الحَدِيث الثَّالِث بعد الْعشْرين
" أنَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ للزبير حِين خاصمه الْأنْصَارِيّ فِي شراج الْحرَّة الَّتِي يسقون بهَا النّخل : اسْقِ يَا زبير ، ثمَّ أرسل المَاء إِلَى جَارك .
فغَضب الْأنْصَارِيّ وَقَالَ أَن كَانَ ابْن عَمَّتك ؟ فَتَلَوَّنَ وَجه رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثمَّ قَالَ للزبير : اسْقِ يَا زبير ، واحبس المَاء حَتَّى يرجع إِلَى الْجدر ، ثمَّ أرْسلهُ
" .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، أخرجه الشَّيْخَانِ من حَدِيث عبد الله [7/88] ابن الزبير : " أَن رجلا من الْأَنْصَار خَاصم الزبير عِنْد رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي شراج الْحرَّة الَّتِي يسقون بهَا النّخل ، فَقَالَ الْأنْصَارِيّ : سرِّح المَاء يمر .
فأَبَى عَلَيْهِ ؛ فاختصما عِنْد رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - للزبير : اسْقِ يَا زبير ، ثمَّ أرسل المَاء إِلَى جَارك .
فغَضب الْأنْصَارِيّ ، فَقَالَ لرَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَن كَانَ ابْن عَمَّتك ؟ فَتَلَوَّنَ وَجه رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثمَّ قَالَ : يَا زبير : اسْقِ ، ثمَّ احْبِسْ المَاء حَتَّى يرجع إِلَى الْجدر .
فقَالَ الزبير : وَالله ؛ إِنِّي لأحسبُ هَذِه الْآيَة أُنزلت فِي ذَلِك : "فَلَا وَرَبك لَا يُؤمنُونَ" .
وَفِي بعض طُرق البُخَارِيّ : "وَالله إِن هَذِه الْآيَة أنزلت فِي ذَلِك : (فَلَا وَرَبك لَا يُؤمنُونَ)" .
وَفِي رِوَايَة لَهُ : " اسْقِ يَا زبير - فَأمره بِالْمَعْرُوفِ - ثمَّ أرسل إِلَى جَارك" وَقَالَ فِيهِ بعد "الْجدر" : "واستوعى لَهُ حقَّه" .
قال البُخَارِيّ : فاستوعى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ للزبير حقَّه فِي صَرِيح الحكم حِين أحفظه الْأنْصَارِيّ ، وَكَانَ أَشَارَ عَلَيْهِ بِأَمْر (لَهُ) فِيهِ سَعَة .
وَقَالَ ابْن شهَاب : فقدَّرت الْأَنْصَار وَالنَّاس قَول رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : "اسْقِ ، ثمَّ احْبسِ المَاء إِلَى الْجدر" وَكَانَ ذَلِك إِلَى الْكَعْبَيْنِ .
ذَكَرَهُ فِي كتاب الشّرْب .
[7/89] فَائِدَة : الشراج : بِكَسْر الشين الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الرَّاء ، جمع "شَرَجة" بِفَتْح الشين وَالرَّاء ، وَهِي : مسيل المَاء ، وَقَالَ أَبُو عبيد : الشرج نهر صَغِير ، والحرة : أَرض يركبهَا حِجَارَة سود ، وَذَلِكَ لشدَّة حرهَا ووهج الشَّمْس فِيهَا .
وَقَوله : "أَن كَانَ ابْن عَمَّتك" بِفَتْح الْهمزَة من "أَن" وَمَعْنَاهُ : من أجل أَنه ابْن عَمَّتك ؛ لِأَن أُمَّ الزبير صَفِيَّة بنت عبد الْمطلب عمَّة رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .
والجدر - بِفَتْح الْجِيم وَكسرهَا ، وبالدال الْمُهْملَة - : الْحَائِط ، وَقيل : أصل الْجِدَار ، وَقيل : أصل الشّجر ، وَقيل : المُسَنَّاةُ ، وَقيل : جُدور المشارب ، الَّتِي يجْتَمع فِيهَا المَاء فِي أصُول النّخل .
قال الْخطابِيّ : هَكَذَا الرِّوَايَة : "الْجدر" والمتقنون من أهل الرِّوَايَة يَقُولُونَهُ - يَعْنِي : بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة - وَهُوَ مبلغ تَمام الشّرْب ، وَمِنْه جدر الْحساب .
وَقَوله تَعَالَى : (فِيمَا شجر بَينهم) أَي : فِيمَا اخْتلفُوا فِيهِ .
وَقَوله : "استوعى" أَي : اسْتَوْفَى واستكمل .
وَأبْعد من قَالَ : أمره ثَانِيًا أَن يَسْتَوْفِي أَكثر من حَقه (عُقُوبَة للْأَنْصَارِيِّ .
حكَاهُ ابْن الصّباغ ، وَالْأَشْبَه أَنه أمره أَن يَسْتَوْفِي حَقه ويستقضي فِيهِ تغلظًا عَلَى الْأنْصَارِيّ بعد أَن سهل عَلَيْهِ) .
فَائِدَة أُخْرَى : اخْتلف فِي اسْم الْأنْصَارِيّ الْمَذْكُور عَلَى أَقْوَال ، أَحدهَا : أَنه حَاطِب بن أبي بلتعة ، ثَانِيهَا : ثَعْلَبَة بن حَاطِب ، ثَالِثهَا : حميد ، حكاهن ابْنُ باطيش ، وَحَكَى الأول وَالثَّانِي ابْن (معن) فِي [7/90] "تنقيبه" وَضعف النَّوَوِيّ الأول فِي "تهذيبه" وَقَالَ : إِنَّه لَا يَصح ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ أنصاريًّا ، وَقد ثَبت فِي "صَحِيح البُخَارِيّ" أَن هَذَا الْأنْصَارِيّ كَانَ بدريًّا (وَحَكَى ابْن بشكوال فِي "غوامضه" قولا أَنه ثَابت بن قيس مَعَ حَاطِب السالف ، وغريب أَنه ذُو الْخوَيْصِرَة) .