|
[5/586] بَاب : زَكَاة التِّجَارَة ذكر فِيهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَحَادِيث وأثرًا وَاحِدًا . أما الْأَحَادِيث فَثَلَاثَة : الحَدِيث الأول عَن أبي ذَر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : " فِي الْإِبِل صدقتها ، (وَفِي الْبَقر صدقتها ، وَفِي الْغنم صدقتها) وَفِي الْبَز صدقته " . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ ، من طرق (عَن أبي ذَر ، إِحْدَاهَا) : من حَدِيث أبي عَاصِم ، عَن مُوسَى بن عُبَيْدَة الربذي ، قَالَ : حَدثنِي عمرَان بن أبي أنس ، عَن مَالك بن أَوْس بن الْحدثَان ، عَنهُ مَرْفُوعا ، كَمَا ذكره الرَّافِعِيّ سَوَاء . وَقَالَ عِنْد قَوْله : "وَفِي الْبَز صدقته" قَالَهَا بالزاي . ثَانِيهَا : من حَدِيث (سعيد) بن سَلمَة ، نَا مُوسَى ، عَن عمرَان ، عَن مَالك ، عَنهُ مَرْفُوعا (بِهِ) سَوَاء ، ثمَّ قَالَ : كتبته من الأَصْل الْعَتِيق ، وَفِي الْبَز مُقَيّد . ثَالِثهَا : من حَدِيث عبد الله بن مُعَاوِيَة ، نَا مُحَمَّد بن بكر ، عَن ابْن جريج ، عَن عمرَان ، عَن مَالك ، عَنهُ مَرْفُوعا بِهِ ، سَوَاء ، إِلَّا أَنه قَالَ : لم يذكر الْبَقر . [5/587] وَرَوَاهُ أَحْمد ، عَن مُحَمَّد بن بكر ، عَن ابْن جريج ، عَن عمرَان ، بلغه عَنهُ ، عَن مَالك بن أَوْس (بِهِ) ، وَذكر الْبَقر . والطريقان الْأَوَّلَانِ معللان بمُوسَى بن عُبَيْدَة الربذي ، وَقد ضَعَّفُوهُ ، وَقَالَ أَحْمد : لَا تحل الرِّوَايَة عَنهُ . وَالطَّرِيق الثَّالِث مُعَلل بِعَبْد الله بن مُعَاوِيَة ، وَلَا أعلم حَاله ، وَلَا أتحقق أَنه عبد الله بن مُعَاوِيَة بن عَاصِم الضَّعِيف ، وَإِن كَانَ ابْن حبَان ذكره فِي "ثقاته" وَقَالَ : رُبمَا يُخَالف ، يعْتَبر بحَديثه إِذا بيَّنَ السماع فِي رِوَايَته . فَإِن سلم أَنه هُوَ فقد صرح (هُنَا) بِالتَّحْدِيثِ ، فَقَالَ : نَا مُحَمَّد بن بكر . كَمَا سلف ، وَجزم ابْن الْجَوْزِيّ فِي "تَحْقِيقه" بِأَنَّهُ المضعف ، وَقَالَ الْمُنْذِرِيّ : إسنادها حسن وَإِن (كَانَ) عبد الله فِيهِ أدنَى كَلَام . قلت : وَلم ينْفَرد بِهِ ، بل تَابعه عَلَيْهِ يَحْيَى بن مُوسَى كَمَا سَيَأْتِي ، وَقَالَ ابْن الْقطَّان : هَذَا حَدِيث لَا يَصح ؛ لِأَنَّهُ لَا يعرف إِلَّا بمُوسَى بن عُبَيْدَة وَهُوَ ضَعِيف ، عَن عمرَان بن أبي أنس . قَالَ : فَأَما رِوَايَة ابْن جريج عَن عمرَان فَلَا تصح إِلَى ابْن جريج . قَالَ : وَعبد الله بن مُعَاوِيَة هَذَا لَا يعرف حَاله . وَأقرهُ صَاحب "الإِمَام" عَلَى هَذِه الْمقَالة . قَالَ ابْن الْقطَّان : فَإِن قلت : قد رَوَاهُ عَن مُحَمَّد بن بكر غَيره ، وَهُوَ يَحْيَى بن مُوسَى الْبَلْخِي [5/588] الْمَعْرُوف بخت وَهُوَ ثِقَة . فَالْجَوَاب : أَن الْمُؤَاخَذَة إِنَّمَا هِيَ عَلَى رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ ، عَلَى أَن لرِوَايَة ابْن جريج عَن عمرَان لَو صحت من رِوَايَة يَحْيَى بن مُوسَى شَأْنًا آخر وَهُوَ الِانْقِطَاع . قَالَ التِّرْمِذِيّ فِي كتاب "الْعِلَل" : نَا يَحْيَى بن مُوسَى ، نَا مُحَمَّد بن (بكر) ثَنَا ابْن جريج ، عَن عمرَان ، عَن مَالك ، عَن أبي ذَر قَالَ : سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَقُول : " فِي الْإِبِل صدقتها ، وَفِي الْغنم صدقتها ، وَفِي الْبَقر صدقتها ، وَفِي الْبَز صدقته " ثمَّ قَالَ : سَأَلت مُحَمَّدًا عَن هَذَا الحَدِيث ؟ فَقَالَ : ابْن جريج لم يسمع من عمرَان بن أبي أنس ، يَقُول : حدثت عَن عمرَان بن أَبَى أنس . انْتَهَى . (وَقد أسلفنا ذَلِك عَن رِوَايَة أَحْمد) . قَالَ ابْن الْقطَّان : فَالْحَدِيث عَلَى هَذَا مُنْقَطع ، وَابْن جريج لم يقل : "نَا عمرَان" وَهُوَ مُدَلّس . قلت : قد أخرجه الْحَاكِم فِي "مُسْتَدْركه" من حَدِيث سعيد بن سَلمَة بن أبي الحسام ، نَا عمرَان بن أبي أنس ، عَن مَالك بن أَوْس ، عَن أبي ذَر ، مَرْفُوعا كَمَا سلف . وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي "سنَنه" من هَذَا [5/589] الْوَجْه أَيْضا ، فَهَذِهِ الطَّرِيقَة سَالِمَة (من) الِانْقِطَاع . ثمَّ قَالَ الْحَاكِم : تَابعه ابْن (جريج) عَن عمرَان ، ثمَّ سَاقه كَمَا سلف ، ثمَّ قَالَ : كلا الإسنادين صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ . وَاعْترض الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي "الإِمَام" عَلَى ابْن الْقطَّان ، فَقَالَ : مَا ذكره من جِهَة التِّرْمِذِيّ عَن يَحْيَى بن مُوسَى ، يَقْتَضِي صِحَّته إِلَى ابْن جريج ، لَا كَمَا ذكر أَولا ، وَالتَّعْلِيل بالانقطاع غير التَّعْلِيل بِعَدَمِ الصِّحَّة إِلَى ابْن جريج . قَالَ : وَطَرِيق ابْن جريج أخرجهَا الْحَاكِم فِي "الْمُسْتَدْرك" من (غير) جِهَة عبد الله بن مُعَاوِيَة ، عَن مُحَمَّد بن بكر ، فتزول الْعلَّة الَّتِي ذكرهَا ابْن الْقطَّان فِي كَون الحَدِيث لَا يَصح إِلَى ابْن جريج ، ثمَّ سَاقه من حَدِيث الْحَاكِم ، (من) طَرِيق ابْن جريج ، ثمَّ قَالَ : وَهَذَا وَإِن كَانَ يزِيل مَا اعْترض بِهِ من عدم الصِّحَّة إِلَى ابْن (جريج) ، فَلَا يزِيل مَا ذكر عَن البُخَارِيّ من أَن ابْن جريج لم يسمع من عمرَان ، فَمن هَذَا الْوَجْه يسْتَدرك عَلَى "الْمُسْتَدْرك" ثمَّ قَالَ : وَرَوَاهُ الْحَاكِم من جِهَة سعيد بن سَلمَة ، ثَنَا عمرَان بن أبي أنس ، فَهَذَا الْوَجْه [5/590] خرج مِنْهُ ابْن جريج عَن عمرَان ، وَقد وَقع فِيهِ التَّصْرِيح بِسَمَاع سعيد مِنْهُ ، وَهُوَ من رجال مُسلم . ثمَّ اعْترض عَلَى الْحَاكِم فِي قَوْله : "إِن الإسنادين عَلَى شَرطهمَا" بِأَن قَالَ : كِلَاهُمَا يرجع إِلَى عمرَان (بن) أبي أنس ، وَهُوَ مَذْكُور فِيمَن انْفَرد (مُسلم بِهِ فَكيف يكون عَلَى شَرطهمَا ؟ قلت : قد أسلفنا فِي أَوَائِل كتَابنَا هَذَا أَن مُرَاد) الْحَاكِم بقوله : "عَلَى شَرطهمَا" أَو "عَلَى شَرط أَحدهمَا" أَن رِجَاله ثِقَات احْتج الشَّيْخَانِ أَو أَحدهمَا بمثلهم (لَا أَنهم) أنفسهم ، فَلَا إِيرَاد عَلَيْهِ إِذن . ثمَّ اعْلَم بعد ذَلِك أَن ابْن الْجَوْزِيّ ذكر الطّرق الثَّلَاثَة الأول ، من (عِنْد) الدَّارَقُطْنِيّ ، عَلَى وَجه الِاحْتِجَاج بهَا ، و(قَالَ) إِن الطَّرِيق الَّتِي فِيهَا عبد الله بن مُعَاوِيَة أصلح من اللَّتَيْنِ قبلهَا ؛ لأجل مُوسَى بن عُبَيْدَة ؛ فَإِنَّهُ أَشد ضعفا . وَعِنْدِي أَن طَريقَة الْحَاكِم وَالدَّارَقُطْنِيّ من جِهَة سعيد بن سَلمَة أولَى مِنْهَا وَلم (يعْتَبر) بهَا ابْن الْجَوْزِيّ . فَائِدَة : قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : "وَفِي الْبَز صدقته" هُوَ بِفَتْح الْبَاء وبالزاي ، هَكَذَا رَوَاهُ ، وَصرح بالزاي الدَّارَقُطْنِيّ كَمَا سلف ، ثمَّ الْبَيْهَقِيّ فِي "سنَنَيْهِمَا" . قَالَ أهل اللُّغَة : الْبَز : هِيَ الثِّيَاب الَّتِي هِيَ أَمْتعَة الْبَزَّاز . قَالَ النَّوَوِيّ [5/591] فِي "تهذيبه" : وَهَذَا التَّقْيِيد وَإِن كَانَ ظَاهرا لَا يحْتَاج إِلَيْهِ ، فَإِنَّمَا قيدته بِهِ لِأَن بَعضهم صحفه بِالْبرِّ بِالْبَاء وَالرَّاء . وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي "الإِمَام" : (ثمَّ) اعْلَم أَن (هُنَا) أَمرا لَا بُد من التَّنْبِيه عَلَيْهِ ؛ وَذَلِكَ أَن الأَصْل الَّذِي نقلت مِنْهُ (من) كتاب "الْمُسْتَدْرك" لَيْسَ (فِيهِ) الْبَز بالزاي الْمُعْجَمَة ، وَفِيه ضم الْبَاء فِي الْمَوْضِعَيْنِ ، فَيحْتَاج إِلَى كشف من أصل آخر مُعْتَبر ، فَينْظر إِلَى الْمُوَافقَة والمخالفة ، فَإِن اتّفق عَلَى (ضمة الْبَاء) فَلَا يكون دَلِيلا عَلَى مَسْأَلَة زَكَاة التِّجَارَة ، فَليعلم ذَلِك ، فَإِنَّمَا قصدنا الْخُرُوج عَن الْعهْدَة . قلت : الْوَاقِع فِي رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ السالفة وَالْبَيْهَقِيّ التَّقْيِيد بِأَنَّهُ بالزاي يزِيل هَذَا التَّوَقُّف . وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق .
|