِّرْمِذِيّ أَيْضا . وَكَذَا قَالَ ابْن الْمُنْذر : لَيْسَ فِي وجوب صَدَقَة الْعَسَل حَدِيث (يثبت) عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ، وَلَا إِجْمَاع ، فَلَا زَكَاة فِيهِ ، وروينا ذَلِك عَن ابْن عمر ، وَعمر بن عبد الْعَزِيز .
|