الحَدِيث الثَّامِن عشر
" أَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم يُعط ابْن مَسْعُود سلب أبي جهل ؛ لِأَنَّهُ كَانَ قد أثخنه فتيَان من الْأَنْصَار ، وهما : معَاذ ومعوَّذ ابْنا عَفْراء " .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي "صَحِيحَيْهِمَا" لكنهما قَالَا : "معَاذ بن عَمرو بن الجموح ، ومعاذ بن عفراء" بدل مَا ذكره الرافعيُّ .
أَخْرجَاهُ من حَدِيث أنس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : (مَنْ ينظر مَا صنع أَبُو جهل ؟ فَانْطَلق ابْنُ مَسْعُود فَوَجَدَهُ قد ضربه ابْنا عفراء حَتَّى برد ، قَالَ : فَأخذ بلحيته ، فَقَالَ : آنت أَبُو جهل ؟" .
وَللبخاري : "آنت أَبَا جهل ؟ قَالَ : وَهل [ فَوق ] رجل قَتَلْتُمُوهُ - أَو قَالَ : قَتله قومُهُ" .
وَفِي لفظ لَهما : "قَالَ أَبُو جهل : [ فَلَو غيرُ أكَّار ] يقتلني ؟" .
وابنا عفراء هما معَاذ بن عَمرو بن الجموح ، ومعاذ بن عفراء ، كَمَا أخرجه الشَّيْخَانِ فِي "صَحِيحَيْهِمَا" من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن عَوْف [7/342] قال : "إِنِّي لواقفٌ فِي الصَّفّ يَوْم بدر ، فنظرتُ عَن يَمِيني وَعَن شمَالي ، فَإِذا أَنا بغلامين من الْأَنْصَار [ حَدِيثَة ] أسنانهما ، فتمنيتُ أَن [ أكون ] بَين أضلع مِنْهُمَا ، فغمزني أَحدهمَا فَقَالَ : أيْ عَمّ ، تعرف أَبَا جهل ؟ قلت : نعم ، مَا حَاجَتك [ إِلَيْهِ يَا ] ابْن أخي ؟ قَالَ : أخْبرت أَنه يسب رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، لَئِن رَأَيْته لَا يُفَارق سوَادِي سوَاده حَتَّى يَمُوت الأعجل منا .
قال : فتعجبت لذَلِك ، قَالَ : وغمزني الآخر فَقَالَ لي مثلهَا ، فَلم أنشب أَن (نظرت إِلَى) أبي جهل يجول فِي النَّاس ، فَقلت : أَلا تريان ؛ هَذَا صاحبكما الَّذِي تسألاني عَنهُ .
قال : فابتدراه [ بسيفيهما ] فضرباه حَتَّى قتلاه ، ثمَّ انصرفا إِلَى رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخْبَرَاهُ ، فَقَالَ : أيكما قَتله ؟ قَالَ كلُّ واحدٍ مِنْهُمَا : أَنا قتلته .
فقال : هَل مسحتما [ سيفيكما ] ؟ قَالَا : لَا .
فنظر رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى السيفين ، فَقَالَ : (كلاكما) قَتله .
وَقَضَى رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بسلبه لِمعَاذ بن عَمرو بن الجموح (ومعاذ بن عفراء) " .
[7/343] فَائِدَة : "أثخنه" فِي طَرِيق الرَّافِعِيّ بمثلثة ، ثمَّ خاء مُعْجمَة ، أَي أضعفه بالجراحة .
تَنْبِيهَات : (أَحدهَا) : قد علمتَ أَن فِي الحَدِيث "معَاذ بن عَمرو بن الجموح ومعاذ بن عفراء" خلاف مَا وَقع فِي "الرَّافِعِيّ" وعفراء أُمُّهما ، كَمَا قَالَه ابْن الْأَثِير وغيرُه فِي "جَامعه" .
ثَانِيهَا : معَاذ ومعوذ ابْنا الْحَارِث بن رِفَاعَة ، وَتَبعهُ ابْنُ الرّفْعَة فِي "الْكِفَايَة" وَقَالَ ابْن معِين فِي "سنَنه" : هُمَا : عَوْف ومسعود .
وَقال التغلبي : عَوْف ومعاذ .
قالا : فالاتفاق عَلَى عَوْف وَالِاخْتِلَاف فِي الآخر .
قلت : وَأَيْنَ الِاتِّفَاق ؟ وَقد علمت أَنه خلاف مَا وَقع فِي "الصَّحِيح" وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي "تهذيبه" : هما عوذ ومعوذ ، الأول بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَإِسْكَان الْوَاو وَبعدهَا ذال مُعْجمَة ، ثمَّ نقل عَن ابْنِ عَبْدِ البَرِّ وغيرُه أَنهم فِي "عوذ" : "عَوْف" بِالْفَاءِ بدل الذَّال .
هذَا مَا ذكره فِي النَّوْع السَّابِع الْمَعْقُود لبَيَان المبهمات ، وَذكر فِي الْأَسْمَاء فِي تَرْجَمَة معَاذ بن الْحَارِث أخي عوذ ومعوذ . أن معَاذًا هُوَ الَّذِي شَارك فِي قتل أبي جهل ، كَمَا ثَبت فِي "صَحِيح البُخَارِيّ" عَن أنس .
فَائِدَة : تُوفي معاذُ بْنُ عفراء فِي زمن عليّ ، عَام صِفِّيْن ، كَمَا قَالَه الواقديُّ ، وَقَالَ ابْن مَنْدَه : قُتِل ببدر .
وَهُوَ غلط بالِاتِّفَاقِ ؛ إِنَّمَا قُتِلَ ببدر أَخَوَاهُ ، قَالَ كثيرُ بن أَفْلح : أعتق معاذُ بن عفراء ألف نَسْمَة ، سُوَى مَا ابْتَاعَ لَهُ .
نقله أَبُو نُعَيْم فِي "الْمعرفَة" .
[7/344] ثَالِثهَا : حَكَى ابْن الرّفْعَة خلافًا فِي "كِفَايَته" "أَنه عَلَيْهِ السَّلَام أعْطى سلب أبي جهل لَهما أَو لأَحَدهمَا" .
وَهُوَ خلاف غَرِيب .
وَفِي "مُسْند الإِمَام أَحْمد" من حَدِيث أبي [ عُبَيْدَة ] عَن عبد الله بن مَسْعُود : " أَنه وجده - يَعْنِي : أَبَا جهل - يَوْم بدر وَقد ضُرِبَتْ رِجْله وَهُوَ صريع ، وَهُوَ يَذُبُّ الناسَ عَنهُ بسيفٍ لَهُ ، فأخذتُه فقتلتُه بِهِ ، فَنَفَلَني سلبه " .
وَهَذَا مُنْقَطع ، أَبُو (عُبَيْدَة) لم يسمع مِنْ أَبِيه
.