[6/38] الحَدِيث السَّابِع
رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : " من لم يحْبسهُ مرض ، أَو (مشقة) ظَاهِرَة ، أَو سُلْطَان جَائِر ، فَلم يحجّ فليمت إِن شَاءَ يهوديًّا وَإِن شَاءَ نصرانيًّا " .
هَذَا الحَدِيث مَرْوِيّ من طرق : أَحدهَا من حَدِيث أبي أُمَامَة رَضِي اللهُ عَنْهُ مَرْفُوعا : " من لم يحْبسهُ مرض ، أَو حَاجَة ظَاهِرَة ، أَو سُلْطَان جَائِر ، وَلم يحجّ فليمت إِن شَاءَ يهوديًّا أَو نصرانيًّا " .
رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث شَاذان ، عَن شريك ، عَن لَيْث ، عَن ابْن (سابط) ، عَن أبي أُمَامَة (بِهِ) .
(و) قَالَ : هَذَا الحَدِيث وَإِن كَانَ إِسْنَاده غير قوي (فَلهُ) شَاهد من قَول عمر بن الْخطاب .
فَذكره بِإِسْنَادِهِ إِلَيْهِ أَنه قَالَ : " ليمت يهوديًّا أَو نصرانيًّا - يَقُولهَا ثَلَاث مَرَّات - : رجل مَاتَ وَلم يحجَّ ، وجد لذَلِك سَعَة وخليت سَبيله " .
وَرَوَاهُ سعيد بن مَنْصُور بِلَفْظ : " لقد هَمَمْت أَن أبْعث رجَالًا إِلَى هَذِه الْأَمْصَار فينظروا كل من كَانَ لَهُ جِدَة وَلم يحجّ ؛ فيضربوا عَلَيْهِم الْجِزْيَة (مَا هم بمسلمين) " .
وَقَالَ الْحَافِظ [6/39] أَبُو مُحَمَّد الْمُنْذِرِيّ : إِسْنَاده حسن ، شَاهد لحَدِيث أبي أُمَامَة .
وَرَوَاهُ أَحْمد فِي "كتاب الْإِيمَان" : عَن وَكِيع ، عَن (سُفْيَان) عَن لَيْث ، عَن ابْن سابط قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : " من مَاتَ وَلم يحجّ وَلم يمنعهُ من ذَلِك مرض حَابِس ، أَو سُلْطَان ظَالِم ، أَو حَاجَة ظَاهِرَة ، فليمت عَلَى أَي حَال شَاءَ (إِن شَاءَ) يهوديًّا ، وَإِن شَاءَ نصرانيًّا " .
وَهَذَا مُرْسل ، وَرَوَاهُ فِي "مُسْنده" مُتَّصِلا (فِيهِ من لَا أعرف حَاله) - بِلَفْظ : " من كَانَ ذَا يسَار فَمَاتَ وَلم يحجّ فليمت إِن شَاءَ يهوديًّا (و) إِن شَاءَ نصرانيًّا " .
(و) (من رِوَايَة سعيد بن مَنْصُور فِي "سنَنه" بِلَفْظ : " لقد هَمَمْت أَن أبْعث رجَالًا .
" إِلَى آخِره ، تقدم) .
وَاعْلَم أَن ابْن الْجَوْزِيّ ذكر هَذَا الحَدِيث فِي "تَحْقِيقه" من حَدِيث أبي عرُوبَة الْحَرَّانِي ، نَا الْمُغيرَة بن عبد الرَّحْمَن ، نَا يزِيد بن هَارُون ، نَا شريك ، عَن لَيْث ، عَن عبد الرَّحْمَن بن سابط ، عَن أبي أُمَامَة مَرْفُوعا بِلَفْظ الْبَيْهَقِيّ ، ثمَّ قَالَ : قَالَ يَحْيَى بن معِين : الْمُغيرَة لَيْسَ بِشَيْء .
وَلَيْث قد تَركه يَحْيَى بن معِين وَابْن مهْدي [6/40] وَأحمد ، وَقد رَوَاهُ (عمار) بن (نصر) ، عَن شريك ، عَن سَالم ، عَن أبي أُمَامَة ، قَالَ العقيليُّ : عمار يحدث عَن الثِّقَات بِالْمَنَاكِيرِ .
وَقَالَ ابْن عدي : مَتْرُوك الحَدِيث .
هَذَا آخر كَلَامه ، وَفِيه نظر من وُجُوه : أَحدهَا : يَحْيَى إِنَّمَا قَالَ هَذَا الْكَلَام فِي الْمُغيرَة بن عبد الرَّحْمَن [ الْحزَامِي ] وَهُوَ مُتَقَدم عَلَى رَاوِي هَذَا الحَدِيث ، يروي عَن أبي الزِّنَاد وَغَيره ، ويروي عَنهُ قُتَيْبَة وَغَيره ، وَهُوَ من رجال "الصَّحِيحَيْنِ " ، وَأما رَاوِي هَذَا الحَدِيث فَهُوَ الْحَرَّانِي شيخ متأخِّر ، رَوَى عَنهُ النَّسَائِيّ وَوَثَّقَهُ وَلَا (نَعْرِف) أحدا تكلم فِيهِ .
وَقد ذكر هُوَ - أَعنِي ابْن الْجَوْزِيّ - الْحزَامِي فِي "ضُعَفَائِهِ" ، وَحَكَى كَلَام يَحْيَى فِيهِ ، (و) قَالَ : وَجُمْلَة من فِي الحَدِيث اسْمه (مُغيرَة) بن عبد الرَّحْمَن سِتَّة لَا نَعْرِف قدحًا فِي أحد مِنْهُم غَيره .
قلت : وَلم ينْفَرد الْمُغيرَة عَن يزِيد (بِهَذَا) الحَدِيث ؛ بل تَابعه [6/41] مُحَمَّد بن أسلم الطوسي ، عَن يزِيد .
وَرَوَاهُ الْبَغَوِيّ فِي "تَفْسِير سُورَة آل عمرَان" من رِوَايَة سهل بن عمار ، عَن (يزِيد) .
وَسَهل كذبه الْحَاكِم ، وَقد رَوَاهُ عَن شريك غير يزِيد ، رَوَاهُ أَبُو يعْلى ، عَن بشر بن الْوَلِيد (الْكِنْدِيّ) ، (عَن شريك) ، عَن لَيْث بِهِ بِلَفْظ : "من لم (يمنعهُ) من الْحَج مرض حَابِس أَو حَاجَة ؛ فليمت إِن شَاءَ يهوديًّا ، وَإِن شَاءَ نصرانًّيا" ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث شَاذان ، نَا شريك ، عَن لَيْث بِهِ ، كَمَا سلف ، وَقد رَوَاهُ عَن لَيْث غير شريك .
(رَوَاهُ) سُفْيَان عَنهُ كَمَا سلف ، عَن رِوَايَة الإِمَام أَحْمد فِي "كتاب (الْإِيمَان) " ، وَإِسْمَاعِيل ابن إِبْرَاهِيم - وَهُوَ ابْن عُلية - عَنهُ ، عَن ابْن سابط رَفعه : " من مَاتَ وَلم يحجّ حجَّة الْإِسْلَام وَلم يمنعهُ من ذَلِك حَاجَة ظَاهِرَة ، أَو مرض حَابِس ، أَو سُلْطَان ظَالِم ، فليمت عَلَى أَي حَال شَاءَ إِن شَاءَ يهوديًّا ، وَإِن شَاءَ نصرانيًّا " ، رَوَاهُ أَحْمد أَيْضا فِي الْكتاب الْمَذْكُور .
الثَّانِي (قَوْله) : " لَيْث قد تَركه يَحْيَى بن معِين وَابْن مهْدي وَأحمد " تبع فِيهِ ابْن حبَان ، وَقد رَوَى ابْن مهْدي ، عَن سُفْيَان وَغَيره [6/42] عَنهُ ، كَمَا (قَالَه) الفلاس ، وَقَالَ أَحْمد : هُوَ مُضْطَرب الحَدِيث لَكِن حدث عَنهُ النَّاس .
وَقَالَ أَبُو دَاوُد : سَأَلت يَحْيَى عَنهُ فَقَالَ : لَيْسَ بِهِ بَأْس .

الثَّالِث (قَوْله) : "وَقد رَوَاهُ عمار بن نصر ، عَن شريك" صَوَابه ابْن مطر ، (وجد فِي بعض نسخه وَكَذَا ذكره فِي "مَوْضُوعَاته" ، وَهُوَ عمار بن مطر الرهاوي ، كَذَا أخرجه ابْن عدي فِي تَرْجَمَة عمار بن مطر) وَقَالَ : هَذَا الحَدِيث عَن شريك غير مَحْفُوظ ، وعمار بن مطر (الضعْف) عَلَى رِوَايَته بَين ، وَكَذَا أخرجه أَبُو يعْلى الْموصِلِي ، عَن عمار ، عَن شريك .
الرَّابِع : قَوْله : "عَن شريك ، عَن سَالم ، عَن أبي أُمَامَة " سقط بَين شريك وَسَالم رجل ، وَهُوَ مَنْصُور ، كَذَا أخرجه أَبُو يعْلى فَتنبه لهَذِهِ الْأُمُور ، وَقد ذكر ابْن الْجَوْزِيّ حَدِيث أبي أُمَامَة هَذَا فِي "مَوْضُوعَاته" من هذَيْن الطَّرِيقَيْنِ و(ضعفهما) بِمَا تقدم ، وَلَا أَدْرِي مَا (مُسْتَنده) فِي وضعهما .
[6/43] الطَّرِيق الثَّانِي : من حَدِيث عَلّي - كرم الله وَجهه - أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : " من ملك زادًا وراحلة تبلغه إِلَى بَيت الله (الْحَرَام) وَلم يحجّ فَلَا عَلَيْهِ أَن يَمُوت يهوديًّا (أَو نصرانيًّا) ، وَذَلِكَ لِأَن الله تَعَالَى قَالَ فِي كِتَابه : (وَللَّه عَلَى النَّاس حج الْبَيْت من اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا) .
رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث هِلَال بن عبد الله مولَى ربيعَة بن عَمْرو بن مُسلم الْبَاهِلِيّ ، عَن أبي إِسْحَاق الْهَمدَانِي ، عَن الْحَارِث ، عَن عَلّي بِهِ ، ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث غَرِيب لَا نعرفه إِلَّا من هَذَا (الْوَجْه) .
قَالَ : وَفِي إِسْنَاده مقَال .
قَالَ : والْحَارث (يضعف) ، وهلال مَجْهُول .
قلت : وَقَالَ الْعقيلِيّ : لَا يُتَابع عَلَى حَدِيثه
.
قَالَ : وَهَذَا الْمَتْن يُروى عَن عَلّي مَوْقُوفا (وَيروَى) مَرْفُوعا من طَرِيق (أصلح) من هَذَا .
وَخَالف الْمُنْذِرِيّ فَقَالَ : حَدِيث أبي أُمَامَة عَلَى مَا فِيهِ أصلحها .
(وَأبْعد) ابْن الْجَوْزِيّ ، فَذكر هَذَا الحَدِيث فِي "مَوْضُوعَاته" ، وَقَالَ : إِنَّه حَدِيث لَا يَصح عَن رَسُول الله .
وَلَو ذكره فِي "علله" لَكَانَ [6/44] أنسب ، وَقَالَ الْفَقِيه أَبُو بكر بن الجهم الْمَالِكِي بعد تَخْرِيجه : سَأَلت إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ عَنهُ فتبسَّم وَقَالَ : من هِلَال بن عبد الله ؟ ! وَقَالَ البُخَارِيّ : مُنكر الحَدِيث .
وَقَالَ الْحَاكِم أَبُو أَحْمد : لَيْسَ بِالْقَوِيّ عِنْدهم .
وَقَالَ ابْن عدي : هُوَ مَعْرُوف بِهَذَا الحَدِيث وَلَيْسَ الحَدِيث بِمَحْفُوظ
.
الطَّرِيق الثَّالِث : من حَدِيث أبي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه رَفعه : " من مَاتَ وَلم يحجّ حجَّة الْإِسْلَام فِي غير وجع حَابِس ، أَو (حجَّة) ظَاهِرَة ، أَو سُلْطَان جَائِر فليمت (أَي الْميتَتَيْنِ) شَاءَ (إِمَّا) يهوديًّا أَو نصرانيًّا " ، رَوَاهُ ابْن عدي من حَدِيث عبد الرَّحْمَن الْقطَامِي ، عَن أبي المُهَزِّم - بِضَم الْمِيم وَفتح الْهَاء وَكسر الزَّاي الْمُعْجَمَة الْمُشَدّدَة (وَآخره مِيم) ، كَمَا ضَبطه صَاحب "الإِمَام" - عَن أبي هُرَيْرَة (بِهِ) ، وَأَبُو المهزم اسْمه يزِيد بن سُفْيَان ، وَهُوَ واه قَالَ يَحْيَى بن معِين : لَيْسَ حَدِيثه بِشَيْء .
وَقَالَ شُعْبَة : رَأَيْته وَلَو أعطي درهما لوضع خمسين حَدِيثا .
وَقَالَ أَيْضا : كَانَ فِي مَسْجِد ثَابت مطروحًا لَو أعطَاهُ إِنْسَان فلسين حَدثهُ سبعين حَدِيثا .
وَقَالَ النَّسَائِيّ : مَتْرُوك الحَدِيث .
وَقَالَ عَلّي بن الْجُنَيْد : (شبه) الْمَتْرُوك .
[6/45] وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : (ضَعِيف) .
و (أما) عبد الرَّحْمَن الْقطَامِي فَهُوَ واه ، قَالَ الفلاس : كَانَ كذابا .
وَقَالَ ابْن حبَان : يجب تنكب رواياته .
قلت : وَكَانَ السَّاجِي يَقُول : عبد الرَّحْمَن الْقطَامِي .
وَالصَّوَاب : ابْن الْقطَامِي ، وَذكره ابْن الْجَوْزِيّ فِي "مَوْضُوعَاته" أَيْضا ، وَقَالَ : إِنَّه حَدِيث لَا يَصح .

وَفِي الْكتاب الْمُسَمَّى "(الْمُغنِي) عَن الْحِفْظ وَالْكتاب بقَوْلهمْ لم يَصح شَيْء فِي الْبَاب " لأبي حَفْص الْموصِلِي بَاب حجُّوا قبل أَن لَا تَحُجُّوا : " وَمن أمكنه الْحَج فَلم يحجّ فليمت إِن شَاءَ يهوديًّا (و) إِن شَاءَ نصرانيًّا " .
قَالَ الْعقيلِيّ : لَا يَصح فِي هَذَا شَيْء .
وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : لَا يَصح (فِيهَا) شَيْء .