الحَدِيث السَّادِس
رُوِيَ أنَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " الشُّفْعَة كَحَلِّ العقال " .
قال الرَّافِعِيّ : إِنَّهَا تفوت إِذا لم يبتدر إِلَيْهَا كالبعير الشرود يحل عَنهُ العقال .
هَذَا الحَدِيث ذكره الرَّافِعِيّ دَلِيلا لِلْقَوْلِ الصَّحِيح أَن الشُّفْعَة عَلَى الْفَوْر ، وَهُوَ حَدِيث (ضَعِيف) رَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي "سنَنه" عَن مُحَمَّد بن بشار بنْدَار ، عَن مُحَمَّد بن الْحَارِث (عَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن الْبَيْلَمَانِي ، عَن أَبِيه ، عَن ابْن عمر مَرْفُوعا بِهِ ، وَأخرجه الْبَزَّار عَن [7/13] مُحَمَّد بن الْمثنى ، ثَنَا مُحَمَّد بن الْحَارِث بِهِ) بِلَفْظ : " لَا شُفْعَة لغَائِب وَلَا لصغير وَالشُّفْعَة كحل العقال " .
وَرَوَاهُ عَلي بن عبد الْعَزِيز فِي "منتخبه" - عَلَى مَا عزاهُ إِلَيْهِ ابْن الْقطَّان وَعبد الْحق - عَن عَفَّان بن مُسلم (ثَنَا) مُحَمَّد بن الْحَارِث بِهِ بِلَفْظ : " لَا شُفْعَة لغَائِب وَلَا لصغير ، وَلَا لِشَرِيك عَلَى شَرِيكه إِذا سبقه بِالشِّرَاءِ ، وَالشُّفْعَة كحل العقال " وَهَذَا إِسْنَاد ضَعِيف ، اشْتَمَل عَلَى ثَلَاثَة ضعفاء :
أحدهم : مُحَمَّد بن الْحَارِث وَهُوَ مَتْرُوك ، قَالَ يَحْيَى بن معِين : لَيْسَ بِشَيْء .
وترك أَبُو زرْعَة حَدِيثه ، وَلم يقرَّاه عَلَيْهِ فِي الشُّفْعَة - يَعْنِي : هَذَا الحَدِيث - وَقَالَ عَمْرو بن عليّ : أَحَادِيثه مُنكرَة مَتْرُوك الحَدِيث .
وقَالَ ابْن عدي : عَامَّة حَدِيثه لَا يُتَابع عَلَيْهِ .
وخَالف ابْن حبَان فَذكره فِي "ثقاته" وَالْبَزَّار فَقَالَ : هُوَ رجل لَيْسَ بِهِ بَأْس
.
قال : وَإِنَّمَا تَأتي نكرَة هَذِه الْأَحَادِيث من ابْن الْبَيْلَمَانِي .
ثانيهم : مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن الْبَيْلَمَانِي وَهُوَ مُنكر الحَدِيث ، كَمَا قَالَه خَ وَغَيره ، وَقَالَ يَحْيَى : لَيْسَ بِشَيْء .
وقَالَ ابْن حبَان : حدث عَن أَبِيه بنسخة شَبِيها بِمِائَتي حَدِيث كلهَا مَوْضُوعَة ؛ لَا يجوز الِاحْتِجَاج [7/14] بِهِ إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب .
وقَالَ ابْن عدي : كل مَا يرويهِ ابْن الْبَيْلَمَانِي فالبلاء مِنْهُ .

ثالثهم : عبد الرَّحْمَن وَالِده وَهُوَ لين خير من وَلَده ، قَالَ فِيهِ أَبُو حَاتِم : هُوَ لين .
قال الدَّارَقُطْنِيّ : ضَعِيف لَا تقوم بِهِ حجَّة إِذا وصل الحَدِيث (فَكيف) بِمَا يُرْسِلهُ ؟ وَقَالَ ابْن الْقطَّان : لم تثبت عَدَالَته وَهُوَ ظَاهر الضعْف .
وذكره ابْن حبَان فِي "ثقاته" فِي التَّابِعين ثمَّ قَالَ : لَا (يجوز أَن يعْتد بِشَيْء من حَدِيثه إِذا كَانَ من رِوَايَة ابْنه) لِأَن ابْنه يضع عَلَى أَبِيه الْعَجَائِب
.
قلت : وَقد شهد غير وَاحِد من الْحفاظ لهَذَا الحَدِيث بالضعف ، قَالَ أَبُو حَاتِم بن حبَان : هَذَا الْخَبَر لَا أصل لَهُ .
وقَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي "علله" : سُئِلَ أَبُو زرْعَة عَن هَذَا الحَدِيث فَقَالَ : هَذَا (حَدِيث) مُنكر ، وَلم يقْرَأ علينا فِي كتاب الشُّفْعَة وضربنا عَلَيْهِ .
ولما رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي "سنَنه" بِاللَّفْظِ السالف ، أَعنِي : لفظ ابْن عبد الْعَزِيز فِي بَاب عقده لبَيَان أَلْفَاظ مُنكرَة يذكرهَا بعض الْفُقَهَاء فِي مسَائِل الشُّفْعَة .
وقَالَ : مُحَمَّد بن الْحَارِث مَتْرُوك ، وَمُحَمّد بن عبد الرَّحْمَن ضَعِيف ، ضعفهما يَحْيَى بن معِين وَغَيره من أَئِمَّة أهل الحَدِيث .
وقَالَ فِي "خلافياته" : هَذَا حَدِيث لَيْسَ بِثَابِت ، وَابْن الْبَيْلَمَانِي ضَعِيف .
وقَالَ : عبد الْحق : (هَذَا حَدِيث [7/15] ضَعِيف الْإِسْنَاد ، فِيهِ) الْبَيْلَمَانِي وَغَيره .
وقَالَ ابْن الْقطَّان : مُحَمَّد بن الْحَارِث (ضَعِيف جدًّا) أَسْوَأ حَالا من ابْن الْبَيْلَمَانِي وَأَبِيهِ .