الحَدِيث الثَّالِث عشر
أنَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : "لَا تحل الصَّدَقَة إِلَّا لخمسةٍ ... " وَذكر مِنْهُم "الْغَارِم " .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد في "سنَنه" مِنْ طَرِيقين :
أَحدهمَا : عَن عَطاء بن يسَار أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " لَا تحل الصَّدَقَة لغنيٍّ ، إِلَّا لخمسة : لغاز فِي سَبِيل الله ، أَو لعامل عَلَيْهَا ، أَو لغارم ، أَو لرجل اشْتَرَاهَا بِمَالِه ، أَو لرجلٍ كَانَ لَهُ جَاره مِسْكين فَتصدق عَلَى المسكينِ ؛ (فأهدى) المسكينُ للغني " .
[7/383] وَكَذَلِكَ أخرجه مَالك فِي "موطئِهِ" مُرْسلا .
ثَانِيهَا : عَن عَطاء عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ عَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَعْنَاهُ ، كَذَا قَالَ أَبُو دَاوُد ، وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه من هَذَا الْوَجْه مُتَّصِلا ، كَمَا ذكره أَبُو دَاوُد بِاللَّفْظِ الأول (مَعَ) تقديم وتأخير ، وَقَالَ : " أَو غنيّ اشْتَرَاهَا بِمَالِه ، أَو فَقير تصدق عَلَيْهِ فأهداها لَغَنِيّ " يدل عَلَى مَا تقدم .
وَرَوَاهُ الْبَزَّار مُتَّصِلا من طَرِيقين إِلَى أبي سعيد مَرْفُوعا ، وَرَوَاهُ أَحْمد مُتَّصِلا أَيْضا ، وَاخْتلف الْحفاظ (أَيهمَا) أصح : طَريقَة الْوَصْل أَو طَريقَة الْإِرْسَال ؟ فصحح الثَّانِي طائفةٌ ؛ فَفِي " علل ابْن أبي حَاتِم " : أَن الثَّوْريّ أرْسلهُ ، وَنقل عَن أَبِيه أَن الْإِرْسَال أشبه .
كذَا نَقله عَن الثَّوْريّ ، وَسَيَأْتِي عَن الْبَيْهَقِيّ مَا يُخَالِفهُ ، وَسُئِلَ عَنهُ الدَّارَقُطْنِيّ فَقَالَ فِي "علله" : هَذَا الحَدِيث حدَّث بِهِ عبد الرَّزَّاق عَن معمر ، وَالثَّوْري عَن زيد بن أسلم عَن عَطاء بن يسَار عَن أبي سعيدٍ ، قَالَه ابْن عَسْكَر ، وَقَالَ غيرُه : عَن عد الرَّزَّاق عَن معمر وَحده ، وَهُوَ أصح .
قال : وَرَوَاهُ ابْن مهْدي ، عَن الثَّوْريّ ، عَن زيد بن أسلم قَالَ : حَدثنِي الثبْتُ عَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَلم يسم رجلا ، وَهُوَ الصَّحِيح
.

وَصحح طَائِفَة الأول ، قَالَ الْحَاكِم فِي "مُسْتَدْركه" بعد أَن أخرجه [7/384] فِيهِ من حَدِيث (عَطاء عَن أبي سعيد مَرْفُوعا بِلَفْظ أبي دَاوُد الْمُرْسل : هَذَا حَدِيث) صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ ، قَالَ : وَإِنَّمَا لم يخرجَاهُ لإرسال مَالك بن أنس إِيَّاه ، عَن زيد بن أسلم ، عَن عَطاء .
قال : وَهَذَا من شرطي أَنه صَحِيح ، فقد يُرْسل مالكٌ (الحديثَ أَو يصله أَو يَقِفُهُ) فَالْقَوْل قَول الثِّقَة الَّذِي يصله ويسنده
.
وَقال الْبَزَّار فِي "مُسْنده" : هَذَا الحَدِيث قد رَوَاهُ غيرُ واحدٍ ، عَن زيد ، عَن عَطاء مُرْسلا ، وأسنده عبد الرَّزَّاق عَن : معمر ، وَالثَّوْري قَالَ : (وَإِذا) حدَّث بِالْحَدِيثِ ثقةٌ كَانَ عِنْدِي الصَّوَاب ، وَعبد الرَّزَّاق عِنْدِي ثِقَة ، وَمعمر ثِقَة ، وَقَالَ ابْن عبد الْبر : هَذَا الحَدِيث وَصله جمَاعَة من رِوَايَة زيد بن أسلم .
وَقال ابْن الْجَوْزِيّ فِي "تَحْقِيقه" : إِسْنَاده ثِقَات .
وَجمع الْبَيْهَقِيّ طُرُقَهُ ، وفيهَا : أَن مَالِكًا ، وَابْن عُيَيْنَة (أرسلا) وَأَن معمرًا ، وَالثَّوْري (وصلا) وهما من جُلَّة الْحفاظ المعتمدين ، وَالصَّحِيح إِذن أَن الحُكم للمتصل كَمَا صرَّح بِهِ أهل هَذَا الْفَنّ والأصوليون .
تَنْبِيه : هَذَا الحَدِيث ذكره الرَّافِعِيّ هُنَا مُخْتَصرا ، وَذكره بَعْدُ مطولا بِلَفْظ أبي دَاوُد ، وَجُمْهُور المصنفين عَلَى جَوَاز تقطيع الحَدِيث إِذا لم (يخل) بِالْمَعْنَى ، وَهَذَا مِنْهُ ، ومِنْ أَكْثَرهم اسْتِعْمَالا لهَذَا البخاريُّ [7/385] فِي "صَحِيحه" وناهيك بِهِ قُدْوَة
.