|
الحَدِيث التَّاسِع " أَن رجلا جَاءَ إِلَى النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بصدقةٍ ، بِمثل الْبَيْضَة من الذَّهَب ، فَقَالَ للنَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : خُذْهَا ؛ فَهِيَ صَدَقَة ، وَمَا أملك غَيرهَا . فأَعْرض عَنهُ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، إِلَى أَن أعَاد عَلَيْهِ القَوْل ثَلَاث مراتٍ ، ثمَّ أَخذهَا و(رَمَاه) بهَا رميةً ، لَو أَصَابَته لَأَوْجَعَتْهُ ثمَّ قَالَ : يَأْتِي أحدكُم بِمَا يملك ، فَيَقُول : هَذِه صَدَقَة ، ثمَّ يقْعد يَتَكَفَّف وُجُوه النَّاس ، خير الصَّدَقَة مَا كَانَ عَن ظهر غِنَى " . هَذَا الحَدِيث حسن ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد في "سنَنه" من حَدِيث مُحَمَّد بن إِسْحَاق ، عَن عَاصِم بن عمر بن قَتَادَة ، عَن مَحْمُود بن لبيد ، عَن جَابر [7/416] ابن عبد الله الْأنْصَارِيّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : كُنَّا عِنْد رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذْ جَاءَ رجل بِمثل بَيْضَة من ذهب ، فَقَالَ : يَا رَسُول الله ، أصبتُ هَذِه من مَعْدن ، فَخذهَا فَهِيَ صَدَقَة ، مَا أملك غَيرهَا . فأَعْرض عَنهُ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، ثمَّ أَتَاهُ من قِبَل رُكْنه الْأَيْمن ؛ فَقَالَ مثل ذَلِك ؛ فَأَعْرض عَنهُ رَسُول الله . (ثمَّ أَتَاهُ) من قِبَل رُكْنه الْأَيْسَر ، فَأَعْرض عَنهُ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثمَّ أَتَاهُ مِنْ خَلفه ؛ أَخذهَا النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَحَذَفه بهَا ، فَلَو أَصَابَته لَأَوْجَعَتْهُ أَو لَعَقَرته ، فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : يَأْتِي أحدكُم بِمَا يملك ، فَيَقُول : هَذِه صدقتي ، ثمَّ يقْعد (يَسْتَكِف) النَّاس ، خير الصَّدَقَة مَا كَانَ عَن ظهرْ غِنى " . وَإِسْنَاده جيد ، لَوْلَا عنعنة ابْن إِسْحَاق . وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي "صَحِيحه" من طَرِيقه ، لِأَنَّهُ ذكر ابْن إِسْحَاق فِي "ثقاته" وانتصر لنَفسِهِ ، كَمَا أسلفناه عَنهُ فِي الصَّلَاة ، وَلَفظه فِي إِيرَاده عَن جَابر قَالَ : "(إِنِّي لعِنْد) رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، إذْ جَاءَهُ رجل بِمثل الْبَيْضَة من (ذهب) قد أَصَابَهَا من بعض الْمَغَازِي ، فَقَالَ : يَا رَسُول الله ، خُذ هَذِه منِّي صَدَقَة ، فواللَّهِ مَا أصبح لي مَال غَيرهَا . قال : فَأَعْرض عَنهُ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَجَاءَهُ مِنْ شِقِّه الآخر [ فَقَالَ لَهُ مثل ذَلِك ] فَأَعْرض عَنهُ ، ثمَّ جَاءَهُ من قِبَل وَجهه ، فَأَخذهَا مِنْهُ فَحَذفهُ بهَا حَذْفَةً (لَو أَصَابَهُ [7/417] عقره) أَو أوجعهُ) ثمَّ قَالَ : يَأْتِي أحدكُم إِلَى جَمِيع مَا يملك فَيتَصَدَّق بِهِ ، ثمَّ يقْعد يَتَكَفَّف الناسَ ، إِنَّمَا الصَّدَقَة عَن ظهر غِنَى ، خُذْ عَنَّا مَالك ؛ لَا حَاجَة لنا بِهِ " . وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي "مُسْتَدْركه" أَيْضا من جِهَته ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم . وَمرَاده فِي المتابعات لَا فِي الْأُصُول ، لَا جرم قَالَ الْمُنْذِرِيّ فِي "تَخْرِيجه لأحاديث المهذَّب" : إِنَّه حَدِيث حسنٌ وَحَدِيث جَابر الْآتِي فِي كتاب الْعتْق "ابدأ بِنَفْسِك فتصدَّق عَلَيْهَا" . في قصةٍ مَعَ الْمُدبر شاهدٌ لَهُ . فَائِدَة : قَوْله : "حذفه" : اخْتُلِفَ فِي ضَبطه ؛ هَل هُوَ بِالْحَاء الْمُهْملَة أَو بِالْمُعْجَمَةِ ، فقيده النَّوَوِيّ فِي "شرح المهذَّب" فِي هَذَا الْبَاب بِالْحَاء الْمُهْملَة ، وَكَذَا ابْن [ معن ] فِي "تنقيبه" قَالَ : وَهُوَ الْإِلْقَاء بباطن الْكَفّ ، قَالَ : ويُرْوى بِالْخَاءِ - يَعْنِي بِالْمُعْجَمَةِ - قَالَ : (وَهُوَ الْإِلْقَاء بأطرف الْأَصَابِع . وَقال صَاحب (المستعذب عَلَى الْمُهَذّب) : حذفه : رَمَاه بهَا) وأصل الْحَذف الرَّمْي بالعصا والخذف : الرَّمْي بالحصا . وَكَذَا قَالَ القلعي : "حذفه" بِالْحَاء الْمُهْملَة ، قَالَ : وَلَو رُوي : "فقذفه بهَا قذفة" لَكَانَ أصوب ؛ لِأَن الْقَذْف بِالْحجرِ ، والحذف بالعصا ، وَأما الْخذف - بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة - : فَلَا مَعْنَى لَهُ هُنَا ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يكون بالحصاة وَنَحْوهَا ، وتُجعل بَين السبَّابتين ويرمى بهَا . وَقال الْحَافِظ محب الدَّين فِي "أَحْكَامه" : إِنَّه لَا [7/418] يبعد أَن تكون الرِّوَايَة بِالْمُهْمَلَةِ ، وَهُوَ الظَّاهِر . وَفِي "حَوَاشِي السّنَن" لِلْمُنْذِرِيِّ فِي بَاب عَطِيَّة من سَأَلَ بِاللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - من كتاب الزَّكَاة الْخذف - بِالْخَاءِ والذال المعجمتين - الرَّمْي بالحصا ، والحذف - بِالْحَاء الْمُهْملَة - الرمى بالعصا ، و "الْعقر" : الْجرْح هَاهُنَا ، وَيسْتَعْمل أَيْضا فِي الْقَتْل والهلاك ، و "رُكْنه" جَانِبه وَفِي "يَتَكَفَّف" تأويلات : أَحدهَا : (يمد) كَفه للسؤال ، (أَي : يتَعَرَّض لَهَا وَيَأْخُذ الصَّدَقَة بكفه) . ثَانِيهَا : يَأْتِيهم من (كففهم أَي) من جوانبهم ونواحيهم . ثالِثهَا : أَن يسألهم كفًّا من طَعَام . رابِعهَا : يطْلب مَا يكف بِهِ الجوعة . حكاهن صَاحب "المستعذب عَلَى المهذَّب" وَمن الْأَخير : "يَتَكَفَّفُونَ النَّاس" ووقعَ فِي بعض كتب الْفُقَهَاء : "يَتَكَفَّف" بدل "يَسْتَكِف" ، وَهُوَ مَا فِي "صَحِيح ابْن حبَان" كَمَا أسلفته ، (وهما صَحِيحَانِ ، قَالَ أهل اللُّغَة : يُقَال فِيهِ : تكفف واستكف) وَقَوله : "عَن ظهر غِنى" : قَالَ الْخطابِيّ : مَعْنَاهُ : عَن غِنى [ يعتمده ] ويستظهر بِهِ عَلَى النوائب . وَذكر الْمَاوَرْدِيّ - من أَصْحَابنَا - لَهُ مَعْنيين ، أَحدهمَا : هَذَا ، وَثَانِيهمَا : أَن مَعْنَاهُ : الِاسْتِغْنَاء عَن أَدَاء الْوَاجِبَات . قال النَّوَوِيّ فِي "شرح المهذَّب" : وَالأَصَح مَا قَالَه غَيرهمَا : أَن المُرَاد غِنى النَّفس ، أَي : إِنَّمَا تَصلح الصَّدَقَة لمن قويت نَفسه واستغنت بِاللَّه ، وثبَّت نَفسه وصبر عَلَى الْفقر . [7/419] وَالْقَاضِي حُسَيْن قَالَ : مَعْنَى قَوْله : "عَن ظهْر غِنى" أَي : (وَرَاء) الغِنى ، قَالَ (ابْن) دَاوُد - من أَصْحَابنَا - : قيل : لم يسْبق الرَّسُول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى هَذِه اللَّفْظَة . وَذكر الرافعيُّ فِي الْبَاب أثرا وَاحِدًا ، وَهُوَ : عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد عَن أَبِيه : "أَنه كَانَ يشرب من سقايات بَين مَكَّة وَالْمَدينَة ، فَقيل (لَهُ) : أتشرب من الصَّدَقَة ؟ فَقَالَ : إِنَّمَا حرم (الله) علينا الصَّدَقَة الْمَفْرُوضَة" . وَهَذَا الْأَثر بَيَّض لَهُ المنذريُّ ثمَّ النوويُّ ، وَهُوَ فِي "سنَن الْبَيْهَقِيّ" و "الْمعرفَة" ، قبل اللّقطَة : قَالَ الشافعيُّ : أَنا مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم ، عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد ، عَن أَبِيه : "أَنه كَانَ يشرب من سقايات كَانَ يَضَعهَا النَّاس بَين مَكَّة وَالْمَدينَة ، فَقلت لَهُ - أَو : قيل لَهُ - : (أتشرب من الصَّدَقَة ؟) فَقَالَ : إِنَّمَا حرمت علينا الصَّدَقَة الْمَفْرُوضَة" . وَقَالَ فِي "الْمعرفَة" قبيل النِّكَاح : رُوي عَن أبي جَعْفَر بن مُحَمَّد بن عليّ ، وَهُوَ فِي "الْأُم" أَيْضا ، قَالَ ابْن دَاوُد : وَقَول جَعْفَر بن مُحَمَّد ذَلِك (لين) لِأَن المَاء الْمَوْضُوع عَلَى الطَّرِيق صَدَقَة تطوع ، بل طَرِيقه طَرِيق الْإِبَاحَة ، إِذْ الصَّدَقَة يملكهَا المتصدَّق عَلَيْهِ ملكا مُفِيدا [7/420] للتَّصَرُّف ، وَلَكِن اسْتعْمل جَعْفَر فِي الْجَواب مَا هُوَ أظهر وَأبين ، هَذَا كَلَامه ، لَكِن سُؤال السَّائِل لَهُ عَن ذَلِك لأجل الْخَبَر يدل عَلَى أَنه من الصَّدَقَة ، وَإِلَّا لما كَانَ للسؤال عَن ذَلِك مَعْنَى . أخِرُ رُبْع الْمُعَامَلَات .
|