الحَدِيث الْعشْرُونَ
" النَّاس شُرَكَاء في ثَلَاثَة : فِي المَاء ، والكلأ ، وَالنَّار " .
هَذَا الحَدِيث كَرَّرَه الرافعيُّ فِي الْبَاب ، وَهُوَ مَرْوِيّ من طرق ، يحضرنا مِنْهَا ثَمَانِيَة :
أَحدهَا : من طَرِيق أبي هُرَيْرَة ، أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " ثَلَاث لَا يُمنَعن : المَاء ، والكلأ ، وَالنَّار" .
رَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي "سنَنه" عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن (يزِيد) - هُوَ الْقَارئ صَاحب نَافِع - ثَنَا سُفْيَان ، عَن أبي الزِّنَاد ، عَن الْأَعْرَج ، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا ، وَهَذَا إِسْنَاد عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ ، قَالَ الضياءُ فِي "أَحْكَامه" : إسنادٌ جيد .
ثَانِيهَا : (من) طَرِيق ابْن عَبَّاس (قَالَ) : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " الْمُسلمُونَ شُرَكَاء فِي ثَلَاث : المَاء ، والكلأ ، وَالنَّار ، وثمنه حرَام " قَالَ أَبُو سعيد : يَعْنِي : المَاء الْجَارِي .
[7/77] وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي "سنَنه" عَن عبد الله بن سعيد ، ثَنَا (عبد الله بن خرَاش بن حَوْشَب الشَّيْبَانِيّ ، عَن الْعَوام بن حَوْشَب ، عَن مُجَاهِد ، عَن ابْن عَبَّاس) مَرْفُوعا بِهِ .
وَ(هَذَا طَرِيق ضَعِيف) عبد الله هَذَا هُوَ أَخُو شهَاب تَرَكُوهُ ، قَالَ البُخَارِيّ : مُنكر الحَدِيث .
قلت : هُوَ مَعْرُوف بالرواية عَن الْعَوام هَذَا ، لَهُ عَنهُ أَحَادِيث مَنَاكِير ، قَالَ ابْن عدي : (عَامَّة) مَا يرويهِ غير مَحْفُوظ
.
وَأغْرب ابْن السكن فَأخْرج هَذَا الحَدِيث فِي "سنَنه الصِّحَاح المأثورة" .
ثَالِثهَا : طَرِيق أبي خِدَاش (حبَان) بن زيد - بِفَتْح الْخَاء وَكسرهَا ، حَكَاهُمَا الْبَيْهَقِيّ فِي "الْمعرفَة" - أَنه سمع رجلا من الْمُهَاجِرين من أَصْحَاب رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " غزوتُ مَعَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَلَاثًا أسمعهُ يَقُول : الْمُسلمُونَ شُرَكَاء فِي ثَلَاث : المَاء ، والكلأ ، وَالنَّار " .
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي "سنَنه" وَسكت عَلَيْهِ ، وَأخرجه أَحْمد فِي "مُسْنده" أَيْضا ، قَالَ عبد الْحق : لَا أعلم رَوَى عَن أبي خِدَاش إِلَّا حريز بن عُثْمَان ، وَقد قيل : إِنَّه رجل مَجْهُول .
قلت : وَفِي مَرَاسِيل (ابْن) أبي حَاتِم : سألتُ أبي عَن حديثٍ [7/78] رَوَاهُ أَبُو إِسْحَاق الْفَزارِيّ ، عَن رجل من أهل الشَّام ، عَن أبي عُثْمَان ، عَن أبي خِدَاش قَالَ : " غزوتُ مَعَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فسمعتُه يَقُول : النَّاس شُرَكَاء فِي ثَلَاث : المَاء ، والكلأ ، وَالنَّار" .
فسمعتُ أبي يَقُول : هَذَا الرجل من أهل الشَّام ، وَهُوَ عِنْدِي (بَقِيَّة) .
وَأَبُو عُثْمَان هُوَ عِنْدِي حريز بن عُثْمَان ، وَأَبُو خِدَاش : لم يدْرك النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّمَا يَحْكِي عَن رجلٍ من أَصْحَاب رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .
وَذَكَرَهُ ابْن أبي حَاتِم (فِي علله) أَيْضا كَذَلِك ، وَزَاد فِي آخِره : وَإِنَّمَا لم يسمه أَبُو إِسْحَاق لِأَنَّهُ كَانَ حيًّا إِلَى ذَلِك الْوَقْت .
وَذكر هَذَا الحديثَ أَبُو نعيم فِي "معرفَة الصَّحَابَة" فِي تَرْجَمَة أبي خِدَاش ، وَقَالَ الذَّهَبِيّ في "تَجْرِيد الصَّحَابَة" : لَا تصح لَهُ صُحْبَة .
رَابِعهَا : طَرِيق عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالتْ : "يَا رَسُول الله ، مَا الشَّيْء الَّذِي لَا يحل مَنعه ؟ قَالَ : المَاء وَالْملح وَالنَّار .
قالت : قلتُ : يَا رَسُول الله ، هَذَا المَاء قد عَرفْنَاهُ ، فَمَا بَال الْملح وَالنَّار ؟ قَالَ : يَا حميراء ، من أعْطى نَارا فكأنما تصدَّق بِجَمِيعِ مَا أنضجت تِلْكَ النَّار ، وَمن أعْطى ملحًا فَكَأَنَّمَا تصدق (مَا طيبت تِلْكَ) الْملح ، وَمن سَقَى مُسلما شربة من مَاء حَيْثُ لَا يُوجد المَاء فَكَأَنَّمَا أَحْيَاهَا " .
رَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي "سنَنه" وَفِي إِسْنَاده عَلي بن زيد بن جدعَان ، وَقد عرفت حالَهُ فِيمَا مَضَى (وقرنه مُسلم) بثابتٍ البُناني .
[7/79] خَامِسهَا : طَرِيق سيار بن مَنْظُور - رجل من بني فَزَارَة - عَن أَبِيه ، عَن امْرَأَة يُقَال لَهَا : بهيسة ، عَن (أَبِيهَا) قَالَت : " اسْتَأْذن أبي عَلَى رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَدخل بَينه وَبَين قَمِيصه ، فَجعل يُقَبِّله ويلتزمه ، ثمَّ قَالَ : يَا رَسُول الله ، مَا الشَّيْء الَّذِي لَا يحل مَنعه ؟ قَالَ : المَاء .
قال : يَا نبيَّ الله ، مَا الشَّيْء الَّذِي لَا يحل مَنعه ؟ قَالَ : الْملح .
قال : يَا نَبِي الله ، مَا الشَّيْء الَّذِي لَا يحل مَنعه ؟ قَالَ : أَن تفعل [ الْخَيْر ] خيرٌ لَك
" .
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي الزَّكَاة والبيوع من "سنَنه" وَالنَّسَائِيّ فِي (الزِّينَة) وَرَوَاهُ أَحْمد فِي "مُسْنده" وَفِي آخِره : قَالَ : " فَانْتَهَى قَوْله إِلَى المَاء وَالْملح ، فَكَانَ ذَلِك الرجل لَا يمْنَع شَيْئا وَإِن قل " .
أعله عبدُ الْحق ببهيسة فَقَالَ : إِنَّهَا مَجْهُولَة .
وَصدَّقه ابْن الْقطَّان فِي ذَلِك ، وَهُوَ عَجِيب مِنْهُمَا ؛ فَإِنَّهَا صحابية ، كَمَا شهد لَهَا بذلك أَبُو نُعيم وَابْن مَنْدَه وَابْن حبَان ، فَلَا يضر عدمُ معرفتنا لَهَا
(ثمَّ قَالَ عبد الْحق : وَكَذَلِكَ الَّذِي قبلهَا .
قال ابْن الْقطَّان : صدق ، وَبَقِي عَلَيْهِ أَن يبين [7/80] [ أَن ] منظورًا لَا يعرف حَاله ، وَكَذَا أَيْضا أَبوهَا .
وَلَيْسَ كَمَا قَالَ) ومنظورًا أَيْضا وَثَّقَهُ ابْن حبَان ، ووالدها مذكورٌ فِي كتب الصَّحَابَة
.
سادسها : طَرِيق عبد الله بن سرجس قَالَ : "أتيتُ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقلتُ : مَا الَّذِي لَا يحل مَنعه ؟ قَالَ : الْملح .
قلت : وماذا ؟ قَالَ : المَاء وَالنَّار"
.
فِي إِسْنَاده الْمثنى بن (بكر) قَالَ الْعقيلِيّ : لَا يُتابع عَلَى حَدِيثه .
وَيَحْيَى بن سعيد الْعَطَّار : قَالَ ابْن عدي : هُوَ بَيِّن الضعْف .
وَقَالَ ابْن حبَان : يروي الموضوعات عَن الْأَثْبَات
.
سابعها : طَرِيق أنس بن مَالك - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : "خصلتان لَا يحل منعهما : المَاء وَالنَّار " .
رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي "أَصْغَر معاجمه" من حَدِيث بديل بن ميسرَة الْعقيلِيّ عَنهُ ، ثمَّ قَالَ : لم يروه عَن بديل إِلَّا الْحسن بن أبي جَعْفَر ، تفرد بِهِ عبد الصَّمد بن عبد الْوَارِث .
وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي "علله" : سألتُ أبي عَنهُ فَقَالَ : هَذَا حَدِيث مُنكر بِهَذَا الْإِسْنَاد .
ثامنها : طَرِيق ابْن عمر رَفعه : " الْمُسلمُونَ شُرَكَاء فِي المَاء وَالْملح والكلأ وَالنَّار " .
رَوَاهُ الْخَطِيب فِي كتاب "أَسمَاء مَنْ رَوَى عَن مَالك" من حَدِيث عبد الحكم بن ميسرَة ، ثَنَا مَالك ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عُمر مَرْفُوعا بِهِ سَوَاء .
[7/81] وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي "أكبر معاجمه" من طَرِيق (آخر) إِلَى ابْن عُمر ، وَرَوَاهُ من حَدِيث يَحْيَى الْحمانِي عَن قيس بن الرّبيع ، عَن زيد بن جُبَير ، عَن ابْن عُمر مَرْفُوعا : " الْمُسلمُونَ شُرَكَاء فِي (ثَلَاث) فِي النَّار وَالْمَاء والكلأ ، وثمنه حرَام " .
وَيَحْيَى هَذَا صَاحب الْمسند ، وَهُوَ حَافظ ، وَتكلم فِيهِ أَيْضا ، وَقيس هَذَا صَدُوق (لَا) يُحتج بِهِ .
فَائِدَة : المُرَاد بِالْمَاءِ : مَاء السَّمَاء وَمَاء الْعُيُون الَّتِي لَا مَالك لَهَا .
قاله الْأَزْهَرِي ، وَالْمرَاد بالكلأ : مرَاعِي الأَرْض الَّتِي لَا يملكهَا أحد ، قَالَه أَيْضا ، أمَّا الْكلأ النَّابِت فِي الْأَمْلَاك فَهِيَ لملاكها ، و "الْكلأ" - بِالْهَمْز - : العُشْب ، يَابسا كَانَ أَو رطبا ؛ فَإِن يبس فَهُوَ حشيش ، فَإِن كَانَ رطبا فَهُوَ الخلا - مَقْصُور - وَلَا يُمَدُّ الخلا وَلَا الْكلأ .
وَالْمرَاد بالنَّار : الشّجر الَّذِي يحتطبه النَّاس فينتفعون بِهِ .
قاله الْأَزْهَرِي أَيْضا ، وَقَالَ القَاضِي حُسَيْن : المُرَاد بالنَّار إِذا أضرمت فِي حطب غير مَمْلُوك ، أمَّا [ الَّتِي ] أضرمت فِي حطب (مَمْلُوك فلمالك الْحَطب) صنع غَيره من تِلْكَ النَّار .