|
[6/748] الحَدِيث الثَّانِي " أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - اسْتعَار أدرعًا من صَفْوَان يَوْم (حنين) فَقَالَ : أغصبًا يَا مُحَمَّد ؟ فَقَالَ : بل عَارِية (مَضْمُونَة) " . هَذَا الحَدِيث مَوْجُود فِي بعض نسخ الرَّافِعِيّ وَله طرق : إِحْدَاهَا : من حَدِيث صَفْوَان بن أُميَّة " أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - اسْتعَار مِنْهُ أدرعًا يَوْم (حنين) . فَقلت : أغصب يَا مُحَمَّد ؟ فَقَالَ : لَا ؛ بل عَارِية مَضْمُونَة " . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث شريك ، عَن عبد الْعَزِيز بن رفيع ، عَن أُميَّة بن صَفْوَان ، عَن أَبِيه بِهِ ، وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ أَيْضا فِي "سنَنه" ، وَالْحَاكِم فِي "مُسْتَدْركه" ، وَذكر لَهُ شَاهدا من حَدِيث ابْن عَبَّاس وَسَيَأْتِي ، زَاد أَحْمد وَالنَّسَائِيّ : "فَضَاعَ بَعْضهَا ، فَعرض عَلَيْهِ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن يضمنهَا لَهُ ، فَقَالَ : أَنا الْيَوْم يَا رَسُول الله فِي الْإِسْلَام (أَرغب) " قَالَ الْبَيْهَقِيّ : رَوَاهُ قيس بن الرّبيع عَن عبد الْعَزِيز [6/749] [ عَن ] ابْن أبي مليكَة [ عَن أُميَّة ] بن صَفْوَان عَن أَبِيه . قلت : ورده ابْن حزم ، فَإِنَّهُ ذكره فِي "محلاه" من طَرِيق النَّسَائِيّ ، وَقَالَ : لَا يَصح (قَالَ :) وَشريك مُدَلّس للمنكرات ، وَقد رَوَى البلايا وَالْكذب الَّذِي لَا شكّ فِيهِ عَن الثِّقَات . وَتَبعهُ ابْن الْقطَّان ، فَقَالَ : إِنَّه من رِوَايَة شريك عَن عبد الْعَزِيز ، وَلم يقل : "ثَنَا" وَهُوَ مُدَلّس . وَتوقف الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي "الْإِلْمَام" فِي تَصْحِيحه من وَجه آخر ، وَهُوَ معرفَة حَال أُميَّة بن صَفْوَان ، فَقَالَ - بعد أَن عزاهُ إِلَى "الْمُسْتَدْرك" - : لَعَلَّه (علم) حَال أُميَّة . قلت : وحالته مَعْلُومَة ، أخرج لَهُ مُسلم فِي "صَحِيحه" ، وَذكره ابْن حبَان فِي "ثقاته " قَالَ الْحَافِظ أَبُو نعيم الْأَصْبَهَانِيّ : هَذَا الحَدِيث مَحْفُوظ عَن صَفْوَان بن أُميَّة ، وَيروَى عَن أُميَّة بن صَفْوَان أَيْضا عَن أَبِيه . قَالَ : وَرَوَاهُ الْحَافِظ أَبُو زَكَرِيَّا من حَدِيث أُميَّة الْقرشِي . قلت : وَرُوِيَ مُرْسلا من حَدِيث جَعْفَر بن مُحَمَّد عَن ( أَبِيه " أَن) [6/750] صَفْوَان بن أُميَّة أعَار رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - سِلَاحا هِيَ ثَمَانُون درعًا ، فَقَالَ لَهُ : أعارية مَضْمُونَة أم غصبا ؟ فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : بل عَارِية مَضْمُونَة " ، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي "سنَنه" من حَدِيث أنس بن عِيَاض اللَّيْثِيّ عَن جَعْفَر بِهِ ، ثمَّ قَالَ : وَبَعض هَذِه الْأَخْبَار وَإِن كَانَ مُرْسلا ؛ فَإِنَّهُ يقوى بشواهد مَعَ مَا تقدم من الْمَوْصُول . قلت : وَرَوَاهُ الْحَارِث بن أبي أُسَامَة ، عَن يَحْيَى بن أبي بكير ، ثَنَا نَافِع ، عَن صَفْوَان بن أُميَّة " أَنه اسْتعَار مِنْهُ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - (سِلَاحا) (قَالَ : مَضْمُونَة ؟) فَقَالَ : مَضْمُونَة " ، رده ابْن حزم بِأَن قَالَ : الْحَارِث مَتْرُوك - وَلَيْسَ بجيد مِنْهُ - وَيَحْيَى هَذَا لم يدْرك نَافِعًا ، وَأَعْلَى من عِنْده شُعْبَة ، وَلَا نعلم لنافع سَمَاعا من صَفْوَان أصلا ، وَالَّذِي لَا شكّ فِيهِ أَن صَفْوَان مَاتَ أَيَّام عُثْمَان قبل الْفِتْنَة . الطَّرِيق الثَّانِي : من حَدِيث جرير ، عَن [ عبد الْعَزِيز بن ] رفيع ، عَن أنَاس من آل عبد الله بن صَفْوَان أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : "يَا صَفْوَان ، هَل عنْدك من سلَاح ؟ قَالَ : عَارِية أم غصبا ؟ قَالَ : لَا ؛ بل عَارِية . فأعاره مَا بَين الثَّلَاثِينَ إِلَى الْأَرْبَعين درعًا ، وغزا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - حنينًا ، فَلَمَّا هزم الْمُشْركين جُمعت دروع صَفْوَان ، ففقد مِنْهَا أدراعًا ، فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : إِنَّا قد فَقدنَا من أدرعك أدراعًا ، فَهَل نغرمها لَك ؟ قَالَ : لَا يَا رَسُول الله ؛ لِأَن فِي قلبِي الْيَوْم مَا لم يكن يَوْمئِذٍ" . [6/751] رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي "سنَنه" كَذَلِك ثمَّ رَوَاهُ من حَدِيث أبي الْأَحْوَص ، عَن ابْن رفيع ، عَن عَطاء ، عَن نَاس من أهل صَفْوَان ... فَذكره بِمَعْنَاهُ . الطَّرِيق الثَّالِث : من حَدِيث ابْن عَبَّاس رَضي اللهُ عَنهما " أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - اسْتعَار من صَفْوَان بن أُميَّة أدرعًا و (سِلَاحا) فِي غَزْوَة حنين ، قَالَ : يَا رَسُول الله ، أعارية مُؤَدَّاة ؟ قَالَ : عَارِية مُؤَدَّاة " ، رَوَاهُ الْحَاكِم فِي "الْمُسْتَدْرك" شَاهدا لحَدِيث صَفْوَان السالف أَولا ، ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم . الطَّرِيق الرَّابِع : من حَدِيث جَابر بن عبد الله رَضي اللهُ عَنهما " أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - سَار إِلَى حنين ..." فَذكر الحَدِيث ، وَفِيه : "ثمَّ بعث رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِلَى صَفْوَان بن أُميَّة فَسَأَلَهُ أدراعًا عِنْده مائَة درع وَمَا يصلحها من عدتهَا ، فَقَالَ : أغصبًا يَا مُحَمَّد ؟ فَقَالَ : بل عَارِية مَضْمُونَة حَتَّى نؤديها [ إِلَيْك ] " . رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي "سنَنه" وَقَبله شَيْخه الْحَاكِم فِي "مُسْتَدْركه" فِي أول مَنَاقِب سيدنَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد . الطَّرِيق الْخَامِس : من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن صَفْوَان بن أُميَّة " أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - (اسْتعَار من صَفْوَان بن أُميَّة دروعًا فَهَلَك بَعْضهَا ، فَقَالَ [6/752] رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم -) : إِن شِئْت غرمناها لَك " . رَوَاهُ النَّسَائِيّ من حَدِيث إِسْرَائِيل عَن عبد الْعَزِيز بن رفيع عَن ابْن أبي مليكَة عَن عبد الرَّحْمَن بِهِ . وَعبد الرَّحْمَن هَذَا ذكره ابْن حبَان فِي طبقَة التَّابِعين ، وَذكره غَيره فِي الصَّحَابَة ، وَقَالَ ابْن معِين : لَيْسَ لَهُ رِوَايَة . فَهَذِهِ طرق هَذَا الحَدِيث ، وَبَعضهَا يقوى بِبَعْض ، وَلما ذكر عبد الْحق (فِي "أَحْكَامه") الطَّرِيق الأول من جِهَة النَّسَائِيّ قَالَ : حَدِيث يعْلى أصح مِنْهُ . وَحَدِيث يعْلى ذكره قبله من عِنْد أبي دَاوُد قَالَ : قَالَ (لي) رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : "إِذا أتتك رُسُلِي فادفع إِلَيْهِم ثَلَاثِينَ درعًا وَثَلَاثِينَ بَعِيرًا . فَقلت : يَا رَسُول الله ، أعارية مَضْمُونَة أم عَارِية مُؤَدَّاة ؟ (قَالَ : بل مُؤَدَّاة) " قَالَ ابْن الْقطَّان (لماذا رجح عَلَيْهِ ؟ ثمَّ بَينه بتدليس شريك كَمَا أسلفناه) . قلت : وَصحح حَدِيث يعْلى هَذَا ( أَبُو حَاتِم بن) حبَان فِي "صَحِيحه " . وَقَالَ ابْن حزم : إِنَّه حَدِيث حسن لَيْسَ فِي شَيْء مِمَّا رُوِيَ فِي الْعَارِية خبر يَصح (غَيره) ، وَأما مَا سواهُ فَلَيْسَ يُسَاوِي الِاشْتِغَال بِهِ . [6/753] فَائِدَة : قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ لِصَفْوَان فِيمَا مَضَى : "هَل نغرمها لَك" فِيهِ دلَالَة عَلَى أَنه لَا يجب عَلَى الْمُسْتَعِير البدار إِلَى مَا ضمنه بالعارية . قَالَ صَاحب "الْمطلب" : وَمِنْه يُؤْخَذ أَن الدَّين الْحَال إِذا لم يكن بِسَبَب مَعْصِيّة لَا يجب أَدَاؤُهُ قبل الطّلب . قَالَ : وَيحْتَمل أَنه قَالَ لَهُ ذَلِكَ لإِظْهَار حَاله للصحابة وَإِلَّا فَهُوَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ عرف أَنه لَا يطْلب ذَلِكَ ، وَيدل عَلَيْهِ قَوْله : "عَارِية مُؤَدَّاة " .
|