الحَدِيث الثَّالِث
" أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أُتِي بِجنَازَة ليُصَلِّي عَلَيْهَا ، فَقَالَ : هَل عَلَى صَاحبكُم من دين ؟ فَقَالُوا : نعم دِينَارَانِ .
فَقَالَ أَبُو قَتَادَة : هما عليَّ يَا رَسُول الله .
قَالَ : فَصَلى عَلَيْهِ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - " .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، أخرجه البُخَارِيّ فِي "صَحِيحه" من حَدِيث سَلمَة بن الْأَكْوَع رَضي اللهُ عَنهُ قَالَ : " كُنَّا جُلُوسًا عِنْد رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِذْ أُتِي بِجنَازَة فَقَالُوا : صل عَلَيْهَا ، فَقَالَ : عَلَيْهِ دين ؟ قَالُوا : لَا .
قَالَ : هَل ترك شَيْئا ؟ قَالُوا : لَا .
فَصَلى عَلَيْهِ .
ثمَّ أُتِي بِجنَازَة أُخْرَى فَقَالُوا : يَا رَسُول الله ، صل عَلَيْهَا .
قَالَ : هَل عَلَيْهِ دين ؟ قيل : نعم .
قَالَ : هَل ترك شَيْئا ؟ قَالُوا : ثَلَاثَة [6/713] دَنَانِير .
فَصَلى عَلَيْهَا ، ثمَّ أُتِي بثالثة فَقَالُوا : صل عَلَيْهَا .
قَالَ : هَل ترك شَيْئا ؟ قَالُوا : لَا .
قَالَ : هَل عَلَيْهِ دين ؟ قَالُوا : ثَلَاثَة دَنَانِير .
قَالَ : صلوا عَلَى صَاحبكُم .
قَالَ : أَبُو قَتَادَة : صل عَلَيْهِ يَا رَسُول الله وعليَّ دينه .
فَصَلى عَلَيْهِ " وَفِي رِوَايَة لِأَحْمَد وَالْبَيْهَقِيّ فِي الْجِنَازَة الأولَى بعد قَوْله "ثَلَاثَة دَنَانِير قَالَ : (ثَلَاث) كيات
" .
وَأخرجه أَحْمد و (أَبُو) دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن حبَان فِي "صَحِيحه" وَالْبَيْهَقِيّ من حَدِيث جَابر ، وَفِيه أَن الدَّين كَانَ (دينارين) وَفِي رِوَايَة أَحْمد : " فَلَمَّا فتح الله - عَزَّ وجَلَّ - عَلَى رَسُوله ، قَالَ : أَنا أولَى بِكُل مُؤمن من نَفسه ؛ من ترك دينا فعليَّ ، وَمن ترك مَالا فلورثته " وَأخرجه التِّرْمِذِيّ وَصَححهُ النَّسَائِيّ من حَدِيث أبي قَتَادَة بِدُونِ تعْيين قدر الدَّين .
وَأخرجه أَحْمد وَابْن مَاجَه من حَدِيثه أَيْضا [6/714] بِتَعْيِين مِقْدَاره ، وَهُوَ تِسْعَة عشر أَو ثَمَانِيَة عشر درهما وَفِيه : "أَن الْمَيِّت رجل من الْأَنْصَار" .
وَرَوَاهُ أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي "صَحِيحه" كَذَلِك إِلَّا أَنه قَالَ : "سَبْعَة عشر" بدل "تِسْعَة عشر" ولعلها تصحيف .
وَفِي رِوَايَتَيْنِ لَهُ من هَذَا الْوَجْه "أَن الدَّين كَانَ دينارين" .
وأخرجها أَحْمد أَيْضا ، وَأخرج رِوَايَة ثَالِثَة وَهِي الْجَزْم بِكَوْنِهِ "ثَمَانِيَة عشر درهما" وَفِي (ثِقَات ابْن حبَان) عبد الْملك بن رَاشد قَالَ : سَمِعت أَبَا أُمَامَة يَقُول : " توفّي رجل عَلَى عهد رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَأتي بِهِ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ليُصَلِّي عَلَيْهِ ، فَقَالَ : هَل ترك عَلَيْهِ دينا ؟ قَالُوا : نعم ، ترك دينارين .
فَقَالَ : صلوا عَلَى صَاحبكُم .
فَقَالَ رجل من الْقَوْم : أَنا أقضيها عَنهُ يَا رَسُول الله .
فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ : قَضَاء غير بَقَاء ؟ فَقَالَ الرجل : نعم .
فَصَلى عَلَيْهِ " .
رَوَى عَنهُ بَقِيَّة بن الْوَلِيد ، وَقَالَ بَقِيَّة : "غير بَقَاء (غير) مطل" .
قَالَ الرَّافِعِيّ : وَجَاء فِي رِوَايَة أَن عليًّا لما قَضَى (عَنهُ) دينه (قَالَ) : "الْآن برَّدت عَلَيْهِ جلده " .
قلت : هَذَا غَرِيب ، وَالْمَعْرُوف أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ قَالَ ذَلِكَ [6/715] لأبي قَتَادَة .
كَذَا رَوَاهُ الْأَئِمَّة أَحْمد فِي "مُسْنده" وَالْحَاكِم فِي "مُسْتَدْركه" وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ فِي "سُنَنهمَا" من حَدِيث جَابر رَضي اللهُ عَنهُ ، وَقَالَ الْحَاكِم : إِنَّه حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد .
وَلَفظ الدَّارَقُطْنِيّ "قَبره" بدل "جلده" .
وَالْمُصَنّف تبع الْغَزالِيّ ؛ فَإِنَّهُ أوردهُ كَذَلِك فِي الْوَصَايَا من "وسيطه" وَنبهَ النَّوَوِيّ فِي "تهذيبه" عَلَى أَنه من أَوْهَامه وَأَن صَوَابه "قَالَ لأبي قَتَادَة" كَمَا ذَكرْنَاهُ ، وَفِي رِوَايَة للدارقطني وَالْحَاكِم فِي حَدِيث جَابر هَذَا " فَجعل النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَقُول لأبي قَتَادَة : هما عَلَيْك وَفِي مَالك ، وَالْمَيِّت مِنْهُمَا بَرِيء .
فَقَالَ : نعم " .
قَالَ الرَّافِعِيّ : وَفِي رِوَايَة لَهُ " أَنه لما ضمن أَبُو قَتَادَة الدينارين عَن الْمَيِّت قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ : هما عَلَيْك حق الْغَرِيم وَبرئ الْمَيِّت .
قَالَ : نعم .
فَصَلى عَلَيْهِ " .
قلت : هَذِه الرِّوَايَة أخرجهَا الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث عبد الله بن مُحَمَّد بن عقيل قَالَ : قَالَ جَابر : " توفّي رجل فغسلناه وكفناه ، ثمَّ أَتَيْنَا بِهِ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ليُصَلِّي عَلَيْهِ ، فتخطى خطا ثمَّ قَالَ : هَل عَلَيْهِ دين ؟ قَالُوا : نعم .
قَالَ : فَانْصَرف ، فتحملها أَبُو قَتَادَة ، فأتيناه فَقَالَ أَبُو قَتَادَة : الديناران عليَّ .
فَقَالَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : حق الْغَرِيم وَبرئ مِنْهُمَا الْمَيِّت .
قَالَ : نعم .
فَصَلى عَلَيْهِ ... " ثمَّ ذكر بَاقِي الحَدِيث ، وَفِي آخِره : "الْآن برَّدت عَلَيْهِ جلده - حِين ذكر أَنه قضاهما" قَالَ الْبَيْهَقِيّ : قد أخبر عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ فِي هَذِه الراوية أَنه بِالْقضَاءِ برد عَلَيْهِ جلده .
[6/716] قَالَ الرَّافِعِيّ : وَقَوله : "حق الْغَرِيم ... " إِلَى آخِره إِن كَانَ حفظه ابْن عقيل ؛ فَإِنَّهُ إِنَّمَا عني - وَالله أعلم - للْغَرِيم مطالبتك بهما وَحدك إِن شَاءَ ، كَمَا لَو كَانَ لَهُ عَلَيْك حق من وَجه آخر ، وَالْمَيِّت مِنْهُ بَرِيء كَانَ لَهُ مطالبتك بِهِ وَحدك إِن شَاءَ .
فَائِدَة : قَوْله : "برَّدت عَلَيْهِ جلده" هُوَ بتَشْديد الرَّاء ، قَالَ النَّوَوِيّ فِي الْجَنَائِز من "خلاصته فِي الْأَحْكَام" : وَإِنَّمَا ضبطتها لِأَن بعض المصنفين غلط فِي ضَبطهَا .
قَالَ الرَّافِعِيّ : ثمَّ نقل الْعلمَاء أَن هَذَا كَانَ فِي أول الْإِسْلَام لم يكن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يُصَلِّي عَلَى من لم (يخلف) وَفَاء (من) المديونين ؛ لِأَن صلَاته عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ شَفَاعَة مُوجبَة للمغفرة ، وَلم يكن حِينَئِذٍ فِي المَال سَعَة ، فَلَمَّا فتح الله - عَزَّ وجَلَّ - الْفتُوح قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ : "أَنا أولَى بِالْمُؤْمِنِينَ من أنفسهم" وَهُوَ كَمَا قَالَ ، وَسَيَأْتِي ذَلِكَ وَاضحا من حَدِيث أبي هُرَيْرَة .