الحَدِيث الرَّابِع بعد الثَّلَاثِينَ
رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : " صَيدُ وجّ مُحَرَّمٌ للهِ - تَعَالَى " .
هَذَا الحَدِيث (صَحِيح) ، أخرجه أَبُو دَاوُد (فِي "سنَنه") مُنْفَردا [6/368] بِهِ ، عَن (حَامِد) بن يَحْيَى ، عَن عبد الله بن الْحَارِث ، عَن مُحَمَّد بن عبد الله الطَّائِفِي ، عَن أَبِيه ، عَن عُرْوَة بن الزبير ، (عَن أَبِيه ) ، قَالَ : " لما أَقبلنَا مَعَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - من لِيَّة حَتَّى إِذا كُنَّا عِنْد السِّدْرَة وقف رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي طرف القَرْن الْأسود حذوها فَاسْتقْبل نَخِْبا ببصره - وَقَالَ مرّة : واديه - وقف حَتَّى (اتَّقَفَ) النَّاس كلهم ، ثمَّ قَالَ : إِن صيدَ وجٍّ وعِضَاهه حَرْم مُحَرَّمٌ (لله") . وَذَلِكَ قبل نزُول الطَّائِف وحصاره لثقيف .
سكت عَلَيْهِ أَبُو دَاوُد ، وَهُوَ عَلَى قَاعِدَته حسن أَو صَحِيح ، وَكَذَا سكت عَلَيْهِ عبد الْحق ، وَهُوَ قَاض بِصِحَّتِهِ عِنْده .
(و) رَوَاهُ أَحْمد فِي "مُسْنده" ، عَن عبد الله بن الْحَارِث المَخْزُومِي : حَدَّثَني مُحَمَّد بن عبد الله بن إِنْسَان ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ خيرا ، ثمَّ سَاقه ، ( وَمُحَمّد بن عبد الله هَذَا) قَالَ أَبُو حَاتِم : إِنَّه لَيْسَ بِالْقَوِيّ ، وَفِي حَدِيثه نظر .
وَذكره البُخَارِيّ فِي "تَارِيخه الْكَبِير" وَذكر لَهُ هَذَا الحَدِيث ، وَقَالَ : لم يُتَابع عَلَيْهِ ، [6/369] وَذكر أَبَاهُ وَذكر لَهُ هَذَا الحَدِيث ، وَقَالَ : لم يَصح .
وَكَذَا قَالَ الْأَزْدِيّ ، وَقَالَ ابْن حبَان : رَوَى عَنهُ ابْنه مُحَمَّد ، لم يَصح حَدِيثه .
وَنقل مثل هَذِه الْعبارَة فِيهِ أَيْضا عَن البُخَارِيّ ابْن الْقطَّان فِي "علله " ، وَذكر ابْن أبي خَيْثَمَة ، عَن ابْن معِين أَنه قَالَ : لَيْسَ بِهِ بَأْس .
وَذكر الْخلال فِي "علله" أَن أَحْمد ضعفه .
وَقَالَ ابْن حبَان فِي "ثقاته" : كَانَ يُخطئ .
وَمثل هَذِه الْعبارَة لَا تقال إِلَّا فِيمَن رَوَى عدَّة أَحَادِيث ، فَأَما عبد الله فَهَذَا الحَدِيث أول مَا عِنْده وَآخره ، فَإِن كَانَ قد أَخطَأ فَحَدِيثه مَرْدُود عَلَى قَاعِدَة ابْن حبَان .
وَقَالَ الْعقيلِيّ : لَا يُتَابع مُحَمَّد هَذَا إِلَّا من جِهَة تقاربها ، قَالَ : وَلَيْسَ فِيهِ شَيْء إِلَّا مَرَاسِيل ، وَإسْنَاد آخر يُقَارب هَذَا
.
وَسُئِلَ عَنهُ الدَّارَقُطْنِيّ فَقَالَ فِي "علله" : يرويهِ عبد الله بن الْحَارِث المَخْزُومِي ، عَن مُحَمَّد بن عبد الله (بن عبد الله) بن إِنْسَان ، عَن أَبِيه ، عَن عُرْوَة بن الزبير ، عَن الزبير ، كَذَلِك رَوَاهُ أَحْمد بن حَنْبَل وَإِسْحَاق بن رَاهَوَيْه .
(والْحميدِي ، وَحدث الْبَغَوِيّ ، عَن أَحْمد بن حَنْبَل ، عَن عبد الله بن الْحَارِث ، فَقَالَ : عَن عبد الله بن عبد الله بن إِنْسَان .
إِنَّمَا هُوَ [6/370] مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الله ، كَذَلِك حدث بِهِ عبد الله بن أَحْمد ومُوسَى بن هَارُون ، عَن أَحْمد بن حَنْبَل ، وَكَذَلِكَ قَالَ الْحميدِي وَإِسْحَاق .
وَأغْرب الذَّهَبِيّ فَقَالَ فِي "مِيزَانه" : إِن الشَّافِعِي صحّح حَدِيثه وَاعْتمد عَلَيْهِ .
قلت : وَضَعفه من الْمُتَأَخِّرين : النَّوَوِيّ فَقَالَ فِي "شرح الْمُهَذّب ، والتهذيب" : إِسْنَاده ضَعِيف .
قَالَ : وَقَالَ البُخَارِيّ فِي "صَحِيحه" : لَا يَصح .
وَخَالف الْمُنْذِرِيّ فَقَالَ فِي كَلَامه عَلَى أَحَادِيث الْمُهَذّب ، فَقَالَ : إِنَّه حَدِيث حسن بعد أَن سَاقه من طَرِيق أبي دَاوُد ، وَقد خَالف هَذَا فِي مُخْتَصر سنَن أبي دَاوُد بِمَا تقدم .
فَائِدَة : فِي ضبط مَا وَقع فِي هَذَا الحَدِيث من الْأَلْفَاظ الَّتِي قد تُصَحَّف : لِيَّة : بِكَسْر أَوله ، وَتَشْديد ثَانِيه ، كَذَا ضَبطه الْبكْرِيّ فِي "مُعْجَمه" .
وَقَالَ صَاحب الإِمَام : هُوَ مكسور اللَّام .
فَفِي رِوَايَة الْخَطِيب مُخَفّفَة ، وَفِي رِوَايَة غَيره مُشَدّدَة كَذَا قَالَ الْبكْرِيّ ، وَهِي من أَرض الطَّائِف عَلَى أَمْيَال يسيرَة ، وَهِي عَلَى لَيْلَة من قرن .
والقَرْن : جبل صَغِير ، قَالَه الْخطابِيّ ، قَالَ : ورأيته يشرف عَلَى وهدة .
ونَخْب : بِفَتْح أَوله ، وَإِسْكَان ثَانِيه بعده بَاء مُوَحدَة ، وَاد من وَرَاء [6/371] الطَّائِف ، قَالَه الْبكْرِيّ .
قَالَ : وَحَكَى (السكونِي) نَخِب : بِكَسْر الْخَاء عَلَى وزن فَعِل .
قلت : وَكَذَا ضَبطه الْحَازِمِي فِي مؤتلفه نقلا عَنهُ ، ثمَّ قَالَ .
وَيُقَال : هُوَ وادٍ بالسِّرَاه ، وَقَالَ الْأَخْفَش : وادٍ بِأَرْض هُذَيْل .
وَقَالَ الْخطابِيّ : أرَاهُ جبلا أَو موضعا ، وَلست أُحِقُّه .
وأيقف مُطَاوع وقف تَقول : وقفته فأيقف ، مثل وعدته فأيعد وَالْأَصْل فِيهِ أييقف وأييعد ، فَلَمَّا ثقل النُّطْق بِهِ أدغموا .
(قَالَ) ابْن الْأَثِير : والعِضَاه من الشّجر مَا كَانَ لَهُ شوك .
ووَجٌّ بواوٍ مَفْتُوحَة ، ثمَّ جِيم مُشَدّدَة ، قَالَ الرَّافِعِيّ فِي الْكتاب : وَهُوَ وادٍ بصحراء الطَّائِف .
وَهَكَذَا قَالَه غَيره من أَصْحَابنَا الْفُقَهَاء ، وَقَالَهُ الْخطابِيّ أَيْضا ، وَهَذَا لَفظه : وَجٌّ ذكرُوا أَنه من نَاحيَة الطَّائِف .
وَكَذَا قَالَه ابْن الْأَثِير فِي "جَامعه" : أَنه وادٍ بَين مَكَّة والطائف .
وَقَالَ الْجَوْهَرِي : وجٌّ بلد الطَّائِف .
وَنَقله النَّوَوِيّ فِي "شرح الْمُهَذّب" و "التَّهْذِيب" عَن أهل اللُّغَة كلهم .
وَقَالَ الْحَازِمِي فِي [6/372] مؤتلفه : وجٌّ : اسْم لحصون الطَّائِف ، وَقيل لواحدٍ مِنْهَا .
وَقَالَ الْبكْرِيّ فِي "مُعْجَمه" : وَجَّ بِفَتْح أَوله وَتَشْديد ثَانِيه ، هُوَ الطَّائِف ، وَقيل هُوَ وادِ الطَّائِف ، وَفِي الحَدِيث : "وَثَقِيف أَحَق النَّاس بوَجَّ" .
وَعَن خَوْلَة بنت حَكِيم امْرَأَة عُثْمَان بن مَظْعُون مَرْفُوعا : "إِن آخر وَطْأَة وَطئهَا الله - تَعَالَى - بوجّ" .
قَالَ (أَبُو مُحَمَّد) : يُرِيد أَن آخر مَا أوقع الله بالمشركين بوج ، وَهِي الطَّائِف .
وَكَذَلِكَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة : آخر غَزْوَة غَزَاهَا رَسُول الله [6/373] صلى الله عليه وسلم الطَّائِف ، وحنين ، وحنين وَادي الطَّائِف .
وَقَالَ غَيره : إِن وَجًّا مقدس ، مِنْهُ عرج الرب - تبَارك وَتَعَالَى - إِلَى السَّمَاء حَتَّى قَضَى إِلَى السَّمَاوَات وَالْأَرْض .
قَالَ مُحَمَّد بن سهل : سميت بوج بن عبد الْحَيّ من العمالقة ، هُوَ أول من نزلها .
قَالَ الْخطابِيّ : وَلست أعلم لتَحْرِيم صيد وجٍّ مَعْنَى إِلَّا أَن يكون حرمه وقتا مَخْصُوصًا ثمَّ أحله ، وَيدل عَلَى ذَلِكَ قَوْله : "قبل نُزُوله الطَّائِف وحصاره ثقيفًا" ، ثمَّ عَاد الْأَمر [ فِيهِ ] إِلَى الْإِبَاحَة .
قلت : وَرُبمَا اشْتبهَ "وَج" هَذَا بوح بِالْحَاء الْمُهْملَة ، قَالَ الْحَازِمِي : هِيَ نَاحيَة بعمان
.