|
هَذَا آخر الْكَلَام عَلَى أَحَادِيث الْبَاب بِحَمْد الله ومنّه ، وَذَكر فِيهِ من الْآثَار أثرين : أَحدهمَا : " أَن أَبَا بكر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه نحل عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها (جادَّ) عشْرين وسْقا ، فَلَمَّا مرض قَالَ : وددت أَنَّك حُزْتِيهِ أَو قبضتيه ، وَإِنَّمَا هُوَ الْيَوْم مَال الْوَارِث " . هَذَا الْأَثر صَحِيح ، رَوَاهُ مَالك فِي "الْمُوَطَّأ" عَن ابْن شهَاب ، عَن [7/144] عُرْوَة ، عَن عَائِشَة (رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قَالَت) : " نَحَلَنِي أَبُو بكر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه (جادَّ) عشْرين وسْقا من مَال الغابة ، فَلَمَّا حَضرته الْوَفَاة قَالَ : وَالله يَا بنية مَا من النَّاس أحبُّ إليَّ غِنى مِنْك بعدِي ، وَلَا أعز عليَّ فقرا بعدِي مِنْك ، وَإِنِّي كنتُ نَحَلْتُكِ جادّ عشْرين وسْقا ، وَلَو كنت (جددتيه واحتزتيه) لَكَانَ لَك ، وَإِنَّمَا هُوَ الْيَوْم مَال الْوَارِث ، وَإِنَّمَا هما أَخَوَاك وَأُخْتَاك ؛ فَاقْتَسمُوهُ عَلَى كتاب الله . قَالَت : فَقلت : يَا أَبَت ، لَو كَانَ كَذَا وَكَذَا لتركته ؛ إِنَّمَا هِيَ أَسمَاء ؛ فَمن الْأُخْرَى ؟ ! قَالَ : ذُو بطن ابْنة خَارِجَة . أرَاهَا جَارِيَة " . وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الحكم (أبنا) ابْن وهب ، عَن مَالك بن أنس وَيُونُس بن يزِيد وَغَيرهمَا من أهل الْعلم ، أَن ابْن شهَاب أخْبرهُم عَن عُرْوَة بن الزبير ، عَن عَائِشَة أَنَّهَا قَالَت : " إِن أَبَا بكر الصّديق نحلهَا جدَاد عشْرين وسْقا من مَال بِالْغَابَةِ ، فَلَمَّا حَضرته الْوَفَاة قَالَ : وَالله يَا بنية ، مَا من النَّاس أحد أحب إليَّ غِنى بعدِي مِنْك ، وَلَا أعز عليَّ فقرا بعدِي مِنْك ، وَإِنِّي كنت نحلتكِ من مَالِي جدَاد عشْرين وسْقا ، فَلَو كنت جددتيه واحتزتيه كَانَ (لَك) ذَلِك ، وَإِنَّمَا [7/145] (هُوَ) مَال الْوَارِث ، وَإِنَّمَا هما أَخَوَاك وَأُخْتَاك ، فَاقْتَسمُوهُ عَلَى كتاب الله - تَعَالَى - فَقَالَت : يَا أبه ، وَالله لَو كَانَ كَذَا وَكَذَا لتركته ، إِنَّمَا (هِيَ) أَسمَاء ؛ فَمن الْأُخْرَى ؟ قَالَ : ذُو بطن بنت خَارِجَة . أرَاهَا جَارِيَة " . قال ابْن عبد الحكم : وأبنا ابْن وهب أَخْبرنِي (عبد الله بن عمر ، عَن عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم ، عَن أَبِيه ، عَن عَائِشَة بذلك . وَأبنا ابْن وهب) قَالَ : سَمِعت حَنْظَلَة بن أبي سُفْيَان يحدث أَنه سمع الْقَاسِم بن مُحَمَّد يحدث بذلك أَيْضا (إِلَّا) أَنه قَالَ : (أَرضًا يُقَال) لَهَا : تمرد ، وَكَانَت عِنْده لم يقبضهَا . وَقد أوضحت الْكَلَام عَلَى أَلْفَاظ هَذَا الْأَثر فِي "تخريجي لأحاديث الْمُهَذّب" فَرَاجعه مِنْهُ تَجِد نفائس . الْأَثر الثَّانِي : عَن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَنه قَالَ : " من وهب هبة يَرْجُو ثَوَابهَا فَهُوَ رد عَلَى صَاحبهَا مَا لم يُثَبْ [ مِنْهَا ] " . وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ مَالك فِي "الْمُوَطَّأ" عَن دَاوُد بن الْحصين عَن أبي غطفان بن طريف المري أَن عمر بن الْخطاب قَالَ : " من وهب (هبة) لصلة رحم أَو عَلَى وَجه صَدَقَة ؛ فَإِنَّهُ لَا يرجع فِيهَا ، وَمن وهب [7/146] هبة يرَى أَنه إِنَّمَا أَرَادَ بهَا الثَّوَاب فَهُوَ عَلَى هِبته ، يرجع فِيهَا مَا لم يرض بهَا " . وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي "سنَنه" من حَدِيث ابْن وهب ، عَن حَنْظَلَة بن أبي سُفْيَان الجُمَحِي ، عَن سَالم بن عبد الله (عَن أَبِيه) عَن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه : " من وهب هبة لوجه الله فَذَلِك لَهُ ، وَمن وهب هبة يُرِيد ثَوَابهَا ؛ فَإِنَّهُ يرجع فِيهَا إِن لم يرض (بهَا) " . قال : وَهَذَا هُوَ الْمَحْفُوظ . قال : وَرَوَاهُ عبيد الله بن مُوسَى عَن حَنْظَلَة ، عَن سَالم ، عَن [ ابْن ] عُمر مَرْفُوعا : "من وهب هبة فَهُوَ أَحَق بهَا مَا لم يثب مِنْهَا " وَكَذَلِكَ رَوَاهُ عَلي بن سهل بن الْمُغيرَة عَن عبد الله ، وَهُوَ وهم ، إِنَّمَا الْمَحْفُوظ الأول . قال : وَقد قيل : عَن عبيد الله بن مُوسَى عَن إِبْرَاهِيم بن إِسْمَاعِيل بن مجمع ، عَن عَمرو بن دِينَار ، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا : " الْوَاهِب أَحَق بَهته مَا لم يثب (مِنْهَا) " . وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه من هَذَا الْوَجْه ، قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَهَذَا الْمَتْن بِهَذَا الْإِسْنَاد أليق ، وَإِبْرَاهِيم ضَعِيف عِنْد أهل الْعلم بِالْحَدِيثِ ، وعَمرو بن دِينَار عَن أبي هُرَيْرَة مُنْقَطع ، وَالْمَحْفُوظ عَن عَمرو بن دِينَار عَن سَالم عَن أَبِيه عَن عُمر قَالَ : " من وهب هبة فَلم يثب فَهُوَ أَحَق بهبته إِلَّا لذِي [7/147] (محرم) " قَالَ البُخَارِيّ : هَذَا أصح . قال الْبَيْهَقِيّ : وَرُوِيَ (عَن) الْحسن عَن سَمُرَة مَرْفُوعا : " إِذا كَانَت الْهِبَة لذِي رحم محرم لم يرجع " وَلَيْسَ بِالْقَوِيّ . وَقَالَ الْحَاكِم لما أخرجه فِي "مُسْتَدْركه" : إِنَّه صَحِيح عَلَى شَرط البُخَارِيّ . وَهُوَ كَمَا قَالَ ؛ فرواته كلهم ثِقَات ، وَعبد الله بن جَعْفَر الْمَذْكُور فِي إِسْنَاده هُوَ الرقي ، وَهُوَ من رجال "الصَّحِيحَيْنِ" وَأَخْطَأ ابْن الْجَوْزِيّ فِي "تَحْقِيقه" حَيْثُ قَالَ : ضَعَّفُوهُ . فإِن الَّذِي ضَعَّفوه هُوَ الْمَدِينِيّ والدُ عَلي ، وَهُوَ مُتَقَدم عَلَى هَذَا ، وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث ابْن عمر مَرْفُوعا (مثل) حَدِيث عمر السالف ، وَرُوَاته ثِقَات ، وَلَكِن جعله وهما عَلَى مَا نَقله عبدُ الْحق وَغَيره عَنهُ (وَأَن الصَّوَاب عَن ابْن عمر) عَن عُمر قَوْله ، وَخَالف ابْن حزم فصححه مَرْفُوعا ، وَكَذَا الْحَاكِم لما أخرجه فِي "مُسْتَدْركه" مَرْفُوعا قَالَ : إِنَّه حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ إِلَّا أَن يكون الْحمل (فِيهِ) عَلَى شَيخنَا إِسْحَاق بن مُحَمَّد بن خَالِد الْهَاشِمِي . وَلما رَوَاهُ [7/148] الْبَيْهَقِيّ عَن شَيْخه الْحَاكِم بِسَنَدِهِ قَالَ : إِنَّه وهم ، وَإِن الْمَحْفُوظ مَا سلف . وَلما ذكره ابْن الْجَوْزِيّ فِي "تَحْقِيقه" من هَذِه الْأَحَادِيث الثَّلَاثَة : ابْن عمر ، وَأبي هُرَيْرَة ، وَسمرَة ، قَالَ : كلهَا ضِعَاف لَيْسَ فِيهَا مَا يَصح . قلت : وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا بإسنادٍ واهٍ .
|