[5/598] بَاب : زَكَاة الْمَعْدن والركاز
ذكر رَحِمَهُ اللَّهُ فِيهِ ثَمَانِيَة أَحَادِيث :
الحَدِيث الأول
" أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أقطع بِلَال بن الْحَارِث الْمُزنِيّ (الْمَعَادِن) الْقبلية وَأخذ مِنْهَا الزَّكَاة " .
(هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ مَالك) فِي "موطئِهِ" عَن ربيعَة بن أبي عبد الرَّحْمَن ، عَن غير وَاحِد من عُلَمَائهمْ "أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أقطع لِبلَال بن الْحَارِث الْمُزنِيّ معادن الْقبلية ، وَهِي من نَاحيَة الْفَرْع" فَتلك الْمَعَادِن لَا يُؤْخَذ (مِنْهَا) إِلَّا الزَّكَاة إِلَى الْيَوْم .
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد أَيْضا فِي "سنَنه" كَذَلِك . وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ عَن الْحُسَيْن بن إِسْحَاق ، عَن هَارُون بن عبد الله ، عَن مُحَمَّد بن الْحسن ، (عَن حميد) بن صَالح ، عَن عمَارَة وبلال ابْني يَحْيَى بن بِلَال بن الْحَارِث ، عَن أَبِيهِمَا ، عَن جدهما بِلَال بن الْحَارِث الْمُزنِيّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - " أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أقطعه هَذِه الْقطعَة ، وَكتب لَهُ : بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم ، هَذَا مَا أعْطى مُحَمَّد رَسُول الله بِلَال بن الْحَارِث ، أعطَاهُ معادن الْقبلية غوريها وجلسيها وَذَات النصب وَحَيْثُ صلح للزَّرْع من قدس (إِن كَانَ [5/599] للزَّرْع صَالحا) وَكتب مُعَاوِيَة " .
وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي "مُسْتَدْركه" فِي تَرْجَمَة بِلَال بن الْحَارِث بِسَنَدِهِ إِلَى حميد ، وَقَالَ : بدل "عمَارَة" : "الْحَارِث" وَذكر الْبَاقِي مَعَ اخْتِلَاف يسير .
وَرَوَاهُ الشَّافِعِي عَن مَالك بِلَفْظِهِ السالف ، ثمَّ قَالَ : لَيْسَ هَذَا مِمَّا يُثبتهُ أهل الحَدِيث ، وَلَو ثبتوه لم تكن [ فِيهِ ] رِوَايَة عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِلَّا إقطاعه ، فَأَما الزَّكَاة فِي الْمَعَادِن دون الْخمس فَلَيْسَتْ مروية عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِيهِ .
قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي "سنَنه" : هُوَ كَمَا قَالَ الشَّافِعِي ، فِي رِوَايَة مَالك . قَالَ : وَقد رُوِيَ عَن عبد الْعَزِيز الدَّرَاورْدِي ، عَن ربيعَة مَوْصُولا . فَرَوَاهُ بِإِسْنَادِهِ عَن نعيم بن حَمَّاد ، عَن عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد ، عَن ربيعَة بن أبي عبد الرَّحْمَن ، عَن الْحَارِث بن بِلَال بن الْحَارِث ، (عَن أَبِيه " أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَخذ من الْمَعَادِن الْقبلية الصَّدَقَة ، [ وَإنَّهُ ] أقطع بِلَال بن الْحَارِث) العقيق أجمع ، فَلَمَّا كَانَ عمر بن الْخطاب قَالَ لِبلَال : إِن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - لم يقطعك إِلَّا لتعمل . قَالَ : فأقطع عمر بن الْخطاب للنَّاس العقيق " .
وَرَوَاهُ من (هَذَا) الْوَجْه الْحَاكِم فِي "مُسْتَدْركه" عَلَى [5/600] "الصَّحِيحَيْنِ" ، (ثمَّ) قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح ، وَلم يُخرجهُ الشَّيْخَانِ ، وَقد احْتج البخاري بنعيم بن حَمَّاد ، وَمُسلم بالدراوردي .
قلت : نعيم والدراوردي لَهما مَا يُنكر ، والْحَارث لَا أعرف حَاله ، لَا جرم قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي "الْإِلْمَام" : لعلّ الْحَاكِم علم حَال الْحَارِث . وَرَوَاهُ أَيْضا فِي "مُسْتَدْركه" فِي تَرْجَمَة بِلَال ، من وَجه آخر كَمَا سلف .
قَالَ (أَبُو عمر) بن عبد الْبر : هَكَذَا هُوَ فِي "الْمُوَطَّأ" عِنْد جَمِيع الروَاة مُرْسلا ، وَلم يخْتَلف فِيهِ عَن مَالك ، وَذكر أَن الدَّرَاورْدِي رَوَاهُ عَن ربيعَة ، عَن الْحَارِث بن بِلَال بن الْحَارِث الْمُزنِيّ ، عَن أَبِيه ، وَقَالَ أَيْضا : وَإسْنَاد ربيعَة فِيهِ صَالح حسن .
وَقَالَ (أَبُو مُحَمَّد) بن حزم فِي "محلاه" : هَذَا لَيْسَ بِشَيْء ؛ لِأَنَّهُ مُرْسل . وَمنع ابْن الْجَوْزِيّ تَسْمِيَته بذلك ، فَقَالَ فِي "تَحْقِيقه" بعد استدلاله بِهِ : إِن قيل قَوْله : "عَن غير وَاحِد" يَقْتَضِي الْإِرْسَال . قُلْنَا : ربيعَة قد لَقِي الصَّحَابَة ، وَالْجهل بالصحابي لَا يضر ، وَلَا يُقَال : هَذَا مُرْسل . قَالَ : ثمَّ قد رَوَاهُ الدَّرَاورْدِي ، عَن ربيعَة ، عَن الْحَارِث بن بِلَال ، عَن بِلَال ؛ أَنه عَلَيْهِ السَّلَام أَخذ مِنْهُ زَكَاة الْمَعَادِن الْقبلية ، (قَالَ) : قَالَ ربيعَة : وَهَذِه الْمَعَادِن تُؤْخَذ مِنْهَا الزَّكَاة إِلَى هَذَا الْوَقْت . قَالَ : وَرَوَاهُ ثَوْر ، عَن عِكْرِمَة ، عَن ابْن عَبَّاس ، مثل حَدِيث بِلَال .
[5/601] قلت : وَله طَرِيق آخر أخرجه أَبُو دَاوُد ، من حَدِيث كثير بن عبد الله بن عَمْرو بن عَوْف الْمُزنِيّ ، عَن أَبِيه ، عَن جده أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أقطع بِلَال بن الْحَارِث الْمُزنِيّ معادن الْقبلية جلسيها وغوريها ، وَحَيْثُ يصلح الزَّرْع من قدس وَلم (يُعْطه) حق مُسلم ، وَكتب لَهُ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم ، هَذَا مَا أعْطى مُحَمَّد رَسُول الله بِلَال بن الْحَارِث الْمُزنِيّ ، أعطَاهُ معادن الْقبلية جلسها وغورها ، وَحَيْثُ يصلح الزَّرْع من قدس ، وَلم يُعْطه حق مُسلم " .
قَالَ أَبُو دَاوُد : ونا غير وَاحِد ، عَن حُسَيْن بن مُحَمَّد ، نَا أَبُو أويس ، قَالَ : وحَدثني ثَوْر بن يزِيد ، عَن عِكْرِمَة ، عَن ابْن عَبَّاس ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - مثله . زَاد ابْن النَّضر : "وَكتب أبي بن كَعْب" . وَكثير هَذَا ضَعَّفُوهُ ، وَأَبُو أويس عبد الله بن عبد الله أخرج لَهُ مُسلم ، وَضَعفه غير وَاحِد .
قَالَ ( ابْن) عبد الْبر فِي "تمهيده" : كثير مجمع عَلَى ضعفه لَا يحْتَج بِمثلِهِ
، ( وَهُوَ غَرِيب من حَدِيث ابْن عَبَّاس ، لَيْسَ يرويهِ غير أبي أويس عَن ثَوْر ) .
[5/602] قلت : وَأَبُو أويس قد علمت حَاله . قَالَ (الْحَافِظ جمال الدَّين) الْمزي : وَرَوَاهُ إِسْمَاعِيل بن أبي أويس ، عَن أَبِيه أبي أويس ، وَعَن عَمه مُوسَى ابْن يسَار جَمِيعًا عَن عِكْرِمَة ، عَن ابْن عَبَّاس . وَنقل عبد الْحق فِي "الْأَحْكَام" [ عَن ابْن عبد الْبر ] أَنه قَالَ فِي هَذَا الحَدِيث : إِنَّه مُنْقَطع . وَلم أر ذَلِك فِي "تمهيده" وَلَا "استذكاره" ، وَقد تعقبه ابْن الْقطَّان [ فَقَالَ : ] نعم هُوَ مُنْقَطع ؛ من أجل أَن أَبَا دَاوُد قَالَ : نَا غير وَاحِد عَن حُسَيْن بن مُحَمَّد .
فَائِدَة فِي ضبط مَا وَقع من الْأَلْفَاظ الغريبة الَّتِي قد تصحف : الْفَرْع بِضَم الْفَاء وَبعدهَا رَاء سَاكِنة ؛ كَذَا قيدها (الْحَافِظ أَبُو بكر) الْحَازِمِي فِي "المؤتلف" ، قَالَ : وَهُوَ قَرْيَة من نَاحيَة الربذَة عَن يسَار السقيا ، بَينهَا وَبَين الْمَدِينَة ثَمَانِيَة برد ، وَقيل : أَربع لَيَال ، بهَا مِنْبَر ونخل ومياه ، وَهِي لقريش وَالْأَنْصَار وَمُزَيْنَة . وضبطها الْبكْرِيّ بِضَم الأول وَالثَّانِي وَالْعين الْمُهْملَة ، وَقَالَ : حجازي من أَعمال الْمَدِينَة (الواسعة) والصفراء ، وأعمالها من الْفَرْع ومضافة إِلَيْهِمَا . وَكَذَا ضَبطهَا الْمُنْذِرِيّ فِي "مُخْتَصر السّنَن" ثمَّ قَالَ : وسكَّن الْفَاء بَعضهم . قَالَ : وَهُوَ مَوضِع [5/603] بِأَعْلَى الْمَدِينَة ، وَاسع ، عَلَى طَرِيق مَكَّة ، وَفِيه مَسَاجِد النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ، ومنابره ، وقرى كَثِيرَة . وَقَالَ فِي كَلَامه عَلَى أَحَادِيث "الْمُهَذّب" : هُوَ مَوضِع بَين نَخْلَة وَالْمَدينَة . وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي "تهذيبه" : هِيَ قَرْيَة ذَات نخل وَزرع ومياه جَامِعَة ، بَين مَكَّة وَالْمَدينَة ، عَلَى نَحْو أَربع مراحل من الْمَدِينَة . قَالَ الْبكْرِيّ : وَالْفرع من أشرف ولايات الْمَدِينَة .
والقبلية : بِفَتْح الْقَاف ، وَالْبَاء الْمُوَحدَة الْمَفْتُوحَة أَيْضا وَكسر اللَّام بعْدهَا ، كَذَا ضَبطه الْبكْرِيّ فِي "مُعْجَمه" ، وَالشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي "الْإِلْمَام" وَالنَّوَوِيّ فِي "تهذيبه" و"مَجْمُوعه" وَادَّعَى فِي "مَجْمُوعه" أَنه لَا خلاف فِي هَذَا الضَّبْط ، قَالَ : وَقد تصحف ، قَالَ : وَهُوَ مَوضِع (من) نَاحيَة الْفَرْع .
وَلَيْسَ كَمَا ادَّعَاهُ من نفي الْخلاف ؛ فقد نقل الْمُنْذِرِيّ فِي "حَوَاشِيه" عَن كتاب "الْأَمْكِنَة" أَن الْقبلية بِكَسْر الْقَاف (وَفتح الْبَاء ثمَّ قَالَ : وَالْمَحْفُوظ فِي الحَدِيث أَن الْقبلية مَنْسُوب إِلَى قبل بِفَتْح الْقَاف) وَالْبَاء الْمُوَحدَة ، وَهِي نَاحيَة من سَاحل الْبَحْر ، بَينهَا وَبَين الْمَدِينَة خَمْسَة أَيَّام .
وجَلْس : بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون اللَّام ثمَّ سين مُهْملَة ، قَالَ الْأَصْمَعِي : كل مُرْتَفع جلْس . والغوْر : مَا (انخفض) من الأَرْض ، يُرِيد أَنه أقطعه [5/604] وِهَادَهَا ورُبَاها ، هَذَا كَلَامه . وَيُقَال (لنجد) جَلْس ، قَالَ أَبُو عبيد وَابْن قُتَيْبَة : الغَوْريُّ : مَا كَانَ من بِلَاد تهَامَة ، والجلْس : مَا (كَانَ) من بِلَاد نجد .
وقُدْس : (بِضَم) الْقَاف وَسُكُون الدَّال ، جبل مَعْرُوف من جبال تهَامَة ، قَالَه الْبكْرِيّ . وَهُوَ جبل العَرْج . قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي : قُدس مُؤَنّثَة . وَقَالَ ابْن الْأَثِير : قدس جبل مَعْرُوف ، وَقيل : هُوَ الْموضع (الْمُرْتَفع) الَّذِي يصلح للزِّرَاعَة . قَالَ : وَفِي كتاب "الْأَمْكِنَة" إِنَّه (قديس ، وَقدس) جبلان ، وَأما قَدَس بِفَتْح الْقَاف وَالدَّال فموضع بِالشَّام .
وَوَقع فِي أبي دَاوُد : (جِرسها) بِكَسْر الْجِيم ثمَّ رَاء مُهْملَة ، وَالْمَحْفُوظ بِاللَّامِ وَفتح الْجِيم .