|
الحَدِيث الثَّالِث أنَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " أَفْرَضُكُمْ زَيْدٌ " . هَذَا الحَدِيث يُرْوى من حديثِ أنسٍ ، وابْنِ عُمر ، وَأبي سعيدٍ الخدريِّ ، وغيرِهِمْ . أما حَدِيث أنس ، فَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ فِي "جَامعه" وَالنَّسَائِيّ [7/190] وَابْن مَاجَه فِي "سنَنه" ، وَالْحَاكِم فِي "مُسْتَدْركه" من حَدِيثه مَرْفُوعا : "أرحمُ أُمَّتي بِأُمَّتي أَبُو بكر ، وأشدُّها حَيَاء عُثْمَان ، وأعلَمُهَا بالحلال وَالْحرَام معَاذ بن جبل ، وأقرؤها لكتاب الله - تَعَالَى - أُبِيّ ، وأعلَمُهَا بالفرائض زيد ، وَلكُل أُمَّةٍ أمينٌ ، وأمينُ هَذِه الأُمّة أَبُو عُبَيْدَة بن الْجراح " . قال التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح . وَقَالَ الْحَاكِم : إِسْنَاده صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ . وَفِي رِوَايَة للْحَاكِم : " أَفْرَضُ أُمَّتي زيد " ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ . وَرَوَى البُخَارِيّ فِي "صَحِيحه" اللَّفْظَة الْأَخِيرَة مُقْتَصرا عَلَيْهَا ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : لِأَن ذَلِك لم يسمعهُ أَبُو قلَابَة من أنسٍٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ مُنْقَطع . وَرَوَاهُ أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي "صَحِيحه" أَيْضا بِلَفْظ : " أَرْحَمُ أُمَّتي بأُمَّتي [ أَبُو ] بكر ، وأشدُّهُم فِي أمْر الله عُمر ، و [ أَصْدَقُهُمْ ] حَيَاء عُثْمَان ، وأَفْرَضُهُم زيد بن ثَابت " وَالْبَاقِي بِمَعْنَاهُ . وَرَوَاهُ أَحْمد أَيْضا فِي "مُسْنده" كَذَلِك ، إِلَّا أَنه قَالَ : "وأشدُّهَا فِي دِينِ الله عُمرُ" وَالْبَاقِي مثله ، إِلَّا أَنه قَالَ فِيهِ : "وأصدَقُهَا" و "أقْرَؤها" و "أَعْلَمُهَا بالفرائض زيد" . وأمّا حَدِيث ابْن عُمر ، فَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي "مُسْتَدْركه" فِي تَرْجَمَة [7/191] ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا : "إِن أَرْأف أُمَّتي بهَا أَبُو بكر ... " إِلَى أَن قَالَ : "وَإِن أَفْرَضُهَا زيد بن ثَابت" . وأمّا حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ فَرَوَاهُ أَبُو ذَر الْهَرَوِيّ مَرْفُوعا : " أَفْرَضُ أُمتي زيد بن ثَابت ، وأقضاهم عليٌّ ... " الحَدِيث . وَرَوَاهُ ابْن الْأَنْبَارِي فِي كِتَابه "الرَّد عَلَى مَنْ خالفَ مصحف عُثْمَان" بِلَفْظ : "وأَفْرَضُهُمْ زيد" . وَفِيه زيد العمِّي ، وَلَيْسَ بالقويّ ، وسلاَّم الطَّوِيل ، وَقد تَرَكُوهُ . وَله طَرِيق رَابِع وخامس ذكرتُهما فِي "تخريجي لأحاديث الْوَسِيط" مَعَ بَيَان وَهن تَضْعِيف ابْن حَزْمٍ لَهُ ، فراجِعْهُ مِنْهُ تَجِد نفائِسَ . فَائِدَة : اخْتلف الْعلمَاء فِي تَأْوِيل قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ : "أَفْرَضُكُمْ زيد" عَلَى أقوالٍ خَمْسَة ، ذكرهَا الماورديُّ فِي "حاويه" : أَحدهَا : أَنه قَالَ ذَلِك حثًّا عَلَى (مناقشته) وَالرَّغْبَة فِي تعلمه كَرَغْبَتِهِ ؛ لِأَن زيدا كَانَ مُنْقَطِعًا إِلَى الْفَرَائِض . ثَانِيهَا : أَنه قَالَ ذَلِك تَشْرِيفًا لَهُ ، وإنْ شَاركهُ غيرُهُ فِيهِ ، كَمَا قَالَ : "(أقضاُكُم) عليٌّ" . وَمَعْلُوم أَن أعرف الناسِ (بِالْقضَاءِ) هُوَ أَعْرَفُهُم بالفرائض ؛ لِأَن ذَلِك من جُمْلة القضايا . ثَالِثهَا : أَنه أَشَارَ بذلك إِلَى جماعةٍ من الصَّحَابَة كَانَ زيدٌ أفرضَهُمْ ، [7/192] وَيرد هَذِه الرِّوَايَة السالفة : "أفْرَضُ أُمَّتي زيد بن ثَابت" . رَابِعهَا : أَنه أَرَادَ بذلك أَن زيدا كَانَ أَشَّدهم عناية وحرصًا (عَلَيْهِ) . خَامِسهَا : أَنه قَالَ ذَلِك ؛ لِأَنَّهُ كَانَ أصحَّهُم حسابا وأسرعَهُمْ جَوابًا . وَذكر غَيره جَوَابًا آخر : أنَّ "من" مقدَّرة فِيهِ .
|