الحَدِيث الثَّانِي بعد الْعشْرين
عَن عَمْرو بن شُعَيْب ، عَن أَبِيه ، عَن جده : " أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى فِي السَّيْل أَن يُمسك حَتَّى يبلغ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ، ثمَّ يُرسل الْأَعْلَى إِلَى الْأَسْفَل" .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي "سنَنه" بِهَذَا اللَّفْظ ، وَزَاد بعد قَوْله "فِي السَّيْل" : "المهزور" وَقَالَ : "حَتَّى يبلغ الْكَعْبَيْنِ" وَقَالَ "عَلَى (الْأَسْفَل)) بدل "إِلَى الْأَسْفَل" .
وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي "سنَنه" بِلَفْظ : "أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ قَضَى فِي سيل مهزور أَن يُمسك حَتَّى يبلغ الْكَعْبَيْنِ ، ثمَّ يُرْسل المَاء " .
وهما من رِوَايَة الْمُغيرَة بن عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث المَخْزُومِي الْمدنِي ، عَن أَبِيه ، عَن عَمْرو .
الْمُغيرَة ، قَالَ أَبُو حَاتِم فِي حقِّه : مدنِي لَا بَأْس بِهِ .
وَوالده عبد الرَّحْمَن قَالَ أَحْمد : مَتْرُوك .
وَقَالَ النَّسَائِيّ : لَيْسَ [7/85] بِالْقَوِيّ .
وَنقل ابْن الْقطَّان عَن ابْن معِين أَنه صالحٌ ، قَالَ ابْن الْقطَّان : وَقد يلتبس هَذَا بالمغيرة بن عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث بن هِشَام المَخْزُومِي ، شيخ مَالك ، وَكَذَلِكَ أَبوهُ بِأَبِيهِ وأنسابهما ، وكنية هَذَا الثَّانِي : أَبُو مُحَمَّد ، وكنية الأول : أَبُو الْحَارِث ، وكنية الْمُغيرَة - شيخ مَالك - : أَبُو هَاشم ، وَالْأول لَا أعرف لَهُ كنية
.
قلت : وَرُوِيَ هَذَا الحَدِيث من طَرِيق ثَعْلَبَة بن أبي مَالك ، وَعَائِشَة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - أمَّا حَدِيث عَائِشَة ؛ فَأخْرجهُ الْحَاكِم فِي "مُسْتَدْركه" بِإِسْنَادِهِ إِلَيْهِ : "أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ قَضَى فِي سيل مهزور ومذنب أَن الْأَعْلَى يُرْسل إِلَى الْأَسْفَل ، وَيحبس قدر (كعبين) " .
ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ
.
وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : اخْتلف عَن مَالك فِي وَقفه عَلَى عَائِشَة وَرَفعه ، وَالْمَحْفُوظ عَنهُ الأول .
وَأما حَدِيث ثَعْلَبَة ؛ فَرَوَاهُ ابْن مَاجَه بِإِسْنَادِهِ إِلَيْهِ قَالَ : " قَضَى رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي سيل مهزورٍ ، الْأَعْلَى فَوق الْأَسْفَل ، يسْقِي الْأَعْلَى إِلَى الْكَعْبَيْنِ ، ثمَّ يُرْسل إِلَى من هُوَ أَسْفَل مِنْهُ " .
فِي إِسْنَاده زَكَرِيَّا بن مَنْظُور ، ليَّنَه أَحْمد مرّة ، وَاخْتلف قَول يَحْيَى فِيهِ ؛ فوثقه مرّة وَضَعفه أُخْرَى ، وَقَالَ البُخَارِيّ : مُنكر الحَدِيث .
وَثعلبة هَذَا ، إِمَام بني قُرَيْظَة ، وُلد فِي عهد رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَله رُؤْيَة ، وَطَالَ عمره ، رَوَى عَنهُ ابْنه أَبُو مَالك ، وصفوانُ بن سليم ، لَهُ حديثان مرسلان ، ووالده أدْرك النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأسلم ، واسْمه : عبد الله .
[7/86] قلت : وَرَوَاهُ بَعضهم عَن مَالك بن أبي ثَعْلَبَة ، وَهُوَ غلط ؛ فَإِنَّهُ تَابِعِيّ ، فَفِي "معرفَة الصَّحَابَة" لأبي مُوسَى الْأَصْبَهَانِيّ : مَالك بن أبي ثَعْلَبَة " أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى فِي سيل مهزور ، أَن المَاء يُحبس إِلَى الْكَعْبَيْنِ ، ثمَّ يُرسِل الْأَعْلَى عَلَى الْأَسْفَل" .
وَرَوَى عَنهُ مُحَمَّد بن إِسْحَاق ، قَالَ جَعْفَر : وردّه يَحْيَى بن يُونُس .
قال : وَهَذَا حَدِيث مُرْسل ، وَمَالك بن ثَعْلَبَة لَا صُحْبَة لَهُ بِيَقِين ؛ لِأَن ابْن إِسْحَاق لم يلق أحدا من الصَّحَابَة ، إِنَّمَا رِوَايَته عَن التَّابِعين فَمن دونهم .
وَذَكَرَهُ عبد الْحق فِي "أَحْكَامه" من طَرِيق عبد الرَّزَّاق ، عَن أبي حَازِم الْقرظِيّ ، عَن أَبِيه ، عَن جده : " أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى فِي سيل مهزور أَن يُحبس فِي كل حَائِط حَتَّى يبلغ الْكَعْبَيْنِ ، ثمَّ يُرْسل ، وَغَيره من السُّيُول كَذَلِك " .
وَلم يذكر فِي (أَحْكَامه) غَيره ، وَهُوَ ضَعِيف لَا يَصح ، كَمَا قَالَ ابْن الْقطَّان بِجَهَالَة أبي حَازِم ، قَالَ : وَأَبوهُ وجدُّه أَحْرَى بذلك .
وَرَوَاهُ ابْن زبالة بلفظين :
أَحدهمَا : " قَضَى رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي سيل مهزور الْأَعْلَى قبل الْأَسْفَل ، يسْقِي الْأَعْلَى إِلَى الْكَعْبَيْنِ ، ثمَّ يُرْسل إِلَى (من) أَسْفَل مِنْهُ" .
الثَّانِي : " فَإِذا استضعف أَصله أمسك الأول " .
(وَرَوَى يَحْيَى بن آدَم فِي "كتاب الْخراج" من حَدِيث جَعْفَر [7/87] ابن مُحَمَّد عَن أَبِيه قَالَ : " قَضَى رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي سيل مهزور أَن لأهل النّخل إِلَى الْكَعْبَيْنِ ، وَلأَهل الزَّرْع إِلَى الشراكين ، ثمَّ يرسلوا المَاء إِلَى من هُوَ أَسْفَل مِنْهُ ") .
فَائِدَة : مهزور - بِتَقْدِيم الزَّاي عَلَى الرَّاء - : وادٍ بَين بني قُرَيْظَة والحجاز ، وبتقديم الرَّاء عَلَى الزَّاي : مَوضِع سوق بِالْمَدِينَةِ تصدَّق بِهِ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْمُسلمين .
ومذنب : اسْم مَوضِع بِالْمَدِينَةِ .
قاله ابْن الْأَثِير فِي "جَامعه" وَعبارَة الْحَازِمِي فِي "أَسمَاء الْأَمَاكِن" : "مهزور" الْوَاقِع فِي هَذَا الحَدِيث بِتَقْدِيم الزَّاي عَلَى الرَّاء ، وادٍ بِالْمَدِينَةِ .
وَكَذَا قَالَ البكريُّ فِي "مُعْجَمه" ثمَّ قَالَ : وَقيل : "مهزور" مَوضِع سوق الْمَدِينَة .
وَعبارَة ابْن إِسْحَاق : هُوَ مَوضِع بِقرب الْمَدِينَة .
وَوَقع فِي رِوَايَة "أبي دَاوُد" : "السَّيْل المهزور" وَالْمَشْهُور : "فِي سيل مهزور" ، كَمَا وَقع فِي رِوَايَة ثَعْلَبَة وَعَائِشَة
.