الحَدِيث الْحَادِي بعد السِّتين
عَن أم هَانِئ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قَالَت : " دخل عليَّ النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وَأَنا صَائِمَة ، فناولني فضل شرابه ، فَقلت : يَا رَسُول الله ، إِنِّي كنت صَائِمَة ، وَإِنِّي كرهت أَن أرد سؤرك . فَقَالَ : إِن كَانَ قَضَاء من رَمَضَان فصومي يَوْمًا مَكَانَهُ ، وَإِن كَانَ تَطَوّعا فَإِن شِئْت فاقضيه ، وَإِن شِئْت فَلَا تقضيه " .
[5/735] هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَحْمد فِي "مُسْنده" ، وَالطَّبَرَانِيّ فِي "أكبر معاجمه" وَأَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيّ ، وَالنَّسَائِيّ ، وَالدَّارَقُطْنِيّ ، وَالْبَيْهَقِيّ فِي "سُنَنهمْ" من حَدِيث سماك بن حَرْب ، عَن هَارُون بن أم هَانِئ ، عَن أم هَانِئ ، قَالَ ( التِّرْمِذِيّ ) : فِي إِسْنَاده مقَال . وَقَالَ النَّسَائِيّ : اخْتلف عَلَى سماك فِيهِ ، وَسماك لَيْسَ يعْتَمد عَلَيْهِ إِذا انْفَرد بِالْحَدِيثِ . وَقَالَ عبد الْحق بعد أَن رَوَاهُ من طَرِيق النَّسَائِيّ ، عَن حَمَّاد بْن سَلمَة ، عَن سماك بِهِ : هَذَا أحسن أَسَانِيد هَذَا الحَدِيث ، وَإِن كَانَ لَا يحْتَج بِهِ . قَالَ ابْن الْقطَّان : هُوَ كَمَا ذكر إِلَّا أَن الْعلَّة لم يبينها وَهِي الْجَهْل بهَارُون بن أم هَانِئ أَو ابْن ابْنة أم هَانِئ فَكل ذَلِك قيل فِيهِ ، وَهُوَ لَا يعرف أصلا . وَقَالَ الْمُنْذِرِيّ فِي "مُخْتَصر السّنَن" : فِي إِسْنَاده [5/736] مقَال وَلَا يثبت . قَالَ : وَفِي إِسْنَاده اخْتِلَاف كثير أَشَارَ إِلَيْهِ النَّسَائِيّ .
قلت : وَحَاصِل الِاخْتِلَاف فِيهِ أَنه اخْتلف عَلَى سماك ، فَتَارَة رَوَاهُ عَن أبي صَالح باذان ، وَهُوَ ضَعِيف كَمَا مر فِي الْجَنَائِز ، وَتارَة عَن جعدة وَهُوَ مَجْهُول . قَالَ البُخَارِيّ فِي "تَارِيخه" : جعدة من ولد أم هَانِئ ، عَن أبي صَالح ، عَن أم هَانِئ رَوَى عَنهُ شُعْبَة ، لَا يعرف إِلَّا بِحَدِيث فِيهِ نظر .
وَقَالَ النَّسَائِيّ : لم يسمعهُ جعدة من أم هَانِئ وَتارَة عَن هَارُون ، وَهُوَ مَجْهُول الْحَال كَمَا قَالَه ابْن الْقطَّان . وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ من طرق عَن سماك وفِيهِ قَوْله : " فَإِن شِئْت فاقضيه وَإِن شِئْت فَلَا تقضيه " . وَرَوَاهُ بِهَذَا اللَّفْظ من طَرِيق حَمَّاد عَنهُ (فَقَط ، وَحَمَّاد هَذَا هُوَ ابْن سَلمَة ثِقَة ثَبت من رجال مُسلم ، لَكنا) أسلفنا عَن الْبَيْهَقِيّ أَنه قَالَ فِي الحَدِيث الثَّالِث عشر من بَاب شُرُوط الصَّلَاة (إِن حماداً) اخْتلف فِي عَدَالَته ، وَقَالَ فِي بَاب من أَدَّى الزَّكَاة : سَاءَ حفظه فِي آخر عمره ، فالحفاظ لَا يحتجون بِمَا يُخَالف فِيهِ ، ويتجنبون مَا ينْفَرد بِهِ عَن قيس بن ثَابت وَأَمْثَاله .
قلت : ووراء ذَلِك كُله أَمر آخر وَهُوَ أَن هَذَا من النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كَانَ يَوْم الْفَتْح - كَمَا أخرجه النَّسَائِيّ ، وَالطَّبَرَانِيّ وَغَيرهمَا من حَدِيث يَحْيَى بن [5/737] جعدة السالف عَن أم هَانِئ " أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ دخل عَلَيْهَا يَوْم الْفَتْح ، فَأتي بِإِنَاء فَشرب مِنْهُ ، ثمَّ ناولني فَقلت : إِنِّي صَائِمَة ؟ فَقَالَ : إِن المتطوع أَمِير عَلَى نَفسه ، فَإِن شِئْت فصومي ، وَإِن شِئْت فأفطري " هَذَا لفظ النَّسَائِيّ ، وَلَفظ الطَّبَرَانِيّ : " فَشرب مِنْهُ وسقاها . قَالَت : إِنِّي كنت صَائِمَة وَلَكِن كرهت أَن أرد عَلَيْك (شرابك . قَالَ : كنت تقضين ؟ قلت : لَا . قَالَ : لَا يَضرك " انْتَهَى . فَلْيتَأَمَّل ذَلِك) وَكَيف يَقع الْقَضَاء فِي رَمَضَان .
فَائِدَة : السؤر بِالْهَمْزَةِ .
هَذَا آخر الْكَلَام عَلَى أَحَادِيث الْبَاب بِفضل الله وَمِنْه
.