الحَدِيث الْحَادِي عشر
قال الرَّافِعِيّ : لَا يمْنَع من أَحْيَا مَا وَرَاء الْحَرِيم ، قَرُبَ أم بَعُدَ ؛ لِأَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " أقطع عبد الله بن مَسْعُود الدُّور ، وَهِي بَين ظهراني عمَارَة الْأَنْصَار من الْمنَازل " (والدُّور) يُقَال : إِنَّه اسْم مَوضِع ، وَيُقَال : الْمَعْنى أَنه أقطعه تِلْكَ الْبقْعَة ليتخذها دورًا .
هَذَا الحَدِيث تبع فِي إِيرَاده الإِمَام الشَّافِعِي ؛ فَإِنَّهُ قَالَ فِي [7/66] "الْمُخْتَصر" : " وَقد أقطع رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (الدُّور ، فَقَالَ حَيّ من بني زهرَة - وَيُقَال لَهُم : بَنو عبد بن زهرَة - : نكِّب عَنَّا ابْن أم عبد .
فقَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : فَلِمَ ابتعثني الله إِذا ؟ ! إِن الله لَا يقدِّس أمة لَا يوخذ للضَّعيف فيهم حَقه " .
قال الشَّافِعِي : وَفِي ذَلِك دلَالَة عَلَى أَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أقطع الْمَدِينَة بَين ظهراني عمَارَة الْأَنْصَار من الْمنَازل والنخيل .
وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي "سنَنه" و "مَعْرفَته" من حَدِيث الرّبيع عَنهُ ، ثَنَا سُفْيَان بن عُيَيْنَة ، عَن عَمْرو بن دِينَار ، عَن يَحْيَى بن جعدة قَالَ : "لما قدم رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَدِينَة أقطع الناسَ الدّور ، فَقَالَ حَيّ من بني زهرَة - يُقَال لَهُم : بَنو عبد (بن زهرَة) - : نكب عَنَّا ابْن أم عبد .
فقَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : فَلم ابتعثني (الله) إِذا ؟ ! إِن الله لَا يقدس أُمَّة لَا يُؤْخَذ للضعيف فيهم حَقه
" .
وَهَذَا مُرْسل ، قَالَ ابْن معِين وَأَبُو حَاتِم : يَحْيَى بن جعدة لم يلق ابْن مَسْعُود وَإِنَّمَا يُرْسل عَنهُ ، وَقد وَصله الطَّبَرَانِيّ فِي "أكبر معاجمه" فَقَالَ : ثَنَا أَبُو خَليفَة الْفضل بن الْحباب ، ثَنَا عبد الرَّحْمَن بن سَلام الجُمَحِي ، ثَنَا سُفْيَان ، عَن عَمْرو بن دِينَار ، عَن يَحْيَى بن جعدة ، [ بن هُبَيْرَة ] عَن ابْن مَسْعُود قَالَ : " لمَّا قدم رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَدِينَة أقطع [7/67] الدَّور ، وأقطع ابْن مَسْعُود فِيمَن أقطع ، فَقَالَ لَهُ أَصْحَابه : يَا رَسُول الله ، نَكِّبه عَنَّا .
قال : فَلِمَ بَعَثَنِي الله إِذا ؟ ! إِن الله لَا يقدس أُمَّة (لَا يُعْطون) الضَّعِيف مِنْهُم حَقه
" .
و" هُبَيْرَة " : حَالَته جَيِّدَة كَمَا قررتها في أَوَائِل كتَابنَا هَذَا ، فِي بَاب : بَيَان النَّجَاسَات وَالْمَاء النَّجس ، لَا كَمَا زعم من يُضعفهُ .
فَائِدَة : وَقع فِي "مُخْتَصر الْمُزنِيّ" : "فجَاء حيٌّ من بني عذرة" كَمَا أسلفناه بدل "بني عبد" وَهُوَ غلط ؛ لِأَن "عبد بن زهرَة" لَا يَكُونُوا من "بني عذرة" .
وَإِنَّمَا هم من قُرَيْش ، وهم رَهْط عبد الرَّحْمَن بن عَوْف .
قاله الإِمَام فِي "نهايته" وَقَالَ القَاضِي حُسَيْن : "بَنو عذرة" من الْأَنْصَار .
وَلَيْسَ كَمَا قَالَ ، وَإِنَّمَا هم من الْيمن ، منسوبون إِلَى عذرة بن زيد اللات ، و "عبد بن زهرَة" هُوَ عبد بن الْحَارِث بن زهرَة ، وَابْن مَسْعُود من قُرَيْش ، وَالظَّاهِر أَن قُريْشًا (لَا تكره) مجاورته ، وَلَكِن ذَلِك الْحَيّ لمَّا كَانُوا من الْيمن وهم قريبون من الْأَنْصَار ، سكنوا بَينهم ؛ فكرهوا مجاورة ابْن مَسْعُود ، قَالَ القَاضِي أَبُو الطّيب : كَانَت الْمَدِينَة نصفهَا عَامر وَنِصْفهَا خراب ، فأقطع الْأَنْصَار الخراب ، وأقطع ابْن مَسْعُود بَين ظهرانيهم ، وَأَرَادُوا إبعاده بقَوْلهمْ : "نكِّب" هُوَ بِكَسْر الْكَاف ، وَقَالَ بَعضهم : مَعْنَى "نكِّب" : عدِّل ، تَقْدِيره : عدل هُنَا رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بإقطاعه .