[7/425] الحَدِيث الثَّانِي
عَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنه قَالَ : " النِّكَاح سُنَّتي ؛ فَمَنْ رغب عَن سنتي فَلَيْسَ منِّي " .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي "سنَنه" من حَدِيث عِيسَى بن مَيْمُون ، عَن الْقَاسِم ، عَن عَائِشَة قَالَت : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " النِّكَاح من سُنَّتي ؛ فَمَنْ لم يعْمل بسُنَّتي فَلَيْسَ منيِّ ، وَتَزَوَّجُوا ؛ فَإِنِّي مكاثرٌ بكم الْأُمَم ، ومَنْ (كَانَ) ذَا طول فَلْيَنْكِح ، ومَنْ لم يجد فَعَلَيهِ بالصيام ؛ فَإِن الصَّوْم وجاءٌ لَهُ " .
وَعِيسَى هَذَا ضَعِيف .
ويغني عَنهُ حديثِ أنسٍ الثابتُ فِي "الصَّحِيحَيْنِ" : " أَن نَفرا من أَصْحَاب النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ بَعضهم : لَا أتزوجُ ، وَقَالَ بَعضهم : أصلِّي وَلَا أَنَام ، وَقَالَ بَعضهم : أصومُ وَلَا أفطر ، فَبلغ ذَلِك رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : مَا بَال أَقوام قَالُوا كَذَا وَكَذَا ! لكني أَصوم وَأفْطر ، وأصلي وأنام ، وأتزوج النِّسَاء ؛ فَمَنْ رغب عَن سُنَّتي فَلَيْسَ منيِّ " .
قال الرَّافِعِيّ : وَورد فِيهِ غير ذَلِك من الْأَخْبَار ، وَهُوَ كَمَا قَالَ ؛ فلنذكَر عشرَة مِنْهَا :
[7/426] أَحدهَا : حَدِيث عبد الله بن عَمرو بن العَاصِي رَفعه - : " الدُّنْيَا مَتَاع ، وَخير متاعها الْمَرْأَة الصَّالِحَة " .
رَوَاهُ مُسلم .
وَفِي رِوَايَة للطبراني فِي "أكبر معاجمه" : " الدُّنْيَا مَتَاع ، وَخير متاعها الزَّوْج الصَّالح " .
ثَانِيهَا : حَدِيث سعيد بن جُبَير قَالَ : " قَالَ لي ابْن عَبَّاس : تزوَّجت ؟ قلت : لَا ، قَالَ : تزوَّجْ ؛ فَإِن خير هَذِه الأُمة كَانَ أَكْثَرهم نسَاء - يَعْنِي : رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " .
رَوَاهُ البُخَارِيّ .
ثَالِثهَا : حَدِيث الْحسن ، عَن سَمُرَة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - : " أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهَى عَن التبتل ، وَقَرَأَ قَتَادَة : (وَلَقَد أرسلنَا رسلًا من قبلك وَجَعَلنَا لَهُم أزاوجًا وذرية) رَوَاهُ ابْن مَاجَه ، وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ : حسن غَرِيب .
وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ من رِوَايَة عَائِشَة ، قَالَ التِّرْمِذِيّ : وَيُقَال : إنه حَدِيث صَحِيح .
وَقال ( النَّسَائِيّ ) : إِنَّه أشبه بِالصَّوَابِ من حَدِيث سَمُرَة .
[7/427] رَابِعهَا : حَدِيث أبي أَيُّوب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - رَفعه - : " أَربع من سنَن الْمُرْسلين : الْحيَاء ، والتعطر ، والسواك ، وَالنِّكَاح " .
رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ : حسن غَرِيب .
وَقد أسلفنا الكلامَ عَلَيْهِ وَاضحا فِي الْكَلَام عَلَى السِّوَاك فِي أول الْكتاب .
خَامِسهَا : حَدِيث ابْن جريج ، عَن [ عمر بن ] عَطاء ، عَن عِكْرِمَة ، عَن ابْن عَبَّاس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - : أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " لَا صرورة فِي الْإِسْلَام " .
رواه أَحْمد (وَأَبُو دَاوُد ، وَقَالَ الْمُنْذِرِيّ : رِجَاله كلهم ثِقَات .
وَالطَّبَرَانِيّ فِي "أكبر معاجمه") .
وَالْحَاكِم فِي "مُسْتَدْركه" وَقَالَ : إِنَّه حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط البُخَارِيّ (وَلم يخرجَاهُ . وَقَالَ النَّوَوِيّ : بعضه عَلَى شَرط مُسلم ، وَبَاقِيه عَلَى شَرط البُخَارِيّ) قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدِّين فِي (الإِمَام) : وَهَذَا بِنَاء عَلَى أَن عُمرَ بن عَطاء هُوَ ابْن أبي الخوار ، وَلَو كَانَ (الْأَمر) كَذَلِك لَكَانَ الْأَمر عَلَى مَا قَالَه الْحَاكِم وَالْمُنْذِرِي - [7/428] أَي : وَالنَّوَوِيّ - وَلَكِن ابْن عدي ذكر لعمر ابن عَطاء بن وراز تَرْجَمَة أورد لَهُ فِيهَا (هَذَا الحَدِيث من جِهَة عِيسَى بن يُونُس ، عَن ابْن جريج ، وَمن جِهَة أبي خَالِد الْأَحْمَر) عَن ابْن جريج وَقَالَ فِي آخر التَّرْجَمَة : ولعُمر بن عَطاء غير مَا ذكرتُ من الحَدِيث ، وَهُوَ قَلِيل الحَدِيث ، وَلَا أعلم رَوَى عَنهُ غير ابْن جريج ، وَذكر عَن عَبَّاس الدوري ، عَن يَحْيَى بن معِين أَنه قَالَ : عمر بن عَطاء الَّذِي يروي عَنهُ ابْن جريج ، يحدِّث عَن عِكْرِمَة ؛ لَيْسَ (هُوَ) بِشَيْء ، وَهُوَ ابْن وراز ، وهُمْ يضعّفونه [ فِي ] كلَّ شَيْء عَن عِكْرِمَة ، هُوَ (عمر) بن عَطاء بن وراز ، وَعمر بن عَطاء بن أبي الخوار ثِقَة (و) هُوَ الَّذِي يحدِّث عَنهُ أَيْضا ابْن جريج .
وَقال النَّسَائِيّ : عمر بن عَطاء بن وراز ضَعِيف .
وَقال يَحْيَى بن معِين : لَيْسَ بِشَيْء .
وَقال أَحْمد : لَيْسَ بالقويّ فِي الحَدِيث .

قلت : وَكَذَا فهم مَا فهمه الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين ، الْحَافِظ جمال الدَّين الْمزي ، وَذكر فِي "أَطْرَافه" عقب هَذَا الحَدِيث قولة يَحْيَى بن معِين السالفة ، و(غلَّط) ابْن طَاهِر ، الْحَاكِم فِي دَعْوَاهُ السالفة فِي "تَخْرِيجه لأحاديث الشهَاب" ثمَّ تبيَّن - بِفضل الله ومَنِّه - أَن مَا (قَالَه) الْحَاكِم هُوَ الصَّوَاب .
[7/429] قال الطَّبَرَانِيّ فِي "أكبر معاجمه" : ثَنَا أَبُو يزِيد (القراطيسي) ، ثَنَا حجاج بن إِبْرَاهِيم الْأَزْرَق - وَهُوَ من الثِّقَات - ثَنَا عِيسَى بن يُونُس ، عَن ابْن جريج ، عَن عمر بن عَطاء بن (أبي) الخوار ، عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس ، أَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " لَا صرورة فِي الْإِسْلَام " .
فَثَبت بِهَذَا أَن عمر بن عَطاء بن أبي الخوار يرويهِ أَيْضا - وَللَّه الْحَمد - وَهُوَ لم يَقع فِي رِوَايَة أبي دَاوُد وَالْحَاكِم مَنْسُوبا .
(فَائِدَة) : الصرورة - بِفَتْح الصَّاد الْمُهْملَة - : الَّذِي لم يتَزَوَّج ، وَالَّذِي لم يحجّ أَيْضا ، وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي : الصرورة فِي الْجَاهِلِيَّة : مَنْ لم يتزوَّج ، وَفِي الْإِسْلَام : مَنْ لم يحجّ ، حَكَاهُ الْمُطَرز .
سادسها : حَدِيث ابْن عَبَّاس أَيْضا أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " لم يُر (للمتحابين) مِثْلَ (التَّزَوُّج) " .
رَوَاهُ ابْن مَاجَه ، وَالْحَاكِم فِي "مُسْتَدْركه" وَقَالَ : صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم ، وَلم يخرجَاهُ ؛ لِأَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة وَمعمر بن رَاشد (أوقفاه) عَن إِبْرَاهِيم بن ميسرَة ، عَن ابْن عَبَّاس .
وَرَوَاهُ [7/430] الْبَيْهَقِيّ مُرْسلا ، وَقَالَ الْعقيلِيّ : وقْفه أوْلى
.
قلت : وَفِي إِسْنَاده : مُحَمَّد بن مُسلم الطَّائِفِي ، وَفِيه مقَال ، وَمُسلم أخرج لَهُ ؛ فَصَحَّ قَول الْحَاكِم أَنه عَلَى شَرطه .
سابعها : حَدِيث عَائِشَة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - :
أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " تزوَّجوا النِّسَاء ؛ فَإِنَّهُنَّ يأتيَنكم بِالْمَالِ " .
(رَوَاهُ الْحَاكِم أَبُو أَحْمد فِي "كِتَابه" وتلميذه الْحَاكِم أَبُو عبد الله فِي "مُسْتَدْركه" وَقَالَ : حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم ، وَلم يخرجَاهُ ؛ لِتَفَرُّد [ سلم ] بن جُنَادَة بِسَنَدِهِ ، و [ سلم ] ثِقَة مَأْمُون .
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي "مراسيله" عَن [ الرّبيع بن نَافِع ] عَن حَمَّاد ، [7/431] عَن هِشَام بن عُرْوَة ، عَن أَبِيه عُرْوَة أَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " انْكَحُوا النِّسَاء ؛ فَإِنَّهُنَّ يَأْتينكُمْ بِالْمَالِ ) " .
قال الدَّارَقُطْنِيّ فِي "علله" : وَهُوَ أصح من الْمسند .
ثامنها : من حَدِيث ابْن جريج ، عَن مَيْمُون [ أبي ] الْمُغلس ، عَن أبي نجيح و(هُوَ) أَبُو عبد الله بن أبي نجيح قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " مَنْ كَانَ مُوسِرًا لِأَن ينْكح فَلم ينْكح ؛ فَلَيْسَ منا " .
رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ وَقَالَ : هُوَ مُرْسل .
وَكَذَا قَالَ الدولابي فِي "كُنَاه" أَنه مُرْسل .
وَقال الْبَغَوِيّ فِي "مُعْجَمه" : يُشك فِي صحبته .
ثمَّ رَوَى لَهُ مَعَ هَذَا الحَدِيث حَدِيثا آخر ، وَذكره ابْن عبد الْبر فِي [7/432] "استيعابه" فِي جملَة الصَّحَابَة وَقَالَ : (لَهُ) حَدِيث وَاحِد فِي النِّكَاح ، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي "مراسيله" وَهُوَ يُقَوي مَا تقدم عَن الْبَيْهَقِيّ ومَنْ وَافقه .
تاسعها : حَدِيث أبي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " ثَلَاثَة حق عَلَى الله [ أَن ] يعينهم : الْمُجَاهِد فِي سَبِيل الله ، والناكح يُرِيد أَن يستعفف ، وَالْمكَاتب يُرِيد الْأَدَاء " .
رَوَاهُ النَّسَائِيّ ، وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ : حسن .
وَالْحَاكِم فِي موضِعين من "مُسْتَدْركه" فِي هَذَا الْبَاب ، وَبَاب الْكِتَابَة ، وَقَالَ فيهمَا : إِنَّه حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم .
وَرَوَاهُ (ابْن) حبَان فِي "صَحِيحه" أَيْضا .
قال الدَّارَقُطْنِيّ فِي "علله" : اخْتلف فِي رفْعِهِ وَوَقفه ، ورفْعُهُ صَحِيح .
عَاشرهَا : حَدِيث أنس بن مَالك - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - : أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " مَنْ رزقه الله امْرَأَة صَالِحَة فقد أَعَانَهُ عَلَى شطر دينه ، فليَتَّق الله فِي الشّطْر الثَّانِي " .
رَوَاهُ الْحَاكِم فِي "مُسْتَدْركه" عَن الْأَصَم ، ثَنَا أَحْمد بن عِيسَى اللَّخْمِيّ ، ثَنَا عمر بن أبي سَلمَة التنيسِي ، ثَنَا زُهَيْر (بن) مُحَمَّد ، [7/433] أَخْبرنِي عبد الرَّحْمَن بن زيد ، عَن أنس بِهِ ، ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد وَلم يخرجَاهُ .
قال : وَعبد الرَّحْمَن بن زيد بن عقبَة الْأَزْدِيّ مدنِي ثِقَة مَأْمُون .
وَفِي "تَلْخِيص (الْمُتَشَابه) " من حَدِيث أنس أَيْضا مَرْفُوعا : " مَنْ تزوج امْرَأَة فقد أُعْطِي نصف الْعِبَادَة " وَفِي إِسْنَاده : زيد العمِّي ، وَهُوَ ضَعِيف .
وَفِي "سنَن أبي دَاوُد" و "مُسْتَدْرك الْحَاكِم" عَن ابْن عَبَّاس قَالَ : " لمَّا نزلت هَذِه الْآيَة : (وَالَّذين يكنزون الذَّهَب وَالْفِضَّة) كَبُر ذَلِك عَلَى الْمُسلمين ، قَالَ عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - : أَنا أُفَرِّج عَنْكُم ؛ فَانْطَلقُوا ، فَقَالَ : يَا نَبِي الله ؛ إِنَّه كبُر عَلَى أَصْحَابك هَذِه الْآيَة ! فَقَالَ : إِنَّه مَا فرض الزَّكَاة إِلَّا ليطيب مَا بَقِي من أَمْوَالكُم ، وَإِنَّمَا فُرِضَتْ الْمَوَارِيث لتَكون لمن بعدكم .
قال : فَكبر عُمرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - وَقَالَ : أَلا أخْبركُم بِخَير مَا يكنز : الْمَرْأَة الصَّالِحَة ؛ إِذا نظر إِلَيْهَا سرَّته ، وَإِذا أمرهَا أَطَاعَته ، وَإِذا غَابَ عَنْهَا حفظته
" .
قال الْحَاكِم : صَحِيح عَلَى شَرط (الشَّيْخَيْنِ) وَلم يخرجَاهُ .
وَقال [7/434] الشَّيْخ تَقِيّ الدِّيْن فِي (الإِمَام) فِي كتاب الزَّكَاة : اخْتلف فِي إِسْنَاده .
ثُمَّ ذكره مُبينًا (وَالْحَمْد لله حق حَمده) .