الحَدِيث الْخَامِس بعد الْعشْرين
عَن جَابر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه : "أَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهَى عَن بيع فضل المَاء " .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ "مُسلم" بِهَذَا اللَّفْظ من هَذَا الْوَجْه ، وَرَوَاهُ أَيْضا كَذَلِك أَصْحَاب السّنَن الْأَرْبَعَة ؛ لَكِن من حَدِيث إِيَاس [7/93] ابن عبد ، وَصَححهُ التِّرْمِذِيّ ، وَذكره صَاحب " الاقتراح " وَقَالَ : إِنَّه عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ .
هَذَا آخِرُ الْكَلَام عَلَى أَحَادِيث الْبَاب - بِفضل الله وقوَّته .
وَذكر فِيهِ من الْآثَار : " أنَّ عُمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه (اسْتعْمل عَلَى الْحمى) مولَى يُقَال لَهُ : هُنَي ، وَقَالَ : يَا هُنَي ، اضمم جناحك للْمُسلمين ، وَاتَّقِ دَعْوَة الْمَظْلُوم ؛ فَإِنَّهَا مجابة ، وَأدْخل ربَّ الصُّرَيْمة والغُنَيْمة ، وَإِيَّاك ونَعَم ابْن عَوْف (ونَعَم ابْن عَفَّان [ فَإِنَّهُمَا ] إِن تهْلك ماشيتهما يرجعان إِلَى نخل) وَزرع ، وَإِن (رَبَّ) الغُنَيْمة والصُّرَيْمة (إِن تهْلك مَاشِيَته) يأتيني بعياله فَيَقُول : يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ ، لا أَبَا لَك ، لَا أَبَا لَك ، فالماء والكلأ أيسرُ عليَّ من الذَّهَب وَالْوَرق ، وَايْم الله ، لَوْلَا المَال الَّذِي أجمل عَلَيْهِ فِي سَبِيل الله مَا حميت عَلَى الْمُسلمين من بِلَادهمْ شبْرًا " .
هَذَا الْأَثر صَحِيح ، رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي "صَحِيحه" من حَدِيث مَالك ، عَن زيد بن أسلم ، عَن أسلم مولَى عمر " أَن عمر اسْتعْمل مولَى لَهُ يُدعَى هُنَيًّا عَلَى الْحمى ... " فَذكره كَذَلِك ، إِلَّا أَنه قَالَ بعد "وَايْم الله" : "إِنَّهُم لَيرَوْنَ أَنِّي قد ظلمتهم ؛ إِنَّهَا لبلادهم ؛ قَاتلُوا عَلَيْهَا فِي الْجَاهِلِيَّة ، وَأَسْلمُوا عَلَيْهَا فِي الْإِسْلَام ، وَالَّذِي نَفسِي بيدهِ لَوْلَا المَال الَّذِي أحمل [7/94] عَلَيْهِ فِي سَبِيل الله مَا حميت عَلَيْهِم من بِلَادهمْ شبْرًا" .
وَقَالَ فِي أوَّلِهِ "يأتيني بِبَيِّنَة" بدل : "عِيَاله" .
وَرَوَاهُ الشَّافِعِي عَن عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد (عَن) زيد بن أسلم ، عَن أَبِيه : " أَن عُمر اسْتعْمل مولَى لَهُ - يُقَال لَهُ : هُنَي - عَلَى الْحمى ، فَقَالَ لَهُ : يَا هُنَي ، ضُم جناحك للنَّاس ، وَاتَّقِ دَعْوَة الْمَظْلُوم ؛ فَإِن دَعْوَة الْمَظْلُوم مستجابة" .
وَالْبَاقِي (كَرِوَايَة) الرافعيِّ ، إِلَّا أَنه قَالَ : " وَإِن ربَّ الْغَنِيمَة يأتيني بعياله " بدل مَا ذكره الرافعيُّ ، وَقَالَ : "يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ" مرَّتَيْنِ ، وَقَالَ : "أَهْون عليَّ من الدَّنَانِير وَالدَّرَاهِم " بدل مَا ذكره الرافعيُّ ، وَقَالَ : "وَايْم الله ؛ لعَلي ذَلِك أَنهم لَيرَوْنَ أَني قد ظلمتهم إِنَّهَا لبلادهم ، وَلَوْلَا المَال " . إِلَى آخِره كَمَا ذكره الرَّافِعِيّ .
فَائِدَة : هُنَيّ بِضَم الْهَاء وَفتح النُّون وَتَشْديد الْيَاء ، كَذَا ضَبطه ابْن مَاكُولَا وَغَيره ، قَالَ النَّوَوِيّ فِي "تهذيبه" : ورأيتُ (بِخَط من لَا تَحْقِيق لَهُ) : أَنه يُقَال أَيْضا بِالْهَمْز ، قَالَ : وَهَذَا خطأ ظَاهر .
وَمَعْنى "اضْمُمْ" : أَلِنْ .
وَ "الصريمة" تَصْغِير الصرمة ، وَهِي الْقطعَة من الْإِبِل نَحْو الثَّلَاثِينَ .
وَ "الْغَنِيمَة" : تَصْغِير الْغنم ، مَا بَين الْأَرْبَعين إِلَى الْمِائَة من الشَّاة .
[7/95] وَقد أوضحت الْكَلَام عَلَى مَا فِي هَذِه الْأَلْفَاظ فِي "تخريجي لأحاديث المهذَّب" ، فَرَاجعه مِنْهُ .
وَذكر الرَّافِعِيّ فِي الْبَاب أَيْضا : أَن الْجُلُوس للْبيع وَالشِّرَاء والحرفة مَمْنُوع مِنْهُ فِي الْمَسْجِد ، إِذْ حُرْمَة الْمَسْجِد تأبى اتخاذَه حانوتًا ، وَقد رُوي عَن عُثْمَان : " أَنه رَأَى خَيَّاطًا فِي الْمَسْجِد [ يخيط ] فَأخْرجهُ " .
وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ ابْن عدي من حَدِيث عَلي بن أبي طَالب قَالَ : " صليت الْعَصْر مَعَ عُثْمَان أَمِير الْمُؤمنِينَ ، فَرَأَى خيَّاطًا فِي نَاحيَة الْمَسْجِد ، فَأمر بِإِخْرَاجِهِ ، فَقيل لَهُ : يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ ، إِنَّه يكنس الْمَسْجِد ويغلق الْأَبْوَاب ويرش أَحْيَانًا .
فقَالَ عُثْمَان : سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُول : جَنبُوا مَسَاجِدكُمْ صِبْيَانكُمْ " .
ذَكَرَهُ فِي تَرْجَمَة مُحَمَّد بن مُجيب الْكُوفِي ، قَالَ يَحْيَى : هُوَ كذَّاب ، عَدو الله .
وَقَالَ أَبُو حَاتِم : ذَاهِب الحَدِيث .
وَقَالَ الْأَزْدِيّ : مَجْهُول .
وَذَكَرَهُ ابْن الْجَوْزِيّ فِي "علله" وَنقل مقَالَة يَحْيَى فِي مُحَمَّد بن مُجيب ، وَقَالَ ابْن عدي ثمَّ عبد الْحق : إِنَّه حَدِيث ضَعِيف .
قلت : و "مُحَمَّد بن مُجيب" هَذَا قد يشْتَبه بِمُحَمد بن محبب البصريِّ الدلاَّل ، وَذَلِكَ ثِقَة ، وَقد غلط ابْن الْجَوْزِيّ فِي إِيرَاده فِي [7/96] الضُّعَفَاء ، كَمَا نبَّه عَلَيْهِ فِي "الْمِيزَان" وَلَهُم ثَالِث اسْمه : مُحَمَّد بن محبب المصِّيصِي ، ذكره ابْن أبي حَاتِم وبيَّض لَهُ ، وَهُوَ مَجْهُول
.