[6/699] كتاب الْحِوَالَة [6/700] [6/701] كتاب الْحِوَالَة
ذكر فِيهِ ثَلَاثَة أَحَادِيث :
أَحدهَا :
مَا رَوَاهَا الشَّافِعِي عَن مَالك ، عَن أبي الزِّنَاد ، عَن الْأَعْرَج ، عَن أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : " مطل الْغَنِيّ ظلم ، وَإِذا اتبع أحدكُم عَلَى مليءٍ فَليتبعْ " .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي "صَحِيحَيْهِمَا" من حَدِيث مَالك بِهِ ، رَوَاهُ خ عَن عبد الله بن يُوسُف ، عَن مَالك ، عَن يَحْيَى بن يَحْيَى عَنهُ ، وَأَبُو دَاوُد عَن القعْنبِي عَنهُ ، وَالنَّسَائِيّ عَن مُحَمَّد بن سَلمَة والْحَارث بن مِسْكين عَن عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم عَنهُ ، وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي الْأَحْكَام من "سنَنه" (عَن هِشَام بن عمار ، وَالنَّسَائِيّ فِي الْبيُوع من "سنَنه") أَيْضا عَن قُتَيْبَة كِلَاهُمَا عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة ، عَن أبي الزِّنَاد بِهِ .
وَله شَاهد من حَدِيث ابْن عمر أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ قَالَ : " مطل الْغَنِيّ ظلم ، وَإِذا أحلّت عَلَى مليءٍ فَاتبعهُ " ، رَوَاهُ أَحْمد (فِي [6/702] "مُسْنده" وَابْن مَاجَه فِي الْأَحْكَام من "سنَنه" من حَدِيث إِسْمَاعِيل بن تَوْبَة عَن هشيم) ، عَن يُونُس بن عبيد ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر مَرْفُوعا بِهِ .
رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث إِبْرَاهِيم بن عبد الله الْحَافِظ عَن هشيم بِهِ ، وَهَذَا إِسْنَاد جيد لَكِن نقل الضياء فِي "أَحْكَامه" عَن الإِمَام أَحْمد أَنه قَالَ : لم يسمع يُونُس بن عبيد من نَافِع ؛ إِنَّمَا سمع من ابْن نَافِع .
قَالَ الرَّافِعِيّ : وَيروَى " فَإِذا أُحِيل أحدكُم عَلَى مليءٍ فَليَحْتَلْ " وَهُوَ بِمَعْنى اللَّفْظ الأول .
قلت : هُوَ كَمَا قَالَ ، وَقد أخرجه بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور أَحْمد فِي "مُسْنده" .
فَائِدَة : المطل المدافعة .
وَقَالَ الْأَزْهَرِي : إِنَّه إطالة المدافعة .
وَقَالَ القَاضِي عِيَاض وَغَيره : إِنَّه (تَأْخِير) قَضَاء مَا اسْتحق أَدَاؤُهُ .
والمليء بِالْهَمْز : الْغَنِيّ المكثر .
قَالَه فِي "المستغرب" والأزهري قَالَ : إِنَّه الْغَنِيّ .
وَقد ورد (كَذَلِك) فِي رِوَايَة سليم والبندنيجي من أَصْحَابنَا بدل قَوْله : "مليءٍ" وَكَذَا عبارَة صَاحب "المستغرب" : إِنَّه الْغَنِيّ .
قَالَ : وَأَصله الْوَاسِع الطَّوِيل .
وَقَوله : "فَليتبعْ" هُوَ بِإِسْكَان الْمُثَنَّاة فَوق ، وَعَن بعض الْمُحدثين بتشديدها ، حَكَاهُ القَاضِي عِيَاض فِي "شَرحه" وَنَقله الْخطابِيّ عَن [6/703] أَصْحَاب الحَدِيث ، ثمَّ غلطهم فِيهِ وَصوب الإسكان .
وَقَوله : "فَإِذا أتبع" قَالَ صَاحب الْبَحْر من أَصْحَابنَا : أَصْحَاب الحَدِيث يَقُولُونَ : "اتبع" بِالتَّشْدِيدِ ، وَهُوَ غلط ، وَصَوَابه بِأَلف مَضْمُومَة وباء مُخَفّفَة .
قلت : و"اتبع" يتَعَدَّى بِنَفسِهِ ، وعدى هُنَا بِعلَى (تصحيبًا) لَهُ بِمَعْنى أُحِيل ، وَنقل الرَّافِعِيّ عَن الْجَوْهَرِي أَنه قَالَ : يُقَال : أتبع فلَان بفلان ؛ أَي : أُحِيل لَهُ عَلَيْهِ ، و(التبيع) الَّذِي لَك عَلَيْهِ (مَال) ، وَهُوَ كَمَا قَالَ ، فَهُوَ كَذَلِك فِيمَا قَالَ الرَّافِعِيّ : ثمَّ الْأَشْهر فِي الرِّوَايَة "وَإِذا أُحِيل أحدكُم" بِالْوَاو .
قلت : هِيَ رِوَايَة الشَّافِعِي و م و ت .
قَالَ : وَيروَى : "فَإِذا أُحِيل أحدكُم" بِالْفَاءِ .
قلت : هِيَ رِوَايَة خَ (لكنه) قَالَ : "فَإِذا أتبع" بدل "فَإِذا أُحِيل" .
قَالَ : فعلَى التَّقْدِير الأول هُوَ مَعَ قَوْله : "مطل الْغَنِيّ ظلم" جملتان لَا تعلق للثَّانِيَة بِالْأولَى ؛ كَقَوْلِه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ : "الْعَارِية مَرْدُودَة ، والزعيم غَارِم" وَعَلَى الثَّانِي يجوز أَن يكون الْمَعْنى فِي التَّرْتِيب أَنه إِذا كَانَ المطل ظلما من الْغَنِيّ (فليقبل من حيل بِدِينِهِ عَلَيْهِ) فَإِن الظَّاهِر أَنه يحْتَرز عَن الظُّلم وَلَا يمطل .
وَهَذَا إِذا كَانَ الْوَصْف بِالْمَعْنَى يعود إِلَى من عَلَيْهِ الدَّين ، وَقد قيل : إِنَّه يعود إِلَى من لَهُ الدَّين ، وَعَلَى هَذَا لَا يحْتَاج أَن يذكر فِي التَّقْدِير من الْغَنِيّ .
نبه عَلَيْهِ صَاحب "الْمطلب" قَالَ الرَّافِعِيّ : ثمَّ قَوْله : "فَليَحْتَلْ" أَو "فَليتبعْ" أَمر اسْتِحْبَاب ، وَعند أَحْمد للْوُجُوب .
قلت : وَعند غَيرهمَا للْإِبَاحَة .